دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 العلاقة بين المسرح والمجتمع اليوناني (نموذج تطبيقي )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: العلاقة بين المسرح والمجتمع اليوناني (نموذج تطبيقي )   الخميس مارس 31, 2011 6:08 am

العلاقة بين المسرح والمجتمع اليونانى
(نموذج تطبيقي )
الأستاذ الدكتور/ أحمد صقر- كلية الآداب- جامعة الإسكندرية
==========================
إن المسرح ظاهرة إنسانية قديمة قدم المجتمع الإنسانى نفسه، ولأن الدوافع إلى قيامها لم تختلف كثيراً فى العالم القديم – إلى حد ما – عنه فى العالم الحديث، فقد حظيت بالإهتمام والدراسة من جانب الدارسين والنقاد والباحثين، وذلك لأنها لا تخص مستقبل منطقة معينة من المناطق بقدر ما تخص حياة الملايين من البشر داخل المجتمع ككل. ومن ثم أدركت المجتمعات الكبرى أهمية المسرح، لذا أنشأت العديد من المعاهد والأكاديميات التى اهتمت بدراسة المسرح ومن ثم ارتباطه بالمجتمع، أو بمعنى آخر كيف نستطيع أن نتعرف على مجتمع فترة من الفترات من خلال المسرح.
إن القول بأن العلاقة بين المسرح والمجتمع علاقة جديدة أمر يجانبه الصواب، ذلك أن هذه العلاقة أزلية وقديمة ذلك أن صورة المجتمع القديم (الفرعونى – اليونانى – الرومانى) عندما تتعرف عليها من خلال المسرح نجد أنها توجد روابط وشيجة بين طبيعة هذه العلاقة والعلاقة فى العصر الحديث فقد تعرفنا من خلال المسرح على نشأة بعض المدن، وظهور بعض المشاكل الاجتماعية المترتبة على ذلك، ومشكلة الحكم والوحدة السياسية بين الشعوب والدول، كل هذه الأمور تؤكد على طبيعة العلاقة الحميمة بين المسرح والمجتمع منذ القدم.
من ناحية أخرى أود أن أؤكد أن المتصفح لأعمال كتاب المسرح اليونانى يستطيع بسهولة أن يتعرف على طبيعة وأحوال المجتمع اليونانى ومكانة المسرح بالنسبة لهم. حقيقى أن الظروف التى مر بها المجتمع اليونانى عندما نتعرف عليها نجدها بعيدة جداً عنا بأى من المقاييس المتعارف عليها سواء من حيث العقيدة وهى أساس الخلاف وكل ما نجده يشترك بيننا من وشائج هو المعنى الإنسانى العام الذى أفرزه المسرح تعبيراً عن المجتمع.
إن شعراء المأساة اليونانية كانوا يكتبون لجمهور من عامة الناس، ولابد أن كل خاطر بعثوه خلال كلماتهم وكل فكرة أرادوا أن ينقلوها وكل شعور أرادوا له أن يداخل النفوس أو يداعبها وكل انطباع نبع من الموقف الدرامى، كان يعنى لجمهور ذلك العصر أكثر مما يعنى بالنسبة لنا، قد تبدو لنا بعض القضايا التى عالجها سوفوكليس أو أحد زميليه غير حقيقية ولكنها بالنسبة لجمهور، ذلك العصر كانت قضايا فعلية تتفجر بالقوة والحيوية وكان فى مقدورهم أن يدركوا كل التلميحات التى يرمى إليها سوفوكليس، أو غيره من خلال إشارات خفية، وكان فى مقدورهم أن يفهوا ما إذا كان سوفوكليس أو غيره قد قصد إلى مباغتاتهم بأفكار وعبارات متضاربة أم أنه أراد أن يعرض عليهم منهجاً من مناهج التفكير.
ذلك أن شعراء التراجيديا الإغريقية عندما كتبوا مآسيهم كانوا يعلمون أنهم يخاطبون جمهوراً – يختلف حظه من العمق والثراء فى مجال النضج الفكرى من فرد إلى آخر وكان كل من هؤلاء الشعراء يقدر أنه لو صاغ عمله من صميم تجاربه الذاتية – أو تجارب غيره فقد يفقد جمهوره وحدته الانفعالية فحاول – لهذا السبب – أن يوفق بين شتات جمهوره ويوائم بينهم.
وعلى الرغم من أن الدين فى عصرهم – الشعراء – لم يكن مدوناً فى كتاب مقدس ولم يكن له دستور ثابت، فقد كان يشتمل على عدة وجهات نظر عن حقيقة العلاقة بين الآلهة والإنسان، ونحن نعرف وجهات النظر هذه من مؤلفات هؤلاء الذين تقبلوها فبجلوها أو من هؤلاء الذين سخروا منها وعرضوا بها. فإذا كان سوفوكليس يعالج قضية دينية فلدينا فى مؤلفات التابعين له إشارات نستطيع أن نحكم على ضوئها فيما يعرض علينا وأن نلمح من خلالها كيف كان الرأي العام آنذاك فيما يختص بتلك القضية فى وجودها الفعلي فى الحياة لنفهم بعد ذلك القيمة الأخلاقية الكامنة فيما يمثله شعراء التراجيديا على المسرح.
يجب علينا أن ندرك أن ظروف المجتمع الإغريقي بما تتضمن من مظاهر السلوك والعقائد والتقاليد كل هذه الظروف قد أزدهرت من خلال الأعمال المسرحية، على أننا لا نستطيع أن نرجح أن المادة التى يقدمها الكاتب لابد وأن نفهمها من منطلق ظروف وأفكار وطبيعة المجتمع فى هذه الفترة. فمثلاً من خلال بعض هذه الأعمال المسرحية نستطيع أن نتعرف على أحوال وظروف الأسرة اليونانية ومن ثم المجتمع بشكل عام. فمثلاً من خلال مسرحية "أجاممنون" لاسخيلوس" وكذا مسرحية افيجينيا فى أوليس وتاوريس وغير ذلك من أعمال أخرى نستطيع أن نتعرف على طبيعة العلاقات الأسرية ومن ثم نستطيع القول أن المسرح كان وثيق الصلة بالمجتمع وأستطاع أن يبرز هذه الصلة من خلال أعمال الشعراء المسرحيين.
وقبل أن أمضى فى هذا السبيل أطرح عدداً من التساؤلات لأتبين طبيعة العلاقة بين المسرح والمجتمع أول هذه التساؤلات أود أن أتعرف على الفارق بين المسرحية التى تصور السلوك الاجتماعي وبين المسرحية التى يتجلى فيها نمطية موضوعها وعالميته. ذلك أننى أفترض أن هذا لا يرجع إلى الظروف الاجتماعية التاريخية النشطة، بل يرجع أساساً إلى تطور الحس التاريخى للكاتب المسرحى. وهذا يؤدى بطبيعة الحال إلى ضرورة التعرف على نقطة أخرى تتمثل فى كيفية تصوير المسرح أحوال المجتمع تصويراً فنياً درامياً، كذلك أود أن أتعرف من خلال العلاقة بين المسرح والمجتمع اليونانى على وضعية مجتمع هذه الفترة أو بمعنى أخرى كيف يعيش وكيف يجب أن يعيش هذا المجتمع من خلال المسرح؛ من ناحية أخرى يمكنا أن نتعرف على الديمقراطية أو الاشتراكية من خلال المسرح ؟ .
المسرح والمجتمع القديم:
أختلفت الآراء فيما يختص بالإتجاه الذى سلكه المسرح منذ القدم، ذلك أن فريق يرى أن المسرح يسير منذ نشأته على يد كتابه القدامى فى خط تقدمى يعبر عن تطورات لاحقة بعضها للبعض الآخر، على حين يرى البعض الآخر أن المسرح عندما توقف فى فترات ما بعد القرن الخامس ق.م وفترات المسرح الرومانى وهى تمثلت فى القرون الأولى الميلادية إلى أن وصلنا إلى العصور الوسطى وعصر النهضة يرى أصحاب هذا الرأى أن المسرح قد بدأ مرة أخرى من نقطة الصفر أى من الكنيسة مثلما بدأ المسرح القديم مرتبطاً بالأساطير والمعتقدات الدينية الإغريقية وهناك بدأ المسرح القديم مرتبطاً بالأساطير والمعتقدات الدينية الإغريقية وهناك رأى آخر يقول أن المسرح فى تطوره يرتبط ارتباطا وثيقاً بالمجتمع فهو يجمع بين الاتجاهين أى التطور والتوقف ليستعيد نفسه ويتطور بعد ذلك مثل المجتمع فى أى مرحلة من مراحل تطوره.
والدارس للمسرح اليونانى يستطيع أن يصل إلى حقيقة مؤكده فيما يختص بظروف المجتمع إذا نستطيع من خلال هذه الأعمال أن نؤكد على أن المجتمع شهد الحروب الكثيرة المتصلة ذلك أن المجتمع اليونانى والرومانى، قد شهد الحروب ثلاثة عشر قرناً بينما ساد السلام قرنين فقط من الزمان، كل هذا يؤكد جانباً هاماً فى المجتمع القديم، وهى أن الحرب كظاهرة شغلت المجتمع القديم مثلما شغلهم كذلك الرياضة واللهو.
فمثلاً نستطيع من خلال بعض أعمال كتاب المسرح اليونانى أن نتعرف على بعض النواحى التى شكلت مجتمع هذه الفترة منها الحرب التى هددت الحضارة والمجتمع اليونانى والتى أعقبها الدمار والتفكيك السياسى والإنحلال الإجتماعى والبؤس الاقتصادى، وقد أدان كتاب المسرح الإغريقى الحرب وبخاصة شعراء التراجيديا اليونانية حيث يقول الشاعر المأسوى إسخيلوس ذلك التقى الورع أن الحرب كالرجل المعتوه الذى يحاول أن يسخر من خلق الرب وفاق الشاعر المأساوى الثائر المتمرد يوربيديس سلفه إسخيلوس إستنكاراً للحرب حيث نقل إلى المسرح دمار الحرب وخرابها وقد فعل ذلك بعقلية المثقف الذى يمثل نهاية عصر عظيم.
فمن خلال أعمال هيرودوت مثلاً نستطيع أن نتعرف من خلال دراسته للحرب الفارسية اليونانية على أخطار الحرب ومشاكلها، ويقول فى هذا الصدد (لقد حل ببلاد اليونان خلال الأجيال الثلاثة من عهود دارا Darius وأكسيركيس مصائب أكثر مما حل بها خلال العشرين جيلاً التى سبقت دارا كان بعض المصائب مسبباً عن الفرس والبعض الآخر مسبب عن الصراع بين قادة اليونان حول السلطة العليا (مسرحية الفرس).
الأدب اليونانى يعبر عن المجتمع اليونانى الأنانى الممجد لذاته:
عند قراءة روائع المسرح اليونانى أو مشاهدة بدائع فنه أو تذوق أفكاره السياسية يجب علينا حينئذ ألا نقارن هذه الروائع بالسياسة اليونانية. فقد كانت السياسة الإغريقية بربرية أميل إلى العنف، خالية من كل المبادئ والأخلاق.
وهذا يبين التناقض بين الواجهة الحضارية والواجهة السياسية، لقد كانت السياسة والسياسة الخارجية بالذات هى نقطة الضعف فى ديمقراطية دويلات المدن اليونانية، ولا يوجد كاتب اغريقى واحد (سوى ايسوقراط فى القرن الرابع) اهتم بالسياسة الخارجية وفكر ونادى بوجوب قيام وحدة بين المدن اليونانية لأن الكتاب تمسكوا بالإستقلال والاكتفاء الذاتى.
النزعة العنصرية والتعصب الدينى فى المجتمع الإغريقى من خلال المسرح:
من الأمور التى تتعلق بالمجتمع الإغريقى وكيف أننا شهدناها تتضح فى المسرح الإغريقى ما يتمثل فى أن الإغريق قد عرف عنهم بأنهم شعب ذو نزعة عنصرية وتعصب قومى ووطنى.
ولا شك أن تعصب المدن اليونانية لاستقلالها كان نتيجة لظاهرة ثابته وهى نزعة التعصب العنصرية القومية، وهى فى الحقيقة مشكلة عامة فى التاريخ البشرى كله.
ونتيجة لهاتين النزعتين فقد آمن الإغريق بأن سيطرة القوى على الضعيف أمر طبيعى وأن من حق الأقوى أن يحكم الأضعف ويظهر ذلك بوضوح فى المسرح اليونانى القديم، وقد عبر عن هذه الفكرة الشاعر "بندار" من الناحية العاطفية، أما المؤرخ " ثوكدديدس" فقد فلسفها فى حوار جدلى ونطق به على لسان سياسى اثينى يخطط لتدمير دويلة جزيرة "ميلوس".
إن ما ساد المدن اليونانية من نزعة العنصرية وصل به الحال إلى التعالى على الشعوب الأخرى، بل والأفراد والأسر كما يتضح فى مسرحية (أبناء هيراكليس) حيث نجد نعرة الانخراط فى جنس أو سلالة مؤلهة تخرج من نطاق الفرد الحاكم إلى نطاق الشعب بأكمله عندما يعلن قوم أنهم ينحدرون من سلالة شخصية معينة، فقد أدعى "الدوريون" بأنهم ينحدرون من سلالة "هيراقليس" البطل الأسطورى الإغريقى وبرروا حربهم العدوانية ضد أهل البيلوبونيز الأصليين بأنها حرب مشروعة وسموا غزوهم لهذه المنطقة بعودة أبناء "هيراكليس". إذن نجد الاستعلاء العنصرى يسود بعض دوائر المدن الإغريقية ويساعد فى تعصبها وكبريائها.
وقد ناقش الشاعر والكاتب "يوربيديس" قضية التعصب على أساس الإدعاء بالأصالة المواطنة على المسرح فى محاولة لإظهار طبيعة العلاقة بين المجتمع والمسرح وذلك فى إطار فلسفى ساخر من خلال مسرحية "أيون" البطل الأسطورى ابن الاله " أبوللو" الذى أدعت " أثينا " أنه جدها الأول، إذ نجد هذا الشاعر الفيلسوف الذى كتب هذه المسرحية وسط مأساة الحرب البيلوبونيزية يستخدم العقل والمنطق فى تحليله لهذا الإدعاء، فهو يظهر"ابوللون" و"أيون" كشخصيات مستهترة تعيث فى الأرض فساداً وتكاد تقطر أنانية وصلافة، وهو تحليله للمعتدى الذى يبرر عدوانه بأسطورة دينية مختلفة.
تخلخل النظام الاجتماعى فى بلاد اليونان وانعكاسه من خلال المسرح:
نتيجة التعصب الدينى بين المدن اليونانية سادت الفوضى السياسية وحدث الصدام بينها، الأمر الذى منع حدوث الوحدة بينها ولعل من أهم الأسباب التى منعت توحدهم هو تعنت الطبقات الحاكمة.
وإذا أردنا أن نتعرف على ما أصاب المجتمع اليونانى من تخلخل النظام الإجتماعى فإننا نعتمد على الشعراء والكتاب والفلاسفة اليونانيون إذ أنهم مصدرنا الأول للكثير من المعلومات. ذلك اننا فى القرن السادس والخامس قبل الميلاد نجد الكتاب والشعراء يقبلون النظام الاجتماعى السائد وقتئذ وهو النظام الاستغلالى، ويقبلون أيضاً وجود نظام العبيد كحقيقة مسلمة لا تقبل النقد أو المعارضة، كما أن النظام الاجتماعى كان يقوم على أساس الوراثة والاقطاعية كما لقى هذا النظام قبولاً من جانب بعض الفلاسفة. وقد تغير نظام الحكم فى بلاد اليونان بعد طرد الفرس وتحول من حكم الفرد للشعب إلى حكم الشعب أو حكم الجماعة، وهو ما تعنيه كلمة ديموقراطية ،Demos Critis
إلا أن النظام لم يتغير فى جوهره عما كان عليه من قبل وبخاصة فى نظرته إلى نظام الرق، فقد حرصت التشريعات الديمقراطية الجديدة على حرمان العبيد من جنى أى من الثمار السياسية أو الاجتماعية التى اكتسبها المواطن الإغريقى.
إذن نستطيع أن نقول أن النظام الديمقراطى قد منح بعض المميزات لبعض الناس دون غيرهم، كل هذا وكذا ازدياد الأحوال الاقتصادية سوءاً من انتشار الفقر والبطالة هذا إلى جانب فشل الحكومة فى أن تجد علاجاً حتى اضطرت إلى تشجيع الهجرة، كل هذا أحدث التفاوت بين الطبقات فى بلاد اليونان.
نتيجة هذه الفوضى التى مر بها المجتمع اليونانى كان ولابد أن يستجيب المسرح كمرآة للمجتمع فى أن يعكس هذه الظروف من خلال الأعمال المسرحية، فيسجل المسرح السلبيات كما يتضح فى مسرحية "الفرس" حيث يفر ستوكليس بطل سلاميس من الحرب ليجند للعمل مع الفرس فى نهاية أيامه، ولعل انتشار الفقر والرشوة كانت من أسباب الخيانة التى انتشرت فى المجتمع الإغريقى.
أزمة القيادة وأثرها على الحرب والسلام وانعكاسها من خلال المسرح:
إن التفاوت الطبقى فى المجتمع اليونانى كان من أهم الأسباب التى أدت إلى إندلاع الحروب والثورات الإجتماعية، ذلك أن مشكلة الحكم فى المجتمع الإغريقى كانت من المشكلات الكبرى التى نتجت عن التفاوت الطبقى، اقتصر مركز الحكم على الطبقة الثرية، ولم يكن الأمر يرجع لعامل الكفاءة أو الاستعداد العقلى والنفسى لهذه الوظيفة، وكثيراً ما أدى ضعف الحاكم إلى فوضى سياسية وبالتالى اندلاع الحروب.
من ناحية أخرى فإن النساء لم يتمتعن بمكانة مرموقة جعل لهن الحق فى أن يصلن إلى مراكز القيادة إلا فى القدر الضئيل، ذلك أن النساء أقرب إلى المسالمة وتأييد السلام من الرجل، ونستطيع أن نتعرف على صدى هذا فى المجتمع الإغريقى من خلال المسرح، عندما كتب أرستوفانيس ليسجل أوضاع المجتمع اليونانى ونظمه البالية فى نظام الحكم فى مسرحية الهزلية " لوسستراتا " Lysistrata فى أحلك أيام أثينا أثناء الحروب البيلوبونيزية الكبرى، لقد تخيل الشاعر الساخر – وأثينا محاصرة ومغلقة على نفسها كقلعة يحيط بها الأعداء- انقلابا تقوم به النساء فى محاولة لوقف القتال الدائر بين الإغريق ومن أجل الحفاظ على الرجال الذين تناقص عددهم وندر وجودهم.
وكذا نستطيع أن نتعرف عند نفس الشاعر ومن خلال مسرحيته "برلمان النساء" على بذور الاشتراكية عندما أعلن أن النساء استولين على الحكم وأردن مشاع الأمور بينهن وأن يحكمن من منطلق نظام يعرف اليوم باسم الاشتراكية.
موقف المسرح من قضايا المجتمع اليونانى:
إن المتأمل للمسرح اليونانى يتوقف كثيراً بين لحظة وأخرى ليحس سطوة الوجدان اللاهوتي العام كإدانة "سقراط" الذى دعا إلى التوحيد، وإدانة "اناكساجورس" بالإلحاد، وإدانه "بروتاجوراس" لمجرد أنه ضبط يقرأ كتاباً عن الآلهة بصوت مسموع فى منزل "يوربيديس" فأحرق الكتاب وفر "بروتاجوراس" ليلقى بنفسه إلى البحر، وفى المقابل هناك أمثلة وفيرة بدءاً من روائع المسرح وإنجازات الفلاسفة والسفسطائيين العظام، وما حققه الفن الإغريقى والعلوم الطبيعية وغيرها بما يشير إلى أن موقف الكتاب إزاء ميثولوجيا العصر لم يكن موقف الراخى المستسلم وإنما موقف الثائر المصلح وإن كان ذلك قد تم من خلال استخدامه للرمز والإيحاء والتلميح لا من خلال القصد المباشر والتصريح.

التشكيك فى قدرة الآلهة وإنعكاسه على المسرح:
عرف ذلك العصر مجادلات حول التفرقة بين الطبيعة والعرف كما شهد بروتاجوراس الذى كان أستاذا ضليعاً فى اللغة والنحو ومعلماً للخطابة والذى أطلق صرخة الشجاعة فى التشكيك فى الآلهة قائلاً : " أما عن الآلهة فلا حيلة لى لمعرفة هل هم حقاً موجودون أم لا ؟ فإن الحجب التى تستر المعرفة كثيرة منها الظلام الذى يستر الموضوع، وقصر عمر الإنسان، وشهد العصر أيضاً كثيرين غير" بروتاجوراس" من الذين شككوا بشكل أو بآخر فى وجود الآلهة وأن كانوا اسعد منه حظاً لأنهم لم يلقوا مصيره، ولكن بروتاجوراس الشجاع هو الذى وضع قانون العصر: (الإنسان هو مقياس كل شئ) وحقيقة الشئ هى ما يعنيه لكل، العسل حلو عند المعافى، والعسل مر عند مريض الصفراء، ومعرفتنا دائماً تفيض، وهى نتيجة لضربات إيجابية فوق إدراك سلبى ونتيجة لذلك سيظل هناك دائماً فى كل قضيه الـ " مع " و الـ " ضد " ولن تنجو من تجاذب الطرفين قضية من القضايا.
المجتمع بين الحرية ونقيضها وانعكاس هذا على المسرح:
لقد كان الكاتب القديم يعيش ظروفاً متناقضة، كان الاثينى فى القرن الخامس ق.م - العصر الذهبى اليونانى- ينعم بالحرية ويشقى بالقهر فى آن واحد، له الحرية كل الحرية فى أن يقول كل ما يشاء لكن هناك سيفاً مسلطاً فوق رقبته فى انتظار خطأ يسير يمس حساسية اليونانى تجاه ميثولوجيا عصره، وقد القى ذلك فى طريقه بمشكلة صعبة، اذ كيف ينتفع بما ينعم به من حرية فى التسامى بإبداعه وفكره ويحفظ لنفسه حياته فى نفس الوقت.
إن موقف الكاتب القديم من ميثولوجيا عصره كان الرفض لفكرة العصر عن الآلهة وكان يغلف ذلك الموقف بالرموز ليحفظ لنفسه حياته.
كذلك فإن روح المسرح هذه قد أثرت على رواج المسرح وعلى رواده إذ لم يكن ليرضى ذوقهم الموضوعات التى تنتهى نتائج مبهرة وكل ما كان يكدر صفوهم ليس الموضوع وإنما المعالجة عن طريق الألغاز التى تميز العمل والتى تجعل الغموض يكتنفه فى كثير من الأحيان.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
العلاقة بين المسرح والمجتمع اليوناني (نموذج تطبيقي )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: