دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 صيغ وأشكال من المسرح السياسي في أمريكا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: صيغ وأشكال من المسرح السياسي في أمريكا   الجمعة مارس 25, 2011 6:32 am

صيغ وأشكال من المسرح السياسي في أمريكا
الأستاذ الدكتور/ أحمد صقر- كليةالأداب – جامعة الإسكندرية
نهج كتاب ومبدعي الحركة المسرحية في أمريكا نهجا اختلف في بعض الأحيان واتفق في أحايين أخر مع غيرهم من كتاب وصناع المسرحية السياسية نصا كان أم عرضا في كثير من بلدان العالم,فقد اتخذ المسرح السياسي هناك هذه الصيغ والأشكال التالية :
أولاً: مسرح الصحف الحية فى أمريكا:
هو تحويل الأخبار الصحفية الهامة والأحداث الجارية والمشاكل الكبرى التى تهم الرأى العام إلى شكل مسرحى أقرب إلى الإسكتشات القصيره، يشاهدها المشاهد داخل مناظر بسيطة "على أن تعرض تلك المشاكل الممسرحة ممثلون حقيقيون تساعدهم فى ذلك المؤثرات الصوتية والضوئية والحيل المسرحية المعبرة .. ولقد إنتقل هذا الشكل المسرحى من روسيا وألمانيا ولقد إحتضن هذا الشكل اليساريون الذين يهدفون إلى نقد وتعرية وفضح المشاكل الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والعمل إلى الدعوة إلى معالجتها. ومسرحيات الصحف الحية الأمريكية ظهرت فى فترة الكساد الأمريكى، والتى قدمت شكلاً جديداً من الصنعة الدرامية الأمريكية، إلا أن التغيرات الإجتماعية إلى جانب موت المسرح الفيدرالى الأمريكى، قد وضعت نهاية لمسرح الصحف الحية.
وقد ظهر هذا المسرح فى الثلاثينات فى عام 1935 على وجه التحديد "حينما ترأس المراريس" فروعاً من المسرح الفيدرالى، أطلق عليه هذا الإسم وليختفى بعد ذلك بفترة قصيرة وكان "أرثر أرنت" هو المحرر الأساسى للجرائد الحية تعاونه مجموعة من المحررين والمخبرين والمصورين الصحفين، ولقد تأثر مسرح الصحف الحية بالمسرح الملحمى أو المسرح التعليمى فى أوروبا ليصح من أبرز منجزات المسرح الفيدرالى وهو تطوير لشكل دعائى صرف عرفته شوارع موسكو وبوابات مصانعها لعدة سنوات بعد الثورة تحت إسم "مقطوعات الدعاية والإثارة" ولكنها – أى الصحف الحية- كانت تناقش مشكلة سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية بطريقة أكثر موضوعية من مقطوعات الدعاية والإثارة.
ويرى الدكتور عبد العزيز حموده أن الأزمة الإقتصادية كانت الدافع الأساسى لظهور مسرح الصحف الحية فى أمريكا ويصف الدكتور عبد العزيز حموده مسرح الصحف الحية بأنه الشكل الملحمى الذى يعتمد إلى حد كبير على القيمة الترفيهية للحقيقة ويستخدم مكبر الصوت، والصور المعروضة على الشاشة الخلفية للمسرح، والأعلام، والإضاءة الخاصة ولكن أهم وسائل الربط هو التناقض والتضاد، وفى بعض الأحيان ترى هذا التناقض فى المشاهد المتقابلة، إما فى الفكرة أو الرسالة ... ويعتمد تكنيك الصحف الحية على تغيير المشاهد السريع، والإضاءة الماهرة، والخريطة التى تظهر فى خلفية المسرح والسينما، وكلها من الخصائص الأساسية التى ميزت الصحف الحية. ومسرح الصحف الحية لا يقوم أحداثاً منفصلة بل مشكلة تتكون من عدة أخبار يربطها جميعاً نمط كلى واحد يوفر لها أثراً عاماً واحداً مستخدمة الإذاعة والفيلم كحدث إخبارى، وفى هذه المسرحيات تنعدم المحاولة لمعالجة الفرد كبطل، إذ أن المؤلفين يعالجون قطاعات عريضه وتنقسم الشخصيات إلى مجموعتين.
أولاً: الشخصيات الحقيقية المأخوذة من الواقع التاريخى والتى تظهر على المسرح بأسمائها الحقيقية المعروفة للجمهور.
ثانياً: هناك الشخصيات الخيالية التى أبتدعها خيال المؤلف.
وإذا كانت الدراما .. حتى السياسية منها، تلجأ إلى الكثافة فى اللغة فى جميع أحوالها حتى تكون عملاً فنياً جديراً بالإحترام، إلا أن الصفات المميزة لهذا الشكل هو إستخدام التكرار ولا تكاد توجد مقطوعة دعائية واحدة لم تستخدم هذا التكنيك إلى أقصى درجة وفائدة التكرار هنا، هو التاكيد على الشخصية أو الموقف، حتى يستوعبه المشاهد ويبرز أمامه عنصر هام يراد التأكيد عليه كحقيقة تاريخية أو سياسية أو إقتصادية يعرفها الناس جميعاً .. ونلاحظ إصرار مقطوعات الإثارة والدعاية على مشاركة الجمهور فى العرض، وهو مطلب يتمشى تماماً مع طبيعة هذا الشكل وهو الإثارة فمسرح الجريدة الحية، يقيم علاقة جدلية مع المتلقى، كعنصر مشارك فى الحدث المسرحى، ومشارك فى القضية المطروحة "كمواطن يعنيه حلها بشكل مباشر" ومن منطق أن مقطوعات الدعاية والإثارة تستخدم فنها كسلاح فى مؤسسة شعبية تذهب إلى الجمهور أينما وجد، متبنية مبدأ الحرية والإنطلاق فى إستخدام التكنيك المسرحى فى الإخراج والذى تدعو له وقت ذلك جماعة المستقبلين وتتمثل سمات الجريدة الحية فى تكنيك المشهد القصير والمونتاج والشخصية النمطية المسطحه، والحوار غير الواقعى أو التعبير عن التكرار تارة والإختصار تارة أخرى، ثم هذا وهو الأهم، طريقة العرض غير الواقعية، وإستخدام التضاد، سواء بين مشهدين أو فى داخل المشهد الواحد ... وهناك المسرحية التى تنتهى بالتحول أو الإنقلاب وذلك حينما يكتسب البطل أو الشخصية الأساسية فى المسرحية إدراكاً أعمق ومعرفة أدق بصراع الطبقات ويبدأ مشاركته فيه، أى أنه ينتقل من حالة جهل إلى حالة معرفة وسوف تصبح هذه الخصيصة أيضاً من خصائص الصحف الحية، وذلك حينما يقوم صوت الصحف الحية بتعليم المستهلك وإطلاعه على حقوقه وكشف سارقيه، وطريقة مطالبتهم بحقوقه ... ولم يحاول مسرح الجريدة الحية، خلق أى إيهام بالواقع سواء فى النص أو فى عناصر العرض المسرحى.
والفرق الأساسى بين المسرح التقليدى ومسرح الصحف الحية هو أن المسرح التقليدى يهتم بالفرد، أما مسرح الجريدة الحية فيهتم بالمجموع وذلك كما يرى الدكتور عبد العزيز حموده حيث يقول:
وإن مسرح الصحف الحية يختلف عن المسرح التقليدى فى أنه لا يتناول قصة أساسية واحدة أو محبوكة، ولا يقدم شخصية أساسية أو مجموعة أساسية من الشخصيات وهو لا يتناول مشكلة أو مشاكل فئة معينة محدودة من الناس ولكنه بدلاً من هذا كله الذى يميز المسرح التقليدى فى كثير من الأحيان يركز إهتمام الجمهور على شكل أكبر تهم أكبر عدد ممكن من الناس" ومسرحيات الصحف الحية مكتوبة من خلال وجهه نظر تقدميه من شأنها أن تعمل على الدعاية والإثارة، كما يعرف من إسمها ويعتبر مسرح الجنوب الحر والذى ينادى بحرية الزنوج من أقرب الأشكال إلى مسرح الصحف الحية حيث ينتقل ومن أشهر ما مقدمه مسرحية فى أمريكا البيضاء، وهى مسرحية تعليمية أقرب إلى المسرح الملحمى معتمدة على الوثائق والمقتطفات التاريخية، كذلك المسرح السرى فى أمريكا الذى ينزل إلى الجمهور ليشارك فى حركة المجتمع، غير مرتبط بمكان معين فلا تحده خشبة مسرح بل يعرض فى الطرقات والشوارع والمقاهى والكنائس المهجورة والجراجات القديمة.
ثانياً: مسرح الشارع:
مسرح الشارع مسرح سياسى راديكالى يقدم عروضه فى الشوارع والمدارس والمراكز التجارية وخارج بوابات المصانع، وفى أى مكان أخر يمكن أن يتجمع الناس فيه إنه مسرح بسط وإثارة "للقضية" وتمارس فرق هذا المسرح نشاطها بصوره واعية لدورها كوسائل للدعاية لصالح حركات اليسار واليسار الجديد وهى تمثل – شأنها فى ذلك شأن تلك الحركات نفسها- نوعاً من رد الفعل إزاء الحياة الإجتماعية فى أمريكا المعاصره.
ورغم أن لهذا اللون من المسرح العديد من السوابق التاريخية إلا أنه لم يتبلور كحركة متميزة فى أمريكا إلا مع عوده اليسار فى أعقاب حقبة الماركاثية.
فلقد ظهرت معظم هذه الفرق الموجوده الآن فى أمريكا بدءاً من عام 1967 أو 1968 وفى ظل تأثير الحركة المناهضة للحرب وقد إلتقى العديد من أعضاء هذه الفرق على نحو منتظم ثم إكتمل تناسقهم معاً كأعضاء فريق واحد يتبنى منظوراً سياسياً واحداً وأسلوباً محدداً فى العمل إلا أن أغلب هذه الفرق كان أقل قدرة على البقاء أو إتصف تشكيلها بطابع العرضية، كان يلتقى عدد من الأفراد للإعداد لعرض يتقدم صفوف حركة الإحتجاج أو المشاركة فى التهيئة لمظاهرة. وبعد أن ينهى العرض تتفرق المجموعة ليتابع كل منهم أداء المهام السياسية التالية حتى تظهر الحاجة إلى مادة عرض جديدة فيلتقى أعضاء الجماعة مرة أخرى وتؤكد الطبيعة الخاصة لشروط هذه العروض- حيث لا يقدم عرض من هذا النوع مطلقاً على خشبة المسرح التقليدى، فليس هناك مسرح واحد يسمح بذلك- فضلاً عن طبيعة الموقف السياسى لغالبية المشاركين فيها، حقيقة أن هذه الفرق تتمسك بطابعها غير الإحترافى، فكل ما هو مطلوب للمشاركة فى نشاط أى فرقة هو القناعة الكاملة بالمشاركة فى نشاط عمليه تحضير العرض وتطوير المهارات الضرورية لتقديمه فى مستوى معقول، وأخيراً الحد الأدنى من الإتفاق مع التوجهات السياسية للفرقة وأغلب ما يقدمه هذا المسرح هو نوع من رد الفعل إزاء "إغتراب" الممثلين عن الجمهور، والذى يجسد التفتت الإجتماعى الناشىء عن تقسيم العمل فى المجتمع الطبقى.
لقد بدأت خطوات التطور الأولى لمسرح الشارع فى أعقاب التطور الحديث الذى شهدته حركة اليسار، وهى الحركة التى نما هذا المسرح من داخلها والتى ظلت تؤثر فيه دائماً، لقد توصلت فرق كثيرة من مسرح الشارع إلى قناعه فكرية مؤداها أن هناك أسباباً موضوعية وتاريخية وإجتماعية لإحساسهم بالإغتراب وأصبحوا يلمسون الحاجة إلى مسرح يملك أسباب التعنيف على الإغتراب الإجتماعى من خلال الممارسة الإجتماعية الجماعية والنشاط السياسى.
ولقد أعطت بدايات حركة مناهضة الأمبريالية خلال عامى 1967، 1968 لفترة وجيزة إهتمامها الأساسى للنشاط المناهض للحرب، فتجمعت المظاهرات الضخمة عند بوابات مراكز التجنيد ومراكز الإدارة المدنية التابعة للقوات المسلحة. وتم تشكيل مجموعة من فرق مسرح الشارع لإضفاء طابع درامى على المسائل المعنية والقضايا المطروحة.
وتتناول الأعمال المختارة فى مسرح الشارع بوجه عام الأشكال الرئيسية للقهر والصراع فى المجتمع الرأسمالى المتقدم. ومع ذلك فإن الفرق والجماعات المختلفة فى هذا المسرح تتبنى وجهات نظر شديدة التباين فى معالجة هذه القضايا. إنها تقدم نقداً يتراوح بين اللوم والنواح الأخلاقى وبين التحليل المتعمق والمتصل والمحبوك درامياً فى الوقت ذاته للأسباب والديناميات الأساسية للقهر، إلى جانب طرح إستراتيجيات عامة لمواجهته والتغلب عليه.
ولقد أدرك العاملين فى هذا المسرح- رغم وجود بعض الإستثناءات- أن الناس لم تعد تحتاج، فى الأغلب الأعم، لأن نخبرها أن الواقع إضطهادى أو قمعى، إنما المطلوب بالنسبة لهم تقديم تناول تحليلى للقهر أو القمع الواقع عليهم. أن يحصلوا على معرفة لأسبابه، وإرتباطه بالقهر الواقع على الأخرين والإستراتيجيات الصائبة للتغلب عليه هذا ويعتمد مسرح الشارع فى مسرحياته على التركيز وقصر المسرحية والسخرية من المفاهيم الإجتماعية، ممزجه الخيال بالواقع، والغناء بالدراما فهى قريبة الشبه إلى حد كبير بمسرح الجريدة الحيه شكلاً ومضموناً بالإضافة إلى دعوته لإنهاء الحروب عن طريق المسيرات – والمظاهرات، كما يدعو إلى السلام بين بنى البشر، عن طريق الإحتجاج والثورة على سلوكيات رجال السياسة أما بالنسبة لكيفية عروض المسرح الشارع فتتم العروض فى أسلوب سهل لاذع يستعين فى وجوده بأدوات أدائية بسيطة يمكن نقلها وتركيبها فى سهولة مثل ستائر، مسجله، أشرطه، أقنعة، آلات موسيقية، أشرطة سينمائية، وما شابه ذلك وتتكون الفرقة– فى العادة- من مؤلف ومخرج وممثلين وبعض المساعدين فى الأعمال الفنية الأخرى، وتؤدى العروض فى الجراجات المهجورة، وأفنيه الكنائس وبدرومات المقاهى والبارات، وفى الشوارع العريضة حيث يتحلق الناس ليشاركوا فى الدعوة إلى السلام.
ومن هذه المسرحيات "مباراة كوتيكتيكوت" وقدمت هذا العرض فرقة الفنون الراديكاليه التابعة لحركة الطلاب الديمقراطية بجامعة كوتيكتيكوت فى 14 ديسمبر خلال لقاء مشترك لحركة الطلاب الديموقراطيين وإتحاد والطلاب السود وكان يستهدف تحديد ما يجب عمله فى مواجهة مخطط الجامعة لإدخال الداعين لفك الإضراب إلى الحرم الجامعى.
"برم المسمار" قدمتها فرقه الفنون الراديكالية التابعة لحركة الطلاب الديمقراطية بجامعة كاليفورنيا صيف 1969.
مسرحية الدمى وقدمها مسرح سان فرانسيسكو ولقد بذلت فرق مسرح الشارع فى السنوات الأخيرة جهوداً متنامية من أجل الإرتفاع بالمعرفة الإدراكية إلى مستوى المعرفة المفاهيمية، ففى بداية حركة مناهضة الحرب كانت أغلب الفرق تستشعر الأهمية القصوى لتعريف الجمهور بالنتائج المترتبة على سياسات الطبقة الحاكمة فى أمريكا، ومع إنكشاف الحقائق نهائياً أصبح واضحاً أن القضية الأهم هى المساهمة فى إحداث التغيير، وهى إعلام الجمهور الأمريكى بالحقائق المرعبة للحياة الأمريكية، فمعظم الإطار المفاهيمى الذى يمكن أن نفهم من خلاله هذه الحقائق، أو ذلك التحليل للأسباب الكامنه لمشكلاتنا الإجتماعية والإستراتيجيات المناسبة للتغلب عليها والمهم الأساسية الملقاه على عاتق المسرح التقدمى اليوم هو تطوير ونشر هذا التحليل.
ثالثاً: المسرح الحى:
لم يطرح المراريس فى كتابه المسرح الحى مدخلاً ولا تعريفاً لدراسة المسرح الحى، وسرعان ما تأكدنا أنه، لم يكتب كتابه لدراسة هذا النوع من المسرح بعينه، بقدر ما كان دراسته عامة وشاملة للمسرح بشكل عام والمسرح الحى، إسم مناسب ومعبر عن إلتزامه بكسر الحاجز الفاصل بين ما هو معروض على خشبة المسرح وما يحدث فى الحياة "والمسرح الحى رغم أنه لا يرتبط بنظام سياسى من حيث نشاطه ومن حيث قضاياه المطروحة، إلا أنه يعمل على إدانه المجتمع الرأسمالى، ويرفض جميع أشكال المسارح التجارية، يرفض نصوصها المسرحية، وطريقة إخراجها، وإهتمامها بالربح أو الخسارة، إنه مسرح يسعى نحو تحرير الإنسان، على المستوى الإقتصادى، والإجتماعى، والسياسى، خلاصة القول، إنه مسرح يسعى لتحرير الإنسان على كل المستويات، وحول أسلوب التعبير والمضمون فى المسرح الحى، يرى سعد أردش أنه:
"يتجه نحو أسلوب التعبير الساخر ولا يخشى التعبيرات التى تعتبر منحطه وقبيحة بالمعايير التقليدية العامة، ويتضمن قاموس البحث الصرخات والغمزات والإلتواءات، أما المضمون فهو فضح سوءات المجتمع الإستهلاكى، وشجب الحرب وبوجه خاص حرب فيتنام أو حرب أفغانستان أو العراق، ويمكن القول بأن المسرح الذى يندد بالحروب ويدعو إلى السلام ويعمل على إدانه المجتمعات الرأسمالية، وفضح المجتمعات الإستهلاكية يكون قد تأثر بصوره مباشرة وإيجابية بتعاليم "بسكاتور" ثم "بريخت" وإرتباط المسرح بالجماهير، خارج حدود جدران دور العرض بعيداً عن التحكم الذى تمارسه سلطة الحكومة على الفنانين، وهو التحكم المادى والإدارى، الذى يعوق الفنان المبدع عن أن يقدم رؤياه وموقف جديد تجاه العالم، ولهذا السبب فإن العروض الجديدة التى أبتدعها المسرح الحى، عروض ملتزمة فى أساسها ولكن الإلتزام أعم من هذا تجاه أزمة الإنسان المعاصر عموماً ويرفض إعطاء المسرح الحى السلطة بجميع أنواعها، ويؤكدون كمجموعة من الفوضوين الحرية الفردية. بشكل مطلق، بما فى ذلك حق الفرد فى المشاركة فى الثورة كل بمفهومه ورؤيته الخاصة، للثورة وهكذا صارت الفوضى مرادفة للثورة، عند أصحاب المسرح الحى، ومن ثم يمارس ممثلو المسرح الحى أدوارهم بوصفهم ممثلين سياسين، ولقد تكررت إحتجاجات الفرقة على الأوضاع الإجتماعية فى بعض المناسبات السياسية إيماناً منها بأن المسرح قرين للسياسة، ومنها ما أحدثته من أفانين الإثارة والتحريض فى عامى 68، 1969، عندما قدمت عروضها مثل "فرانكشتين"، و "الأسوار" ، "أنتيجون" و "الجنه الآن" ومن الأحداث المثيرة التى تروى عن هذه الفرقة، إلغاء القبض عليهم وفى صحبتهم بعض المشاهدين المتحمسين لأراء وأفكار الفرقة، وذلك لتلبسهم بحاله العرى الكامل فى أثناء عرض المسرحية، وكانت هذه الحالة (العارية) الأولى من نوعها، فى المسرح بشكل عام، ولولا تدخل بعض رجال المسرح لدى السلطات، لما أمكن إطلاق سراحهم، لقد إستطاعت فرقة المسرح الحى، أن تحول الجماهير من مجرد مشاهدين للعرض المسرحى العارى إلى جماعات من الممثلين تشارك فى الفعل المسرحى ومن ثم يتحول الحدث المسرحى إلى حدث واقعى والعكس.
وحيث يواجه أعضاء المسرح الحى وهم عرايا ضيوفهم من المشاهدين فى ملابسهم التقليدية، وهؤلاء فى نظر المسرح الحى ليسوا إلا عملاء للدولة البورجوازية ولقد إختلف النقاد حول عروض المسرح الحى، بل حول سلوكات أعضاء هذه الفرقة ومفهومهم للحرية فمن النقاد من سخر منهم، ومنهم من تحمس لهم ومنهم من رماهم بالطفولة والجهل.
رابعاً: الجماعات المسرحية:
والجماعات المسرحية، كمسرح سياسى، تؤيد التغيير الإجتماعى وقد عمدت بوسائل مختلفة لكى تحقق أهدافها، فوجهوا بؤرة مشاهديهم إلى العالم الحقيقى، حيث يمكن أن يحدث التغيير سواء أكان للعالم الداخلى للمتفرج، أم لنظام إقتصادى وسياسى، ولقد وجدت الجماعات المسرحية طرقاً للتفاعل مع جمهورهم لكى يكونوا مجتمعاً من أجل الحدث الذى يبغون تحقيقه، عن طريق التفاعل بين الممثل والمتفرج، على شريطه آلا يتقمص دوره تقمصاً كاملاً، تماماً كتكنيك الممثل فى مسرح الجريدة الحية ومسرح الشارع، والمتفرجون أيضاً موجودون وجوداً واعياً دون أن يستغرقهم الإيهام أو الإندماج الكامل مع الحدث.
والجماعات المسرحية "تكتب مسرحيات بشكل جماعى" كالمسرح الشارعى، بالإضافة إلى وجود كتاب يكتبون عروضاً خاصة بهذه الجماعات المسرحية، وكعادة الجماعات المسرحية، فإنها تختلف فى أهدافها وطريقة عرضها، وتماماً كما إختلفت من قبل جماعات المسرح الشارعى، فى أهدافها وطريقة رؤيتها للأمور، بمنظورات مختلفة، فإن الجماعات المسرحية، وعلى الرغم من أنها فى معظمها جماعات إشتراكية إلا أن أهدافهم مختلفة كما يرى (تيودور شانك).
فالبعض يرغب فى تحرير الإنسان من جبروته الذاتى والبعض الأخر يرغب فى تغيير التركيب الإقتصادى والسياسى لكى يحرر الإنسان بشكل عام من الإستغلال الذى يتعرض له من قبل الرأسمالية والإمبريالية أو الدولة التى يسيطر عليها حزب واحد يخضع الجميع لمشيئة.
ومن أشهر هذه الجماعات فى أمريكا جماعة أو فرقة "سان فرانسيسكو مايم" ومن أهم أهدافها كجماعة مسرحية هو دفع الناس للتمكن من التحرك لتغيير المجتمع بمساعدة الفنون التى تعمل على تجميع الجزئيات معاً لتكون رؤيه لحياة أفضل ويؤكد جون هولدن أن الإبتهاج والدهشة للناس الذين يكونون فى حديقة المدينة عندما يصادفوا بالعرض من مجموعة غير منظمة من الممثلين الذين هم فرقة سان فرانسيسكو مايم، ليقول الناس هذه هى الطريقة التى ينبغى أن تكون فى فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية بلغ الأدب الأمريكى مرحلة جديدة من الكمال الفنى وعمق المعنى وبدخول عام 1925، كانت الحركة الأدبية قد إستقرت، وتحددت أشكالها ومراميها، وبدأت حركة الإحتجاج والتبشير التى حمل لواءها الأدباء الراديكاليون والإنسانيون الجدد تتسع للنقد الذى كان يتأهب لمواجهة مشكلات المجتمع، ومشكلات الشخصية ومشكلات الشكل الأدبى، وطرحت الفنون الأدبية- القصة الأدبية- القصة والشعر والمسرحية – قيودها القديمة ودخلت فى عهد من التجريب لم تشهده من قبل.
ولد معظم كتاب الجيل الجديد فى أواخر القرن التاسع عشر وترعرعوا فى السنوات التى بلغت فيها أمريكا سن الرشد كقوة دولية وحينما بلغوا مبلغ الرجولة وجدوا أنفسهم يواجهون ظروفاً بدا لهم معها أن الحضارة الغربية يتهددها الإنهيار، إذ أن البربرية التى كان يظن أنها قد إنتهت إلى الأبد برزت فجأة كقوة تتحدى العالم الذى عرفوه العالم الذى كان فيه السلام والرخاء والتقدم قد أخذت على أنها حقائق مسلمة ودلالة على بلوغ الإنسانية أهدافها، ولقد سيطرت عليهم فى البداية تحت تأثير الصدمه والقنوط روح الجهاد لتصحيح الأوضاع ولجعل العالم مرة أخرى حصناً حصيناً للديمقراطية ولخوض الحرب لإنهاء كل الحروب وللعناية بالجرحى ولإثارة شعوب أوروبا ضد زعمائها الغارقين فى الضلال لقد تزعم "ودرو ديلسون" حمله الجهاد هذه وصاغ معظم شعاراتها إلا أن كتابات "تيودور دربزيه" و "هـ . ل. منكن" ونقاد فرنسا وروسيا وإنجلترا كانت المورد الذى نهل منه الجيل الجديد وفى ظاهر الأمر كان هؤلاء الشبان يبدون كجماعة من المثاليين والمصلحين ولكنهم فى قرارة أنفسهم كانوا يدركون أن الشر الذى يقاومونه ألصق بوطنهم وإن لم يشاءوا الإعتراف بذلك وحينما توقفت الحرب الأولى فجأة مثلما بدأت نظر هؤلاء الشبان فإذا بلادهم وإن قاست من الصدمة، لم تعان كثيراً من ويلات الحرب بل إن شعبها ربح ربحاً كبيراً من تجارة الأسلحة ومن الإحساس بالقوة والزهو اللذين يصحبان النصر، ولما تبدد الوهم وإنجلت الحقيقة فى المعركة العسكرية بدأوا معركة من أجل الكمال الأدبى والأخلاقى فى أمريكا وفى ذواتهم ونال الكثيرون منهم – بل أغلبهم – على الرخاء المادى العظيم الذى أعقب الحرب وعادوا، بعد أن سرحوا من الخدمة العسكرية، إلى أوروبا ليترددوا هناك على معارض الفنون فى باريس وليتناقشوا فى مسائل الفن والسياسة وليبدوا أفكارهم التى إتقشع عنها الوهم ولينهكوا أجسامهم – إستدلالا بما كتبوا فى الشراب والملذات إن الأدب القوى يطرح من الأسئلة أكثر مما يجيب وبالنسبة للكتاب الأمريكيين الذين نضجوا فى ما بين الحربين العالميتين تحول ما كان يبدو فى أول الأمر هروباً غير مسئول من الحقيقة ليصبح وسيلة لتحقيق رسالتهم الحقه، لقد كان هؤلاء الشبان بحاجة إلى "المنظور الزمانى والمكانى" ليكتشفوا أشكالا فنية جديدة للتعبير عن أزمة الإنسان فى القرن العشرين.
إكتشف هذا الجيل أن المثقفين الأوربين كانوا أكثر منهم إحساساً بخيبة الأمل وبدأت عقده النقص التى تثقل كاهل الكتاب الأمريكيين بدأ ثقلها يخف إلى حد ما لقد أدركوا أن لديهم "فلكولوراً" وأشكالاً فنية جديدة، ونمطاً وطنياً خاصاً، وحضارة ومنحهم هذا الإدراك الثقة الضرورية بالنفس، فخلقوا أسطورة "الجيل الضائع" ثم شرعوا فى العمل ليكتشفوا ذواتهم من جديد لقد إتخذت القصة المسرحية نمط الإنسلاخ ثم العودة إلى الإندماج وإستعرضت حياة المنفى العشرينات من القرن وفى عام 1934 كان يبدو أن إعادة بناء المجتمع هو الوسيلة الوحيدة والطبيعية لتحقيق العودة للإندماج وكان هناك سبيلان أمام الفنان إما أن يهرب من مجتمعه إلى مشكلاته الذاتية وإما أن يربط نفسه بالإنسانية ويتقبل الحركات التى تعده بما هو أفضل من أجل الإصلاح الإجتماعى وتعود شهره أوديتس ككاتب مسرحى إجتماعى- وكممثل لهؤلاء الكتاب- إلى أنه كان أبرز ممثلى المسرحية الإجتماعية إذ بينما نلاحظ أن كتاباً أخرين فى هذه الفترة سلكوا طريق أونيل فى إقتفاء التعبيرية الألمانية وطبعوا إحتجاجهم الإجتماعى بطابع أكثر واقعية، مثل "المراريس" الذى تسير أعماله فى إتجاه الأحياء الماركسى الذى ساد فى الثلاثينيات، نجد أن هذا الإتجاه ليس بروليتارياً بالتحديد مثلما نجدو عند أوديتس فى مسرحية فى إنتظار اليسار، ولم يستطيع كتاب أخرون "أن يصلوا إلى ما وصل إليه أوديتس من إستشراف للنظرة البروليتارية كاملة" لقد فعلت الأزمة الإقتصادية الكبرى فعلها فى تكوين أوديتس وحددت أهدافه ككاتب مسرحى، وشكلت إهتمامه الأساسى لقد حددت إلتزامه ككاتب بإنه إلتزام إجتماعى أكثر منه إلتزام فنى، ولقد حاول أن يعبر عن إحتجاجه الإجتماعى بالعمل حين ذهب إلى كوبا فى عام 1935 ولكنه أدرك أن ذلك لم يكن هو السبيل الأكثر فعالية والتى يستطيع بها أن يعمل على تغيير الظواهر التى وجدها غير مقبولة لقد أدرك بعد ذلك أنه يستطيع أن يقدم معتقداته من خلال كتاباته ويجعلها أكثر فعالية بهذه الوسيلة من أن يقود جماعات تقوم بإحتجاج عملى وفى هذا الشأن قال لمراسل مجله تايم فى عام 1938 "والناس لا يستطيعون إلا أن يفعلوا شيئاً واحداً الكاتب يجب أن يكتب وفوق ذلك فالانفجار ليس هو أهم ما يعنى الكاتب بل إن ما يجب أن يعنيه هو الأسباب التى تؤدى إليه".
بهذه العبارة يحدد أوديتس إهتمامه الأساسى إن إهتمامه الأساسى منصب على الأسباب أكثر من إنصبابه على النتائج أو العلاج وبينما كانت البروليتاريا خلال عقد من الزمان تحاول أن تجد جواباً للمشكلات التى فرضتها الأزمة الاقتصادية عليها إن المحور الرئيسى فى مفاهيم أوديتس الإجتماعية هو إحتفاظ الإنسان بإحترامه لذاته، وهذه النقطة هى التى تدور حولها معظم كتاباته وعنها تتفرع نقاط أخرى مثل علاقة الفرد بالدولة وعلاقة الفرد بالفرد وعلاقة الفرد بعائلاته. إن المشكلات الإجتماعية والأوضاع الإقتصادية المترديه هى الأساس فى تخريب هذه العلاقات وتشويه الإنسان وفقدانه إحترامه لذاته وثقته بنفسه "وفى إنتظار اليسار" واستيقظوا وترنموا من مسرحيات أوديتس المبكرة وتتميز هذه المسرحيات عموماً بأنها مستوحاه من ظروف الأزمة الإقتصادية إبان الثلاثينات والمسرحيتان تعد من أدب البروليتاريا، إذ أنهما تصوران حياة الطبقة العاملة ومشكلاتها ومعاناتها بتعاطف وتفهم، وتكشفان عن الظلم الاجتماعى وبينما تعنى مسرحية فى إنتظار اليسار بتصوير حياة فئة من الطبقة العاملة هم سائقوا سيارات الأجرة، تعنى مسرحية إستيقظوا وترنموا بتصوير حياة عائلة من الطبقة العاملة تحاول أن ترتفع إلى مكانه أعلى كذلك فإن أرثر ميللر الذى عانى شخصياً من أزمة الكساد الكبير ومن التعسف المكارثى كان ينطلق هو الأخر من نفس النقطة تقريباً وأعلن تمرده بشكل أو بأخر وظل أحد المناهضين للإمبريالية الأمريكية والأيدلوجية الرأسمالية عموماً وسنرى أنه فى مسرحية "البوتقه" يهاجم الشكل القبيح أو الوجه الحقيقى للنظام الأمريكى الذى يتخفى خلف قناع الديمقراطية وحرية الرأى أما فى الساعة الأمريكية فهو يهاجم الرأسمالية ويرى شأنه شأن جميع اليسارين أنها مسئولة عن الأزمات الشديدة التى تظهر كنتاجاً لآليات السوق فى حركتها العشوائية غير المنظمة وعلى أى حال فهذه المسرحية إنما تنطلق من موقف يبدو أنه عقائدى أو بحكم إنتماؤه إلى اليسار أو على الأقل بإعتباره أحد مناهضى الرأسمالية الأمريكية.
البوتقه والماكارثيه:
وهى قصة من واقع الحياة الأمريكية ولقد مسرحها ميللر بعد ما وجد تشابهاً كبيراً بين الفترة التى كانت تحياها أمريكا وقت كتابه المسرحية والفترة التى عاشتها قريه ساليم عام 1692 ولقد ظلت مأساه هذه القرية فى ذهن ووعى الشعب الأمريكى حتى أن كاتبيين مسرحيين أخرجا منها مسرحيتين هما "مسرحية طفل" "لفلورنس ستيفنسون" التى نالت بها جائزة فردريك بكاليفورنيا ومسرحيه "العاثرون على السحره" للويس كوكس، وقبل هاتين المسرحيتين كان هناك كتاب بعنوان "الشيطان فى ماسا شوستس" يتناول هذه الحادثة من الناحية التاريخية والنفسيه.
والحادثة كما يقول ميللر نفسه تشبه كثيراً ما يجرى حالياً فى المجتمع الأمريكى وإن الإنسان يجب أن يرى زعماء أمريكا والعالم الحديث يعالجون الوهم بتعقل وشجاعة مثلما فعل شيوخ "ماسا شوستس" ولم يكد ينتهى عام 1952 حتى قامت فى أمريكا حركة تشبه تماماً الحركة التى ظهرت فى ساليم وكان يتزعم هذه الحركة السيناتور الأمريكى المشهور "جوزيف مكارثى".
وقصة ساليم هى قصه جماعة من الناس جاءوا إلى أمريكا مهاجرين وعاشوا إخوه طالما جمعتهم المصلحة المشتركة ولكنهم عندما يستقرون تبدأ بينهم الفرقه والطبقية والطمع وجمع المال وتراكمه والتهافت عليه فيحقد الواحد منهم على الأخر ويضمر الشر والخبث له ثم ما تبدأ قصة وجود ساحرات فى القريه حتى يلتقطها الحاقدون ويستخدموها للهجوم على أعدائهم والنيل منهم وتتضح المأساه بعمق وروعه عندما يرفض "جون بروكتور" أن يوقع بإمضائه على وثيقة تدين بعضاً من سكان القرية ....
لقد صار ضمير الفرد من إختصاص الإدارة كذلك، وكما يقول ميللر.. لقد صار الضمير شيئاً يناولونه بعضهم البعض ويشكرون بعضهم البعض عليه.. لم يعد مسأله تخص الفرد وحده .. وهذه هى العقده الدرامية للمسرحية وهى عقده تشبه عقده أنتيجون لسوفوكل.
ولقد طلب ميللر نفسه ليستجوب أمام لجنة "مكارثر" ثم طلب منه أن يوقع على وثيقة بأسماء الكتاب الأمريكيين الذين كانوا معه فى إجتماعات الكتاب الشيوعيين سنة 1947 ولكن مؤلف البوتقه والفنان الذى رسم شخصيه حول بروكتور رفض نفس الشيء الذى عرض على جوب بروكتور وأعرض عن حمى الحقد التى كانت تجتاح أمريكا فى ذلك الحين والتى كانت تتهم كل صاحب رأى حر وتنسب إليه نشاطاً معادياً لأمريكا وتلصق به تهمه قلب نظام الحكم الأمريكى وإنتهزها "ميللر" فرصه ووجد فيها موضوعاً لمسرحيته.
لقد كان أهل ساليم يخافون الظروف الطبيعية من حولهم وهم الأغراب فى أمريكا عام 1692 كانوا يخافون الهنود الحمر والغابه القريبة والأراضى الشائعة المهجورة من حولهم.. وكانوا متدينين وكانوا يظنون أنفسهم وسط هذا الإلحاد قلعه الله وحماه دين الله ولذلك فقد إستقر فى طبيعتهم بعض العناء والمقاومة اللذين صارا إضطهاداً للأخرين، لقد كان هؤلاء المهاجرون من نسل المضطهدين دينياً فى إنجلترا هؤلاء هم الذين هربوا من الإضطهاد الدينى فى إنجلترا وجاءوا إلى أمريكا ليتعبدوا فى حرية ولكن الإضطهاد الذى عانوه جعلهم يسنون بعض التقاليد والقوانين لحماية أنفسهم بإعتبار أنهم يمرون بفترة عابرة ولكن هذه القوانين والتقاليد صارت حياتهم. وصارت الفترة الإنتقالية جزءاً لا يتجزأ من حياتهم كلها ومن ثم بدأوا يمارسون الإضطهاد على أنفسهم. هذه هى المأساة وهى نفس المأساه التى عاشتها أمريكا أيام المكارثيه.. لقد نظرت أمريكا حولها فوجدت نفسها أمام عدو قوى هو الإتحاد السوفيتى ومجموعة من الأصدقاء الضعاف هم الدول الغربية ثم وجدت أنها لكى تحمى نفسها لابد من سن بعض القوانين لمقاومة ما أسمته "النشاط المعادى لأمريكا" وإنتهز بعض الحاقدين الفرصة فألفوا لجنه برياسة زعيم لهم يدعى "السيناتور مكارثى" وأخذت هذه اللجنة تعتقل وتقدم للمحاكمة كل من له نشاط هدام فعلاً ولكنها فى حميه الحقد لم تستطع أن تميز بين النشاط الهدام والرأى الحر وصار كل منادٍ بالإصلاح أو كل صاحب عقيدة تخالف العرف الأمريكى ممن تنسحب عليهم تهمه النشاط المعادى لأمريكا ... وهكذا صار الخوف هو الذى يحكم أمريكا .. الخوف من السوفيت، والخوف من عملائهم، والخوف من الحاضر، والخوف من المستقبل ... وأخيراً تولد الخوف من أنفسهم ضد أنفسهم ... هذه هى العقيدة التى يجب أن يكتب عليها والتى تشبه ما ساد فى أمريكا فى الماضى والتى يجب أن يرفع العلم محذراً مواطنيه من آثارها.
ولكن ميللر عرف عقده ساحرات ساليم قبل أن تعانى أمريكا من المكارثيه ولقد جرب الكتابة فى هذا الموضوع فى مسرحيتين من المسرحيات التى كان يجرب بها الكتابه للمسرح فى بداية حياته الأدبية كتب يقول من موضوعهما إن الأولى عن أخوين من طلبه الجامعة كل منهما يؤمن بالراديكالية ولكنهما على طرفى نقيض، والثانية عن ثورة فى سجن ينضم فيها المجانين إلى العقلاء معلنين الثورة، ثم عالج "ميللر" نفس الموضوع عندما كان يعد ويعيد كتابه "عدو الشعب" لأبسن فقد أثرت فيه هذه المسرحية حتى بدأ يعالجها من جديد وفى هذا يقول ميللر:
"الفكرة الرئيسية فى حياتنا الإجتماعية .. هى ببساطة: هل ترفع الضمانات الديمقراطية فى وقت الأزمات السياسية وهل يعاقب الناس إذا أعلنوا فكرتهم عن الحقيقة، هذه هى الفكرة الرئيسية وهى فكرة خالدة لأن كل مجتمع متحضر سيواجه يوماً ما فرداً يصر على أنه على صواب وأن الناس فى مجموعهم على خطأ ... هل يجب أن يحمى الناس فى هذه الحالة أنفسهم من رأى الفرد.


"أرثر ميللر" ومسرحية الساعة الأمريكية:
هذه المسرحية نموذج لمسرحيه تأثرت بجميع الإنجازات الفنية فى المسرح العالمى من حيث إستخدامها للتسجيلية، مع الإمتزاج بقضايا المجتمع السياسية والإجتماعية والإقتصادية، مع إدانة أسباب التدهور الذى أبتلى به المجتمع الأمريكى فى فترة من أهم الفترات إبان الأزمة الإقتصادية العالمية الطاحنه التى مرت بها المجتمعات الرأسمالية من 1929-1932 ومع تفشى البطاله بشكل عام، وسقوط شرائح طبقية فى ربقة العوز والفقر، بل والحرمان بينما الكساد يطحن الجميع تحت أضراسه التى لا ترحم، ومسرحية "الساعة الأمريكية" تسجل وقائع فترة الأزمة وآثارها على أبطاله، حيث إستقى الكاتب مادته من بين تلك الظروف، التى وعاها أثناء صباه، فلقد عانى من الأزمة، وعاشها كعامل إنتظم فى أعمال عديده حتى يوفر قوته، ويعتمد على نفسه، فمارس أدنى الأعمال، حيث عمل خبازاً وموزعاً للخبز بأحد المخابز، عليه أن يستيقظ فى الرابعة والنصف صباحاً لكى يقوم بعمله، الذى يتكسب منه عده دولارات قبل موعد ذهابه إلى المدرسة، كما عمل فى محل بيع قطع غيار السيارات بأجر محدود، وهو ما سجله عند تصويره لشخصية "برت" بطل مسرحيه "ذكرى يوم من أيام الأثنين" كما عمل كمحرر ليلى فى جريدة يومية محليه، وعمل فى مصنع للصناديق، ومساعداً ميكانيكياً أى صبى ميكانيكي فى السفن، مما كان لذلك أكبر الأثر على بنائه لعدد من المسرحيات التى كتبها وأخرها الساعة الأمريكية، التى تمثل رائعة من روائع "أرثر ميللر" والتى عبر مشاهدها أعاد الكاتب الكبير تفاصيل سنوات الكساد بظلالها الكئيبة على المجتمع الأمريكى. كما صب ميللر بين سطور الحوار وعباراته الحقيقية اللاذعة، كما يتضح من حوار كل من ليفرمور، وأرثر روبرتسون.
ليفرمور: أرثر، هل يمكنك أن تقرضنى خمسة آلاف دولار؟
روبرتسوف: بالتأكيد "يجلس بينما يخلع فرده حذاء".
ليفرمور: ماذا تفعل بحق الشيطان؟ يا إلهى آلا تثق بأى شىء "يسحب روبرتسوف عن الحذاء رزمة من الأوراق العالية فئة الخمسة آلاف دولار يعطى ليفرمور واحد منها، بينما ليفرمور يحلق فى حذاء روبرتسوف".
روبرتسوف: ليس كثيراً.
ليفرمور: حسناً ... أظن أنى أفهم هذا، لكنى لا أستطيع القول بأننى معجب به "يضع الورقة فى جيبه، وينظر ثانيه إلى أسفل حذاء روبرتسوف، ويهز رأسه"،حسناً أظن أن هذا هو وطنك آلاف "يستدير مثل رجل أعمى ويذهب خارجاً.
مما سبق نرى أن غياب الشعور بالآمان والإحساس به لدى روبرتسون- وهو رجل أعمال- يجعله لا يثق فى البنوك، أو المؤسسات العالمية، بل يتحول هو إلى مؤسسة عالية متنقلة ويصير الحذاء وطنه، أو البنك الخاص به، وذلك يمثل رؤية ميللر الزاعقة لما جرى فى النظم والبلدان الرأسمالية أثناء فترة الأزمة، حيث ضعفت الثقة فى البنوك وبدأ الناس يسحبون أرصدتهم ويحولونها إلى ذهب ومعادن نفسية، كما تهاوى الكثيرون إلى قاع الإفلاس مثل شخص ليفرمور فى المسرحية، الذى يحاول أن يستعيد نفسه بواسطه ذلك القرض الذى يتناوله من حذاء صديقه روبرتسون.
وجدير بالملاحظة أن مسرحية الساعة الأمريكية تعرض حالة سقوط أسرة متوسطة، وقعت تحت براثن الأزمة فيرهنون بيتهم، وتحيط بهم البطالة ومن ثم لابد أن تفرز تلك الظروف شخصية البطل "لى بوم" الذى لابد وحتماً أن يعتنق الأفكار الإشتراكية، كما تقول عنه الأم "رزو" فى حوارها مع الفتاة "درويس" أبنه صاحب الأملاك.
روز: أقول لك الآن، لو أنى وثقت ثانية فى أى شخص أو أى شيىء لتمنيت أن يقطع لسانى.
دوريس: ربما يعود "لى" ويساعدهم.
روز: أبداً "لى" له أفكاره الخاصة وعليه أن يواجه الحقائق، لم يتعلم منا أى شيء، فليساعد نفسه.
لوسيل: ولكنه يؤمن بالشيوعية.
روز: لوسيل، ماذا تعرفين عنها، ماذا يعرف أى شخص عنها؟ الصحف قالت أن سوق الأوراق المالية لن يهبط أبداً مرة ثانية.
لوسيل: ولكنهم ضد الله يا خالتى.
"جوانب من شخصية ميللر فى المسرحية".
ولما كان من المؤكد أن "أرثر ميللر" رسم شخصيته فى مسرحية "ذكرى يوم الأثنين" من خلال التحولات الفكرية التى أصابته مسجلاً إياها عند تصويره لشخصية "برت" فإنه رسم نفسه أيضاً- عند تصويره لشخص بطل الساعة الأمريكية "لى" فهو يرجع كل ما أصاب أبطاله إلى الظروف الموضوعية، كما أنه يدفع ثمن ذلك وفق مستويين- الأول مستوى المعاناه اليومية نتيجة سقوط أسرته تحت براثن الأزمة، والثانى: مستوى الوعى فشخصية "لى" هى شخصية المثقف الذى يتابع ما يدور فى مجتمعه والمجتمعات الأخرى، والذى يعلن رفضه الكامل لكل سمات المجتمع الرأسمالى الأمريكى ويقول "ميللر" على لسان "لى" بطل المسرحية "أنا لا أفهم كيف يدبر الناس أمورهم لكى يعيشوا فلقد أغلقت بنوك كثيرة أبوابها، ولم تسقط الأمطار لعدة شهور، حتى السماء جف ماؤها، كل مدينة مليئة بالرجال الجالسين على جوانب الطرق، وظهورهم مسنوده على وجهات المحلات، لا يفعلون شيئاً سوى النظر إليك، أو ينامون، بأن الأمر أشبه بالسحر مازالت أحاول أن أجد عيوباً فى الماركسيه لكنى لا أستطيع..
والملاحظ أن شخصية "لى" فى المسرحية تمثل شخصية المثقف المتسائل دائماً ... هو مثقف أمريكى فى أوائل الثلاثينيات أثناء الأزمة الإقتصادية العالمية، يقدم الكاتب حاملاً كثيراً من التوترات التى تصيبه كنتيجة لكل ما يدور فى مجتمعه، مما يجعل الآلاف من المثقفين فى العالم ينتمون إلى الفلسفة الماركسيه، ويؤمنون بضرورة التحول نحو الإشتراكية، خاصة مع صعود الإتحاد السوفيتى، ونجحاته المتلاحقة، وعدم ظهور آثار الأزمة على المجتمعات التى تبنت التخطيط الكامل وعدم ترك الإقتصاد بأيدى أصحاب رؤوس الأموال. والمؤكد أنه بالرغم من الأبعاد السياسية فى المسرحية فإن قيمة العمل الفنى كعمل مسرحى لم تقل أبداً ... مع وجود الصراع التقليدى الذى لاح مباشراً بين الأبطال. والمسرحية تنتمى بصفة واضحة بما عرف بالمسرح التسجيلى السياسى، كان الصراع فيها لا يقف عند مستوى الصراع بين الأشخاص والأبطال. بل كان الصراع صراع بين الواقع والأزمة ومن يقفون ورائها ويستفيدون منها.
وبين كل ذلك لا يتوانى "أرثر ميللر" أن يقدم رؤيته على ألسنه الشباب خاصة رؤيته فى المستقبل، كما يراه هو مع مجموعة الشباب أصدقاء "لى" وهم "جو" و"الف" و "رودى" وهؤلاءهم العينات الممتازة التى تحركت عليها مؤشرات الساعة الأمريكية، كما يريد آرثر ميللر أن يعلن فى مسرحيته، فهو يشكك فى المؤسسات الرأسمالية، ويدعو إلى عدم الإطمئنان الكامل لآلياتها، وفى هذا فهو يحمل هموم أكثر الناس بساطة. بل وأكثرهم عدداًَ، الذين لا يستطيعون فى مثل تلك الدورات الإقتصادية "دوره التضخم، ودوره الكساد" التى لا ترحم أن يحافظوا على مستواهم الإجتماعى، وهو يحذر من العيوب البنيوية فى الرأسمالية، التى تقوم على المنافسة المطلقة، والتى تستتبع الأزمات الدورية، والمجتمعية، والتى تكون فى حركتها مثل عقارب الساعة، ومن ثم سمى مسرحيتة "بالساعة الأمريكية".

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
صيغ وأشكال من المسرح السياسي في أمريكا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: