دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 النقد الأدبي والمسرحي في العصور الوسطي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: النقد الأدبي والمسرحي في العصور الوسطي   الخميس أبريل 07, 2011 5:43 pm

النقد الأدبي والمسرحي فى العصور الوسطى
أ.دأحمد صقر كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
====================
سيطر كتاب المسرح الرومانى على ساحات الإبداع المسرحى فى المرحلة التى تلت هوراس مستمرين فى تقديم أعمالهم المسرحية حتى نهاية القرن الخامس الميلادى وبالتحديد فى عام 476 الذى شهد سقوط الإمبراطورية الرومانية وترتب على ذلك أن توقف الإبتكار والتجديد وأقتصر الأمر على وجود بعض الأعمال المسرحية التى قدمت فى الفترة من القرن الخامس الميلادى وصولاً إلى منتصف القرن السادس عشر معتمدين فى أعمالهم جميعاً على التمسك بروح المسرح الرومانى واليونانى.
استمرت تأثيرات هوراس وسينيكا على كتاب المسرح طوال هذه الفترة إلى أن تسلمت الكنيسة مقاليد السلطة وسعت منذ ذلك الوقت إلى التقليل من التمسك بتقليد كل ما هو إغريقى أو رومانى.
ذلك أن الأغريق اهتموا بالدنيا ناسين الآخرة، أما الرومان فقد تبنوا هذه النظرة وزادوا عليها دعوا الإنسان إلى أن يعيش ويسعد لأنه سيموت فى الغد. من هذا المنطلق أدركت الكنيسة أن أول قرار لابد أن تصدره حيال سيطرة هذه الأفكار على عقول الناس هو تحريم أية صورة من صور النشاط المسرحى، ونظروا إلى الممثلين باعتبارهم فئة ضالة من اللصوص والعاهرات ينبذهم المجتمع.
وقد ترتب على ما سبق أن تبنت الكنيسة المسرح فيما بعد وذلك بعد أن أدركت أهميته فى الدعوة والترويج للعقيدة المسيحية، وبعدها وجدنا قيام بعض القديسين ورجال الكنيسة بكتابة بعض المسرحيات القصيرة ذات الصبغة الدينية تظهر لنا فى الفترة من القرن التاسع- فترة انتعاش وعودة الحركة المسرحية إلى رحم الكنيسة- حتى منتصف القرن السادس عشر لتظهر لنا بعض المسرحيات الدينية التى قسمها الدارسون إلى نوعيات مختلفة منها ما سمى بالدراما الدينية التى شملت دراما العصور الوسطى الطقوسية، مسرحيات الخوارق، مسرحيات الغوامض، المسرحيات الأخلاقية، مسرحيات الآلام وكلها مسرحيات اعتمدت فى بادئ الأمر على اللغة اللاتينية لينشدها رجال الدين، ثم سرعان ما أصبحت تكتب بلغة محلية وبعدها انتقلت إلى الحياة الدنيوية.
اختلفت الآراء حول طبيعة الحركة الدرامية فى العصور الوسطى من حيث الملامح الفنية التى تميز نتاج هذه المرحلة التى أمدتنا بنصوص مسرحية دينية عظيمة لا تزال تدرس إلى يومنا هذا وهما:- قطعة من القيامة وتمثيلية آدم. تميزت هذه النصوص التى قدمت وكتبت فى نهاية القرن الثانى عشر الميلادى ببعض السمات أهمها ارتباطها من حيث الموضوع بالطقوس الكنسية. وإدخال بعض نصوص الكتاب المقدس فى ثنايا حوارهما ولكن أهم ميزتين لهذين النصين "أن الحوار فيهما باللغة العامية، وأن الحدث لم يعد يجرى فى الكنيسة، بل فى مسرح مقام فى الساحة التى أمامها أو ربما فى الدير".
إن ما سبق ذكره عن طبيعة المسرحية الدينية يبتعد كثيراً عن كونها تتمتع بالصفة الأدبية التى تمتع بها نتاج كتاب المسرح الأغريقى أو الرومانى، بل من الممكن أن تصفها بأنها مسرحيات شعبية ذات صبغة دينية. لكنها رغم ذلك لم تضف جديداً إلى تاريخ النقد المسرحى ومع ذلك، فقد أسهمت العصور الوسطى بنصيب هام فى حركة نقد المسرحية- ونقصد بهذا النصيب الهام الناحية التاريخية أكثر مما نقصد الناحية الجوهرية- وسنرى أن آراء العصور الوسطى سوف تعود إلى الظهور فى الأوساط التى لم يكن أحد يتوقع قط أن تظهر فيها. ولقد كانت الكنيسة القديمة تهتم اهتماماً كبيراً بما كان يعرض فى الحفلات المسرحية الوثنية من ضروب الخلاعة، ولهذا استعانت بغيرة الآباء المسيحيين المتحمسين فأتمت هذا الاتجاه الذى كانت تغلب عليه المسحة الأخلاقية والذى سوف نلمح آثاره خلال عهد النهضة وما بعدها".
الآراء النقدية للآباء المسيحيين:
سبق أن أشرنا إلى رفض الكنيسة للدور الذى اطلع به ممثلوا هذه المرحلة ومبدعوه من كتاب المسرح الذين ساروا على نهج كتاب المسرح الأغريقى والرومانى وكذا تبنوا نظرتهم إلى هذه الحياة الزائلة ومن ثم جاء دور الكنيسة الحازم فى رفض المسرح فى بداية الأمر، ثم سرعان ما يتراجع أباء الكنيسة عن رفضهم بعد أن أدركوا أهمية المسرح فى الإعلان لعقيدتهم المسيحية.
إن هذا التفاوت ما بين الرفض والإيجاب للمسرح أمدنا بآراء بعض آباء الكنيسة فى أهمية المسرح ومكانته، كما أن هذا ساهم بدوره فى إزدهار بعض المدارس المتخصصة فى دراسات الجوانب البلاغية والنحوية المتعلقة بإبداعات تيرانس وسينيكا.
(أ) الرافضين للمسرح: (Against the theatre-contre les spectacles)
1- الأب ترتوليان (155-220)
عمل الاب ترتوليان فى مجال الدراسات الدينية اللاهوتية، وهو فى الأصل عالم لاتينى تخصص فى دراسة اللاهوت، واعتنق المسيحية، وقد ترتب على ذلك أن كتب أبحاثاً فى "علم الأخلاق" وقد اتخذ المسرح عدوه الأول فى معظم أبحاثه ودراساته التى بلغت ما يقرب من المائتين مؤلفاً Against the theatrte أوContre les spectacles انطلقت آراء الأب ترتوليان فى هجومه على المسرح من كونه أباً مسيحياً يدين بهذا الدين الذى يرى فيه طهارة للنفس والقلب من دنس الشيطان الذى تمثله مسرحيات الوثنيين الأغريق والرومان، كيف يمكن للإنسان أن يشارك فى هذا العمل المتدنى خلقاً أمام طائفة من المهجرين الذين يضحون "بشرفهم على هيكل فينوس وباخوس (افروديت- ديونوسوس) ويأتون بحركات وتحركات جسدية خليعة- وهى عار خاص بالمسرح الكوميدى؟ البعض يحط من قدر جنسه، والبعض الآخر يشير إشارات فاحشة، إن الشيطان هو الذى يلبس الممثلين الأحذية العالية حتى يكذب المسيح الذى قال "إنه ما من أحد يمكنه أن يضيف ذراعاً إلى قامته".
إن الأب ترتوليان يركز هجومه على المسرح الكوميدى الذى يجعل الممثل لا يحتفظ بقدره ومكانته، بل يتخلى عن شرفه ويحط من قدر نفسه بما يمارسه من أفعال وحركات إباحية وبما يتفوه به من كلمات يراها مخالفة لتعاليم الدين منافيه للأخلاق، بل أكثر من ذلك يرى أن الممثلين يتطاولون على الخالق ويدعون أنهم قادرون على أن يغيروا فى طول قامتهم مثلاً وهو أمر يخالف ما فطرنا الله عليه من قناعة بأن ما منحنا الله من نعم يجب أن نحافظ عليها.
هنا يركز الأب ترتوليان على الكوميديا بما تقدمه من فواحش، لكنه يعود ويدعو إلى تحريم التمثيل المسرحى بشكل كامل ويرى فيه أن الممثلين لا يقلون مكانة فى أدائهم عن الشياطين الذين "أوحوا إلى البشر بالميل إلى التمثيل المسرحى، أيها الرب الرحيم، وفر على عبادك الرغبة فى المشاركة فى لهو فى مثل هذا السوء".
إن أراء الأب ترتوليان تعمد إلى رفض المسرح الوثنى غير أننا سنعلم بعد ذلك أن غيره من الآباء المسيحيين سيدعون إلى تمثيل مسرحيات دينية لتوكيد العقيدة المسيحية ونشرها ورفض العقيدة الوثنية ذات الآلهة المتعددة التى تشجع المشاهدين على الإغراق فى ملذات كلها تأتى ضد القلب والعقل وتغرقهما معاً فى ملذات تأتى ضد تعاليم المسرحية التى ترى أن الإنسان عندما يعمد فإنما ينكر الوثنية وأباطيل الشيطان تلك التى يحرص هذا المسرح على طرحها فيجعل الإنسان ينغمس فى الفجور والرذائل وبذلك فإن الأب ترتوليان يؤكد أن المسرح "لا يمثل إلا أفعالاً اجرامية، أفعال القوة فى المأساة وأفعال الفسق فى الملهاة. ومن غير المعقول أن نحترم فناً نحتقر الذين يمارسونه لدرجة وصفهم بالعار. صب قانون الله تعالى اللعنة على الأقنعة، وخاصة على الرجال الذين يلبسون ملابس النساء هذه الاجتماعات مليئة بالأخطار".
إن الأب ترتوليان يرفض الأقنعة التى يتخفى الإنسان وراءها ويأتى بأفعال كثيرة ضد الدين وكيف نقبل أن يتحول الرجل إلى امرأة أو المرأة إلى رجل ليجتمعوا فى هذا المكان الذى يوصف بالعار لمن يدخل فيه أو يشاهد أو يشارك.
كذلك نجده فى هجومه على المسرح من خلال دراساته ومؤلفاته يؤكد أن المرأة التى تدخل المسرح كالمرأة التى تدخل مكاناً داعراً، أى أنه يرى أن المرأة "التى تذهب إلى المسرح تعود وقد مسها الشيطان".
ويرى الأب ترتوليان فى ذهاب المرأة ومشاهدتها لهذه الأعمال المسرحية ومشاهدة الرجال لها وهى تشاركهم المشاهدة أن الشيطان قد مسها وأنها قد ارتكبت الخطيئة التى حرمها السيد المسيح ودعا الإنسان أن يحرر نفسه من الخطايا والآثام.
2- القديس كليمون السكندرى:
(اسمه الحقيقى تيتوس فلافيوس) (160-220):
مثلما رفض الأب ترتوليان المسرح ورفض مشاهدته والاختلاط رفض أيضاً القديس كليمون السكندرى الإباحية التى شاهدها حوله سواءاً من الرجال أو النساء الذين تزينوا وغالوا فى زينتهم وانصرفوا إلى الدنيا ونسوا الآخرة. وهم عاشوا لشهواتهم ويفكرون فقط فى ملذاتهم وعليه يهرعون إلى أماكن الفسق والفجور، ويرى القديس كليمون السكندرى أن المسارح إنما هى "ملتقى للفساد لا ترى فيها إلا أشياء تخدش الحياء ويختلط فيها الرجال مع النساء ليتأمل بعضهم الآخر. تحرك كل هذه النظرات رغبات النفس السيئة، لأن العيون التى اعتادت النظر إلى الآخرين تشعل نار الحب بالحرية التى تعطى لها. وعندما يخرج هؤلاء القوم من اجتماعاتهم الوثنية تلك، يحلو لهم أن يرددوا الأغانى الدنيوية التى استمعوا إليها، والتى تزخر بأحاسيس الحب المدنس".
3- القديس سيريان (210-258)
لم تختلف آراء القديس سيبريان عن سابقيه- الأب ترتوليان- والقديس كليمون السكندري؛ حيث أكد الأول أن المرأة التى تذهب إلى المسرح تعود وقد مسها الشيطان أما الثانى فقد رأى فى المسارح عامة ملتقى الفساد- ذلك أنه أكد أيضاً أننا "نتعلم الزنا من رؤية تمثيله والشر المسموح به علانية له من السحر ما يحدث معه أن بعض النسوة اللواتى جئن إلى المسرح وهن عفيفات يخرجن وهن فاجرات".
إن القديس سيبريان أبا الكنيسة اللاتينية يؤكد أن المسارح تبيح للمرأة ارتكاب الزنا؛ ذلك أنها تشاهد ما فعله السابقون من جرائم وخيانات وقتل يعاد تقديمه وتمثيله ونصفق له نحن المشاهدين لأمر عجيب حقاً. إننا نصر على إعادة تقديم الخطايا- ونخشى أن يمحوها الزمن من ذاكرة الناس فنعيد تقديمها لضمان استمرار تأثيرها فى حياة الإنسان.
إن مشاهدة مثل هذه الفضائح يبدو كما لو أنه دروس يجتهد من يدرسها فى إتقان الصنعة لكى ينجح فى تكوين يجل من المريدين الساقطين إنه يعلم الناس كيف ترتكب الفضائح، إذ إننا نتعلم الزنا عند رؤيتنا شيئاً منه.
إن أحاديث القديس سيبريان وآراءه موجهة كلها نحو ترهيب الناس من المسيحية وترغيبهم فيها محاربة بقايا الوثنية بغض النظر عن إظهار الجوانب الإيجابية فى العملية المسرحية؛ ذلك أن المسرح أيضاً يعظ ويعلم ويهدى الناس إلى الصواب وإلا فلماذا اعتمد آباء الكنيسة أنفسهم فيما بعد على المسرح واتخذوه أداتهم فى توصيل تعالم الكنيسة وترسيخها؟.
4- القديس اوجستان (354-430)
عاش القديس أوجستان أشهر آباء الكنيسة حياة صاخبة فى بادئ الأمر، وبعدها كتب اعترافاته" و "أحاديث فلسفية" و "مواعظ" وفى هذه الأعمال يحارب القديس أوجستان الألعاب المسرحية والاحتفالات التى كانت تقام أيام الأغريق- يقصد احتفالات الآله ديونوسوس- وما تلا ذلك من تقاليد الرومان لهذه الاحتفالات والأعياد التى كانت تقام احتفاءاً واحتفالاً بألهتهم الوثنية، وقد أكد القديس أن "الألعاب المسرحية التى تروى وتمثل فيها جرائم الآلهة تقام إكراماً لهم، وتعد من الأشياء الإلهية فى هذه الألعاب. وأمرت بشدة وتنبأت بكوارث كبرى إذا لم تقدم، وعاقبت بقسوة من أهمل الاحتفال بها".
إن القديس أوجستان يسخر من الروايات التى تروى حول ضرورة إقامة هذه الاحتفالات كل عام وأن ما يدعى أن الآلهة قد زارته فى منامه وأخبرته بضرورة إقامة هذه الاحتفالات إنما هو ضرب من اللهو والكذب وأن الأمر استمر منذ زمن الإغريق وعلينا أن نوقفه احتراماً لعقيدتنا المسيحية.
5- القديس يوحنا كريزوستوم (344-407)
هو القديس الملقب بأبى الكنيسة اليونانية الذى ترك عدة كتابات تمحور معظمها حول رفضه لأن يرتاد الناس المسارح. وحجته فى ذلك أن الرجل الذى تقابله وهو خارج من مشاهدة عرض مسرحى يختلف عن الذى خرج لتوه من السجن، ذلك أنك إذا دققت ستدرك إلى "أى حد نفس الأول واجفة مضطربة وكأنها كبلت فعلاً بالأغلال وإلى أى حد نفس الثانى مطمئنة حرة سامية".
إن مواعظ القديس يوحنا كريزوستوم المتكررة تركز بشكل أساسى على رفض المسرح باعتباره رمزاً للوثنية الباقية وأن المسارح هى أماكن البغى والمجون، وشتى ألوان الفجور. حتى أن من يعتقد أن المسرح إنما هو مكان للتسلية والمتعة والضحك إنما هو مخطئ؛ ذلك أن روح الشيطان تسيطر على هذه الأماكن وتنجح فى اقتيادهم إلى طريق الهلاك، وينسون بذلك دورهم باعتبارهم جنوداً للمسيح يكافحون من أجل الحياة الأبدية الخالدة فى السموات إلى جوار الملائكة.
إن أجواء المسارح بممثليها وملابسهم وغنائهم وطريقة أدائهم، كل هذه الأجواء إنما تفسد النساء والرجال وتهدم البيوت؛ لأن ما يشاهد فى المسارح يخالف القوانين الأخلاقية بما ينشر من ظلم ورذيلة بل أكثر من ذلك يرى القديس يوحنا أن "المسرح هو طاعون المدن عنه تنشأ كل الاضطرابات. والمتسيبون فيها هم من اعتادوا حياة المسرح الذين يبيعون أصواتهم كسباً للعيش، ولا شغل ولا دراسة لهم إلا قول المنكر وفعله... كل هؤلاء الشبان الذين اعتادوا حياة الفراغ واللهو والمتعة".
إن حملة القديس يوحنا ومن سبقوه من آباء الكنيسة الرافضين للمسرح المعارضين له انطلقت من كون المسرح أداة منافية للتعاليم الأخلاقية المسيحية، لكن هذا لا يعنى أن آباء الكنيسة رفضوا المسرح وهاجموه، بل إن البعض الآخر كان أكثر اعتدالاً فى مواقفه، وأكثر فهماً لدور المسرح وأهميته باعتباره أداة تعليمية وتثقيفية وإنماء البشر وتهذيب سلوكهم.
ب- المؤيدون للمسرح:
1- القديس توماس (1225-1274)
اهتم رجال الدين والفكر من آباء الكنيسة والفلاسفة والمفكرين باللغتين اليونانية واللاتينية نظراً لما لهما من دور بارز فى فهم آراء السابقين من فلاسفة الحضارة اليونانية والرومانية، ولعل أهمية قراءة كتاب "فن الشعر" لأرسطو عند القديس توماس قد أظهرت مدى فهمه وتقديره لدور المسرح، وأن المسرح قادر على تهذيب النفوس، أن التمثيل "ضرورى للمشاركة فى حياة البشر وكل ما يفيد فى حياة البشر يمكن أن يبرز أية مهنة، ليست مهنة التهريج القائمة على تعزية الناس محرمة- إذن- فى حد ذاتها، والمهرجون ليسوا فى حالة إثم، بشرط أن يؤدوا أدوارهم باعتدال أى دون الالتجاء إلى المصاحبات والشئون المحرمة، ويترتب على ذلك أن الذين يؤجرونهم بطريقة معقولة لا يخطئون. وإنما يسلكون سلوكاً عادلاً يمنحهم هؤلاء المهرجون مقابلاً له".
وقد أثار القديس توماس قضية هامة كثيراً ما عاد إليها المهتمون بالمسرح واقصد إظهار دور المسرح وأهميته فى المجتمع، بمعنى أن علماء الجمال والفلاسفة فيما بعد سيعرضون للموضوع وستختلف الآراء حول أهمية دور المسرح والحاجة إليه إذ كان دور المسرح ترفيهياً مثلما أن تزين جدران المنازل وإلصاق الصور وتعليق الدمى كلها نواحى جمالية بعيدة عن الناحية النفعية. إذ يكفينا البيت ليؤدى منفعة الاحتماء من برد الشتاء وحرارة الصيف.
لكن البعض يرى للمسرح أدواراً ومساهمات تتخطى الناحية الترفيهية، لتصل إلى الناحية التعليمية والتنويرية لعقول المشاهدين، بل يصل الأمر إلى إعطاء المسرح الدور القيادى فى تشكيل توجيهات المشاهدين ولا اعتقد أن آباء الكنيسة قد تغافلوا هذا الدور للمسرح، بل تؤكد آرائهم أنهم أدركوا أهميته ووظفوه لخدمة أهداف الدين والتنوير لعقول المؤمنين من المسيحيين وإظهار الجوانب المضيئة فى الدين عن طريق الاعتماد على الجوانب الإيجابية للمسرح.
2- هروزفيتا Horswthia (935-973 تقريباً).
ذاع صيت هذه الشاعرة الساكسونية التى اعتمدت فى كتابة مسرحياتها على اللغة اللاتينية، كما أبدعت العديد من القصائد التى أخذت مادتها عن تراجم القديسين لحياة المسيح وعذاباته وآلامه.
تميزت معالجات الشاعرة هروزفيتا بالتركيز على إظهار مدى قدرة المسرحيات والقصائد التى أبدعتها فى تصوير عظمة النفوس البريئة، تقصد الشاعرة أنها لم تسع لتفعل مثلما فعل المؤلفون القدماء الذين ركزوا فى إبداعاتهم على تصوير فسق النساء الفاجرات المخجل وهى هنا ترمى من وراء مسرحياتهم وكما قال تشارلز ماجنن Charles Magnin فى مقدمة مسرحياته التى قدمها باللغة الفرنسية عام 1845، حيث تعلن الشاعرة هروزفيتا: إننى اضطررت نظراً لطبيعة الكتابة المسرحية "إلى شغل عقلى وقلمى بتصوير الهذيان المحزن للنفوس التى تستسلم للحب الحرام ورقة الأحاديث الغرامية الخليعة، وكلها لا يسمح لنا حتى بمجرد الإنصات إليها" وتقصد هى أنها إن لم تقدم على معالجة هذه الموضوعات من خلال كتابة المسرحيات لما تمكنت من إبراز أهمية فن المسرح فى قدرته على وصف عظمة النفوس البريئة وتصويرها، ومن ثم تظهر أهمية المسرح فى معالجة موضوعات تسهم بدورها فى الرقى بذوق المشاهدين وتظهر أيضاً مدى قدرتها فى تهذيب سلوك وأخلاق المسيحيين.
2- مونتانى Montaigne (1532-1592)
انطلقت دفاعات مونتانى عن الممثلين الذين يدينهم المجتمع ويرفض اشتراكهم فى الحياة معتمدين- أى الرافضين- فى ذلك على كون المسرح يشغل الإنسان عن الحياة وعن الديانة المسيحية، وقد ارتكز مونتانى فى دفاعه عن اليونان القدماء الذين اعطوا للمسرح والتمثيل أهمية كبيرة ومن أتى بعدهم من النبلاء فى فرنسا فى العصور الوسطى فقد اهتموا بالتمثيل، يقول مونتانى "التمثيل تدريب أوصى به النبلاء من الشبان، ولقد رأيت أمراءنا أنفسهم يقبلون عليه بإخلاص وطريقة ممدوحة، مقتدين فى ذلك ببعض القدماء ثم يعود فيقول كان التمثيل مهنة مباحة لأشراف القوم عند اليونان".
إن مونتانى يرفض من يرفضون التمثيل المسرحى ويتهمهم بالوقاحة نظراً لرفضهم للمسرح، ويرى أن العروض المسرحية تسلية راقية اعتادت عليها الشعوب السالفة من الإغريق والرومان وخصصت أماكن كان يرتادها الناس طوال اليوم، إذ نعلم أن شعوب الاغريق كانت تذهب إلى مسرح أبيداورس أو ايفسوس منذ الصباح الباكر وقد حملت معها طعام وشراب يومها وتشاهد أكثر من ثلاث مسرحيات ومسرحية رابعة ساتيرية من هذا المنطلق لا يرى مونتانى غضاضة من الاستمتاع بفن التمثيل.
نقاد العصور الوسطى
1- الناقد الأدبى:
دانتى الليجيرى (1265-1321)
اختلفت الآراء حول أهمية ما تركه دانتى من أعمال- سواءً الكوميديا الآلهية Divina Commedia، و الوليمة Convivi و "حول اللغة العامية"Devulgare eloqentia و " خطابات دانتى Temple Classics إذ إن بعض الدارسين أمثال هنرى دويت سد جوك H.Duight Sedgwick قد أشار ومجد الكوميديا الإلهية على حين رفض البعض نتاج دانتى خاصة "الكوميديا الإلهية" التى رأى فيها بورجيز Borghese سبباً من أسباب الجدب الشديد الذى أصاب الأدب الإيطالى منذ أيام دانتى، فقال إن ذلك الجدب بلغ ذروته فى أول عمل عظيم فى اللغة الإيطالية، ألا وهو هذه "الكوميديا الإلهية" وأن عبقرية البلاد قد عقمت منذ ذلك الوقت، فلم تستطع الارتفاع إلى مستوى هذه الكوميديا، وقد أعيدت هذه الملاحظة التى وجهها بورجيز على مسامع عالم إيطالى سليط اللسان، وإن تكن له مكانته من العلم والاحترام فقال "كلا... بل موضع الداء هو الأدب الإيطالى لم يقو قط على أن يهبط عن مستوى هذه الكوميديا".
إن اختلاف الآراء حول أهمية ما تركه دانتى من أعمال يعود إلى إلتصاق مضامين هذه الأعمال بأجواء العصور الوسطى المسيحية من سيطرة روح الكنيسة والسعى إلى إحاطة الإنسان بجو من التدين، ليبشر بالجنة ويحذر من النار، هذا إلى جانب أن كثيراً من الآراء التى طرحها مثل إطلاقه مسمى "الكوميديا الإلهية" على عمله الذى يحمل هذا الاسم، وسعيه إلى استحداث لغة جديدة دفع كل هذا الدارسين إلى التأكيد دون جدال على أن كثيراً من استحداثات دانتى ناشىء عن جهله بالأدب الكلاسيكى لكن هذا يقربه منا من عدة أوجه أكثر من نقاد عصر النهضة الأكثر علماً.
إن دانتى من خلال من طرحه من آراء من خلال "الكوميديا الإلهية" ليؤكد حقاً أنه لم يستطع أن يصل إلى ما وصل إليه شعراء الاغريق أمثال هوميروس، وإسخيلوس ويوربيدس، إذ إننا نعثر من قراءتنا "للكوميديا الإلهية" على أمثلة عديدة تؤكد قلة ذوق دانتى أكثر مما نجد فى أى أثر أدبى لأى كاتب له شىء من الشهرة. وهذا بوكاتشيو الذى يحاول تكريم ذكرى دانتى يقارن بينه وبين الطاووس، فالطاووس، كما يذكرنا بوكاتشيو طائر له صوت يزعجنا أن نستمع إليه" وإن كنا نعجب بالنظر إلى جمال منظره.
إن الهجوم الذى شنه بوكاتشيو على "الكوميديا الإلهية" يعود إلى جهل دانتى النسبى بالأدب الكلاسيكى، ولعل هذا كان السبب فى أن جميع شخصياته التى أوردها فى "الكوميديا الإلهية" لم تصور بمعطيات الشخصيات الكلاسيكية التى تركها الكتاب السالفين، ولعل هذا قد أكد أنه "محروم من القدرة على تصوير الشخصيات، وإلى ما كان يلجأ إليه من مجرد حشد الإحصائيات ودانتى محروم كذلك من نعمة تذوق الشعر تذوق الناقد البصير، ثم هو لم يكن لديه إلا قدر قليل من قوة التمييز".
وبرغم ما سبق من آراء تقلل من أهمية ما كتبه دانتى وخلفه من أعمال، لكننا نرى فى نتاجه أهمية كبيرة تتمثل فى أنه ذو فضل كبير على الدارسين والنقاد واللاحقين له؛ إذ أنار دانتى فترة العصور الوسطى واقتحمها بآراء أصبحت فيما بعد تطرح على الساحة النقدية بين النقاد المعاصرين مثل قضية اللغة وإهماله لمسألة الأنواع إلى سادت النقد الكلاسيكى؛ إذ لم تعد بعد العصور الوسطى فترة من الظلام المخيف. فمثل هذا الإجحاف الذى ساد فى فترة الكلاسيكية الجديدة قد بددته الحركة الرومانتيكية، ولقد نما سنة بعد أخرى تفهمنا لمبدعى الفن والأدب فى العصور الوسطى ومع ذلك فما تزال هذه الفترة عصوراً مظلمة بالنسبة لمؤرخى النقد الأدبى ولا يمكن العثور على ناقد يستحق أن يذكر فى مثل الكتاب باستثناء دانتى" الذى يعد بحق الناقد الأدبى الأهم وكأنه جنباً إلى جنب مع بوكاتشيو- لفترة العصور الوسطى.
أثارت "الكوميديا الإلهية" لدانتى قضية هامة تمثلت فى عدم التزامه- نظراً لجهله النسبى- للتعليم الكلاسيكية، وهو ما جعله يبتعد عن تقاليد أرسطو وهوراس فى الفصل بين الكوميدى والتراجيدى، وفى سعيه إلى استخدام لغة يومية حياتية بعيدة عن لغة الشعر، فقد سعى إلى كتابة" وخلق أدب جدير بالتقدير من خلال اللغة الوطنية. فلقد كتب معظم أبناء عصره باللغة الأجنبية وشعروا أن اللغة المحلية كانت غير مناسبة لأغراضهم" . وبذلك يكون دانتى قد أثار قضية اللغة المستخدمة فى الإبداع ودرس اللهجات الإيطالية المختلفة للوصول إلى لغة وطنية تمثل الشعب الإيطالى.
2- الناقد الأدبى جيوفانى بوكاتشيو (1313-1375)
أسهمت النظرة الدينية المسيحية التى أطلقها آباء الكنيسة وبعض الكتاب و الشعراء فى التلويح بأن هناك غداً أفضل ومن ثم فهناك طرق جديدة تطلعنا للنظر إلى العالم، وتلك النظرة التى تمثلت فى العصور الوسطى كان لها دور كبير فى الفترة القادمة والمسماة بعصر النهضة، أى عصر التنوير والإطاحة بالظلام الذى دام قرونا عدة، ولعل دراسة "الكوميديا الإلهية" لدانتى و "الديكاميرون" لبوكاتشيو يؤكدان أن الأولى قد "وضعت بقصد إعداد القارىء للحياة الآخرة، بينما وضعت الثانية بقصد إعداده للحياة على هذه الأرض، وأحب أن ندرك من هذا التحديد الفرق بين روح العصور الوسطى وروح عصر النهضة.
لقد كانت الكوميديا الإلهية هى الذروة التى ارتفعت إليها الأفكار السائدة فى العصور الوسطى، تلك الفترة التى انتهت بوباء الطاعون الأسود" بينما نجد أن حكايات الديكاميرون تلقى الضوء على كل سمات الطبيعة الإنسانية بما فى ذلك سمات العفة والطهر والتقى وهو ما مهد لإستقبال عصر النهضة وكأن بوكاتشيو قد ساهم فى إزالة الحواجز بين إنسان العصور الوسطى وإنسان عصر النهضة.
وعليه نستطيع القول إن دانتى كان قد "أقر بالفعل التقاليد القديمة ولم يكن عليه أن يناقش حقيقة أن شعره يتفق مع هذه التقاليد لكن بوكاتشيو لم يكن كذلك؛ لقد أحس أن عليه أن يدافع عن الشعر ليس شعره فحسب بل كل الأدب الخيالى. ولقد استطاع دانتى أن يكرس نفسه جدياً فى تفاصيل الكتابة. ولكن بوكاتشيو يجب أن ينظر إلى الشعر ككل شأنه فى ذلك شأن القدماء. إن شعوره بأن الشعر قد يهاجم أو يدافع عنه ككل هو أحد الدلائل على أن عصراً جديداً سيفد إلى الوجود" .
دافع. بوكاتشيو عن الشعر ضد أشد الأعداء وقد نحج فى عرض أعداء الشعر فى كتابه بعنوان "تاريخ الآلهة الوثنية" Genealogy of the Gentile Gods وقد أعدهم أناساً عمليين يفتقدون إلى الروحانية ويتميزون بالحيوانية ويعتقدون أنه من العار أن يضيعوا أوقاتهم فى قراءة الشعر. وهم ينطلقون فى دعواهم من وجهة نظر أفلاطون فى جمهوريته المثالية، التى أكد أن وجودهم مستبعد من هذا المجتمع المثالى، ومن ثم يعتبر أعداء الشعر إن قراءة تراث الأقدمين من شعراء الإغريق والرومان أو حتى الاحتفاظ بهذا الميراث يعد ضرباً من الجنون، لأنه يباعد بين الإنسان ودينه المسيحى، أى إنه يصل إلى حد ارتكاب الخطيئة.
إن هجوم بوكاتشو ودعواه للإهتمام بالشعر وإيحاء ذكرى الشعراء الأقدمين كان سبباً أساسياً فى هجوم الكثير من رجال الدين عليه وإن كان دعواته إنما تسعى إلى إحياء الوثنية، وقد تحقق خصومه من الكهنة أن ما كان يفعله بوكاتشيو فى هذا الكتاب- يقصد تاريخ الآلهة الوثنية- بالذات كما هو الحال بالنسبة للكتب الأخرى أنه كان ينحو بالأدب الأوربى نحو الوثنية.
إن دعوة بوكاتشيو إلى إحياء تراث الأقدمين لا يعنى دعوته إلى إحياء الوثنية على حساب المسيحية، ذلك أنه يؤكد أن دعوته هذه إنما يرمى من ورائها إلى مناجاة العقول المسيحية المستنيرة. ذلك أنه يدعو هذا العالم الجديد إلى الإطلاع على تراث الأقدمين والتنبؤ بما هو جديد ولعل ذلك يعد الأساس الذى سيجعل اللاحقين يخلطون بين القديم والجدي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
النقد الأدبي والمسرحي في العصور الوسطي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: