دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تاريخ النقد ونظرياته في عصر النهضة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: تاريخ النقد ونظرياته في عصر النهضة   الخميس أبريل 07, 2011 6:07 pm


تاريخ النقد ونظرياته فى عصر النهضة
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
===================
ما إن وقعت القسطنطينية فى يد الأتراك العثمانيين فى منتصف القرن الخامس عشر الميلادى حتى تراجع دور الكنيسة وسيطرتها على مقدرات الشعوب مما ساهم بدوره فى هجرة العلماء والرهبان الحاملين والحافظين للمخطوطات القديمة للتراث الإغريقى والرومانى إلى الكثير من المدن الايطالية، آملين ترجمة هذا التراث إلى اللغات الأوروبية المختلفة من أجل نشر ميراث الأقدمين بهدف إعادة إحيائه وبعثه من جديد بعد أن حظرت الكنيسة التعامل معه قرونا عديدة.
اعتمدت النهضة الأدبية والفكرية فى ايطاليا وفرنسا وانجلترا واسبانيا- وإن تحفظت كثيراً-على المحاكاة للنموذج الإغريقى والرومانى، وإن اختلفت المحاكاة هنا عما كانت عليه من قبل، وذلك أن المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو كانت تعنى "محاكاة الأشخاص والأشياء فى الطبيعة وبدأ هوراس ولونجينوس"فى استخدامها بمعنى محاكاة الكتاب الآخرين، وهذا المعنى الأخير كان هو المعنى الذى استخدمه نقاد عصر النهضة بصفة عامة". إذ عاد الكثير من كتاب عصر النهضة ونقاده إلى النموذج الإغريقى أو الرومانى يحاكونه ويلتزمون به، ولعل هذا- كما سيتضح بالدراسة- سيصبح من أهم الأسباب التى حالت بين نقاد عصر النهضة وكتابه وبين الإبداع الجديد، إذ تحولوا جميعاً إلى متبعين ومقلدين غير مبدعين ومجددين.
إن كتاب المسرح والشعراء الذين أفرزوا إنتاجاتهم انشغلوا كثيراً بقضية لطالما عرضت من قبل وأثارها دانتى الليجيرى، أقصد قضية اللغة وأى اللغات تستخدم فى كتابة إبداعاتنا الشعرية والأدبية خاصة فى إيطاليا، أما فى انجلترا وفرنسا فقد سادت النظم الملكية الموحدة التى لم تمنحها فرصة السؤال عن اللهجة التى تستخدم. وربما فكر الكثيرون من أدباء عصر النهضة ونقاده فى ميراث هوميروس وشيشرون واكتشفوا أن العصور الوسطى لم تخلد لهم شيئاً ذا قيمة، لذلك عليهم أن يقلدوا السابقين من مبدعى بلاد الاغريق والرومان معتمدين فى ذلك على إحدى مقولات هوراس التى تقول "أكره الدهماء الملوثين "وهم يسعون إلى نوعية منتقاة من القراء والمشاهدين بعيدين عن السوقة فى ظل مجتمع مهذب وربما هذا من بين الأسباب التى جعلت الناقد الإيطالى جيرالدى سنيشو Graldi Cinthia (1405-1573) يرفض تصوير هوميروس "للأميرة نوسيكا وهى تغسل ملابسها" ويرى سنشيسو أن هوميروس بذلك قد فقد الذوقفى تصوير هذا المشهد إذ كيف يسمح لنفسه أن يجعل هذه الأميرة تقوم بغسيل ملابسها وملابس الأسرة مع خادمتها عند النهر؟.
إن قضية اللغة، والذوق واتباع تعاليم المسرح الأرسطى والهوارسى ونسبته إلى هوراس وقواعدهما إنما هى قضايا ملحة ناقشها الكثير من النقاد والشراح فى عصر النهضة وقد أثارت آرائهم النقدية الكثير من الحيرة والالتباس بينها وبين النقد الكلاسيكى الأرسطى، ذلك أن "النظرية النقدية فى عصر النهضة تميل إلى التمسك بالقواعد أكثر مما تميل لجانب الإلهام فى الكتابة فيجب علينا أن نتذكر أن معاصريهم كانوا أكثر تعرضاً للخطأ من ناحية عدم تطبيقهم القواعد وليس من ناحية التعقل فى الكتابة. ولكن بقطع النظر عما إذا كان تأثيرهم نافعاً أو ضاراً فإنهم قد نجحوا بإعجاب فى تحقيق شىء واحد. لقد أرسوا النقد الأدبى باعتباره شكلاً مستقلاً من أشكال الأدب. ومنح الناقد من الآن فصاعداً مكاناً مشرفاً باعتباره مواطناً فى جمهورية الأدب".
إن الفترة الممتدة من القرن السادس عشر والمسماة بعصر النهضة وصولاً إلى القرن السابع عشر واستمرار امتداد أثر الكلاسيكية فيما عرف بالكلاسيكية الجديدة. لهى فترة أثارت كثيراً من النقاش والجدل بين نقاد هذه المرحلة لم يظهر له مقابل فى الفترات السابقة الممتدة من القرن التاسع الميلادى وصولاً إلى نهايات القرن الرابع عشر، حيث أهملت الفترة السابقة المسرحية بمعناها الكلاسيكى المتعارف به وتراجعت حركة النقد المسرحى كثيراً.
إن القضايا النقدية التى أثارها عصر النهضة وصولاً إلى القرن السابع عشر- مرحلة الكلاسيكية الجديدة- تعددت وتشعبت، لكنها تركزت جميعها حول كيفية التعامل مع ميراث الإغريق والرومان فى ظل عصر يسعى إلى إحياء العلوم القديمة التى حالت بينهم وبين استمرارها الكنيسة، وعليه طرحت على الساحة النقدية بعض القضايا تمحورت جميعها- كما سبق القول- حول محاكاة القديم فيما عرف باسم المذهب الكلاسيكى الذى ساد فيما بعد منذ القرن السابع عشر فى فرنسا ليمثل العصر الذهبى فى تاريخ فرنسا.
أما عن القضايا التى شغلت النقاد منذ عصر النهضة وصولاً إلى القرن السابع عشر فقد تمثلت فى:-
1- أسلوب محاكاة القديم.
2- تفضيل الوصف على مشاهدة الأحداث العنيفة على خشبة المسرح.
3- مبدأ فصل الأنواع (عدم المزج بين الكوميديا والتراجيديا).
4- الوحدات الثلاث.
هذه هى بعض القضايا النقدية التى أثارها نقاد هذه المرحلة وصولاً إلى عصر النهضة وسوف نعرض لكيفية التعامل مع هذه القضايا مركزين على أهم نقاد كل مرحلة من هذه المراحل التى رأيت أن تصبح على النحو التالى:
1- نقاد عصر النهضة فى القرن السادس عشر وهم:-
أ- سكاليجر (1484-1558) G.S.Scalliger
ب- جيرالدى سنيشو (1504-1573) Giraldicinthio
ج- كاستلفترو (1505-1571) Castelevetro
د- سيرفيليب سيدنى(1554-1586) Sir Philip Siddney
هـ- الناقد الانجليزى بن جونسون (1572-1637) Ben Jonson
2- نقاد الكلاسيكية الجديدة:
1- ميلتون (1608-1674).
2- بوالو (1636-1711).
3- دريدان (1631-1700).
4- الكسندر بوب (1688-1744).

1- نقاد عصر النهضة فى القرن السادس عشر:
أ- الناقد الأدبى جو- سيزار سكاليجر Gs.Scalliger (1484-1558).
انشغل نقاد عصر النهضة بتحليل كتابى "فن الشعر" لأرسطو، و "فن الشعر" لهوراس لاستخلاص المعايير التى ينبغى أن تكتب بها المسرحية مؤكدين إعجابهم بأعمال القدماء لدرجة أنهم "انقضوا فى بحثهم لكتاب فن الشعر لأرسطو واتخذوه إنجيليهم". وأصبح الشراح والدارسون ينظرون إلى أرسطو "نظرتهم إلى نبى الحكمة الأزلية الملهم" الذى لابد وأن يتبع فى كل ما يكتبون ولعل هذا قد أظهر مدى تمسك الكثيرين منهم بآراء السالفين، بل وصل الأمر إلى إيجاد بعض الآراء الخاطئة وإلحاق بعضها الآخر بأرسطو أو هوارس ناسين أو متجاهلين حقهم فى تطويع هذا النتاج المسرحى أو ذاك لظروف العصر ومعطيات المجتمع وما يمكن أن يفجر الجديد الذى سيخالفه بعض المعاصرين من كتاب عصر النهضة ونقاده دون أن يدنسوا هذا الإنجيل الذى تركه السابقون عليهم.
يعد سكاليجر من فقهاء اللغة الإيطالية واللاتينة الذين أبدعوا فى مجالات الطب والنقد، حتى أصبح مؤلفه "فن الشعر" مؤلفاً كلاسيكياً استوحى فيه أرسطو مباشرة، ويرسى بذلك دعائم النظرية النقدية الفرنسية.
أثار سيكاليجر فى دراسة "فن الشعر" الكثير من القضايا المتعلقة بالمأساة والملهاة وأكد أوجه الخلاف والاتفاق بين المأساة والملحمة، ولقد أكد أيضاً على مبدأ تصوير الشخصيات الذى سيطرحه نقاد الكلاسيكية الجديدة و المتعلقة بحتمية تصوير الشخصيات البطولية فى الملحمة وعدم السماح بتصوير الشخصيات متوسطة الحال كما يحدث فى المأساة.
علّق سيكاليجر على موضوع المادة التى تكتب منها المسرحية وكيف يستطيع الشاعر أن يصيغ مادة مسرحية معتمداً على "مبدأ الشبه بالحقيقة" لأنه لا ينبغى استهداف الإعجاب والحزن الشديد فحسب، - وهذا ما فعله اسخيلوس حسب رأى النقاد- بل ينبغى تقديم التعاليم الأخلاقية والمتعة أيضاً بحيث يفطن الشاعر المسرحى فى معالجته وتصويره للشخصيات لمبدأ المعقولية وإمكانية أن تكون مسرحيته مطابقة ومشابهة للواقع، ولعل هذا الرأى سيتبلور عند نقاد الكلاسيكية الجديدة فى القرن السابع عشر، إذ لابد وأن يحرص الكاتب- كما يرى "بوالو" فيما أسماه بمبدأ مشاكلة الواقع أو المعقول- على أن تكون "مسرحيته فى أحداثها وحوارها ومضمونها الفكرى والعاطفى مما يمكن أن يحدث فعلاً فى الحياة. وبفضل هذه الإمكانية يصبح مشاكلاً للواقع. وهم يرون بالضرورة أن الفن لا يمكن أن يكون تصويراً آلياً أو كما نقول بلغتنا الحديثة- فوتوغرافيا لواقع الحياة، بل الفن تجميع واختيار من الواقع لعدة عناصر يمكن أن تتألف وتتناسق وتكون كلاً منسجماً هو ما نسميه بحدث المسرحية أو قصتها".
كما أشار سكاليجر إلى قضية واقعية الزمن أو ما يسمى بالمعنى المعاصر الزمن الواقعى والزمن المسرحى، ذلك أنه "عاب على إسخيلوس أن يدفن إجماممنون بعد قتله مباشرة، وبسرعة لا تعطى للممثل وقتاً كافياً يستطيع فيه أن يتدرج وينتقل بمشاعره من حالة شعورية إلى أخرى ليقنعنا نحن المشاهدين فى أدائه. وربما يرفض سكاليجر بشكل عام انتقال الشخصيات والأحداث فى المسرحية من مدينة إلى أخرى دونما تمهيد مقنع وهو يطالب الشعراء المسرحيين أن يختاروا موضوعاً يستغرق وقتاً قصيراً جداً. ولكن اعملوا- أى شعراء المآسى- بالتفاصيل والأحداث، على إضفاء سمة من المسرح عليه".
إن ما أشار إليه سكاليجر من آراء نقدية تكاد تنحصر فى الشكل دون السعى إلى إحداث التغييرات على مستوى المضمون؛ ذلك أن معظم نقاد عصر النهضة سيهتمون بمحاكاة أرسطو وهوراس دون التفكير فى إضافة الجديد وهو ما أكد أن تأثير النماذج الكلاسيكية على كتاب عصر النهضة ونقاده قد أعاق تطور المسرح ولما كان المسرح كائناً حياً راح يتأفف من المحاولات التى تحمله على أن يتمدد فى فراش محدد من القواعد، هذه القواعد التى أخطأ المتعصبون فهمها وتفسيرها وتطبيقها، وذلك بفعل حماسهم أكثر من فعل حكمتهم وحسن تقديرهم، ولقد تشفى المسرح لنفسه من هؤلاء بطريقته الخاصة وفى زمنه الخاص" وذلك بعد أن وصلنا إلى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حيث تخلى كتاب المسرح والنقاد عن هذه القواعد الجامدة أذابوا جمودها وهو ما حقق للمبدعين الكثير من التصورات التى وصلت إلى حد الكتابة دونما التقيد بنماذج سابقة يهتدى بها الكاتب حينما يكتب.
ب- جيرالدى سنشيو Giraldi Cinthi (1504-1573):
يعد سنشيو من أدباء ايطاليا الذين أسهموا ببعض الآراء المتعلقة بالنقد فى القرن السادس عشر، فقد كان أستاذاً للفلسفة الطبيعية فى جامعة فلورنسا، وقد هاجم هوميروس وأدانه لأنه "سمح لنفسه بأن يصور الأميرة نوسيكا – Nousicaa بنت ملك سخيريا وهى جزيرة جاء إليها أوديسيوس بطل الأوديسا بعد أن تحطمت سفينته- وهى تغسل ملابسها وأوضح فقدان الذوق هذا لتذكير القراء أن هوميروس كتب قبل أن تبزغ عظمة الامبراطورية الرومانية وتألقها".
لقد أثار قضية متعلقة بالذوق العام أو كما سماها فيليب سيدنى فيما بعد بقضية حسن التقدير، ويبدو أن هذه القضية طرحت على الساحة الأدبية والنقدية سواءاً فى إيطاليا أو فرنسا أو انجلترا لأنها شغلت اهتمام الكثير من كتاب هذه المرحلة ونقادها وشعرائها. فقد علق جورج وينستون- وهو شاعر انجليزى وكاتب رومانسيات نثرية – على ما كتبه المسيحيون ورأى أنهم "جعلوا المهرجين رفقاء للملوك واستخدموا نمطاً واحداً من الحديث لكل الأشخاص وتلك مخالفة كبيرة للذوق" كما أشار إلى موضوع الذوق وحسن التقدير الناقد فيليب سيدنى فى كتابه "دفاع عن الشعر" شكا نفس الشكوى من الكتاب الذين تعد كل مسرحياتهم ليست مآسى صحيحة ولا كوميديات صحيحة، فهم يمزجون الملوك والمهرجين ليس الأمر يتطلب هذا لكنهم يدفعون المهرج عقلاً وجسداً لكى يقوم بدور فى المسائل الملكية دون مراعاة الذوق أو حسن التقدير".
إن سنشيو لم يكتف بالحديث عن قضية الذوق وحسن التقدير بل تعدى ذلك فى كتابه "حديث عن الكوميديا والتراجيديا" للتفريق بين الكوميديا والتراجيديا- كما فعل سيكاليجر فى التفريق بين الملحمة والمأساة والملهاة- معتمداً فى ذلك على مبدأ المحاكاة الذى تعتمد كلاهما عليه وتختلفان فى نفس الوقت. ذلك أن التراجيديا تعتمد على شخصيات "الملوك وعظيم الشأن، بينما الكوميديا تعتمد على الفعل المهذب المتعلق بعامة الشعب... ويشرح شنشيو رأى أرسطو قائلاً بأن الأفعال الرديئة هى التى تحاكيها الكوميديا وغيرها من الأفعال الشريرة والاجرامية. "ويضيف سنشيو بأن الأفعال التراجيدية عادة ما توصف بالعظمة والأهمية؛ لأنها تصدر عن أعلى طبقة فى المجتمع، وليس لأنها فاضلة أو شريرة وهكذا يربط سنشيو بين الانتماء الطبقى وبين الطبيعة التراجيدية والكوميدية. وقد استمر مثل هذا الربط فى الكلاسيكية الجديدة فى فرنسا فى القرن السابع عشر".
ج- الناقد الأدبى لودفيكوو كاستلفترو:
يعد كاستلفترو أحد أهم النقاد والمفكرين المجتهدين فى تاريخ النقد؛ نظراً لما أضافه وشرحه وفسره من آراء جاء بعضها متفقاً مع آراء أرسطو، بينما جاء كثير من آرائه مخالفاً لآراء أرسطو وكانت حجته فى الكثير من الاختلافات أن كتاب "فن الشعر" لأرسطو الذى ترجمه من اليونانية إلى اللاتينية لم يصل إلينا كاملاً بل إن بعض فقراته غير واضحة لدرجة أن كاستلفترو أكد أن كثيراً من أفكار أرسطو من خلال هذا الكتاب غير واضحة فى ذهن مبدعها الأول ولذا تعد هذه من بين الأسباب التى أسهمت بدورها وشجعت كاستلفترو على الإتيان بأفكار جديدة لم يقلها أرسطو صراحة.
وبالرغم من ذلك تعد شروحات كاستلفترو أفضل ما وصلنا من شراح ونقاد عصر النهضة ونقاد الكلاسيكية الجديدة فى القرن السابع عشر؛ ذلك أن كاستلفترو خالف جيله من النقاد بما نسبه إلى أرسطو أو خالفه فيه حتى إن أحد أهم النقاد المعاصرين وهو الناقد الأدبى اسبنجارن (1875-1939) يعلن صراحة فى كتابه "النقد الأدبى فى عصر النهضةإن آراء كاستلفترو جعلته "أقرب الشراح الإيطاليين إلى روح أرسطو"، لكن بعض النقاد يختلفون مع الرأى السابق ويرون فى آراء كاستلفترو واجتهاداته وشروحه ما أدى إلى "بلورة مبدأ أرسطى مزيف، أخذ يتحكم فى نقاد عصر الكلاسيكية الحديثة وكتابها تحكماً متعسفاً. وهو بهذا لم يكن فقط أول ناقد درامى يجعل من وحدة المكان قاعدة جبرية ملزمة، بل أول من ساعد على بلورة قانون الوحدات الثلاث الشهير فى صيغته النهائية" إن كاستلفترو سيعرض من خلال كتابه مجموعة من النقاط التى اختلف واتفق فيها مع أرسطو وعليه سأعرض بعضاً من هذه النقاط فى السطور التالية:
1- قضية الشعر والوحى:
إن اختلاف الآراء حول أهمية آراء كاستلفترو النقدية لم يقلل من مكانته النقدية التى إحتلها بين شراح أرسطو، ذلك أنه يعد الناقد الأوحد الذى "جرؤ على أن يكون مخالفاً لأرسطو، فهو الذى ترجم وفسر" فن الشعر" لأرسطو فى النصف الأخير من القرن السادس عشر. أكد استقلاله بإنكاره الجازم أن الشاعر ملهم بنفحة إثارة سماوية. وهو يقول: إن هذا الرأى تولد عن جهل السوقة وظل يعيش على المجد الزائف للشعراء أنفسهم ذلك أن كاستلفترو يعدو هذا الخطأ الذى وقع فيه أرسطو إلى أفلاطون وإلى العامة من الناس حيث أن أفلاطون لم يقصد إن الله قد اختار فئة معينة من الناس وألهمها عن طريق ربات الإلهام، بل إنه أراد أن يؤكد رفضه للشعراء ولعلنا نتذكر أنه طردهم من جمهوريته الفاضلة وأنه "إذ كان قد ذكر ذلك فى كتاباته، فإنما ذكره على سبيل التفكه والمزاح، وعلى سبيل ممالئة رأى الجماهير"
إن كاستلفترو حينما يتحدث عن أول نقطة فى كتابة "فن الشعر" الذى ترجمه عن أرسطو يعرض لقضية الشعر والوحى- التى سبق ذكرها- لكنه يؤكد أن الشاعر ليس ذلك الإنسان المختل الذى يختلط ويهيم على وجهه لكى يستطيع أن يقول الشعر، أى أن كاستلفترو وبعد أن عرض لرأى أرسطو فى أستاذه أفلاطون أدرك حقيقة ما أراده أرسطو من ملامح الشاعر المبدع وصفاته ذلك أنه يقول" إن كل من يعرف جيداً كيف يحول نفسه إلى شخص متوقد العاطفة، يعرف كيف ينظم الشعر بأنواعه. ولكن ليس كل إنسان قادراً على ذلك ولكنه فقط الرجل الذى يملك القدرة الإبداعية الواعية، والموهبة الخاصة لا الرجل الممسوس كما يقولون، لأن الممسوس يعجز عن أن يلبس حالات مختلفة من الشعورية، وأن يكون باحثاً مدققاً فى اختيار الأقوال والأفعال التى يمكن أن تصدر من هؤلاء المعرضين للدخول فى حالات من الإثارة الشعورية" ومن ثم نستطيع القول: إن كاستلفترو قد حسم القضية الأولى الخاصة بالشعر والوحى ووافق أرسطو الرأى.
2- الوحدات الثلاث:
إن قضية الوحدات الثلاث التى قال بها كاستلفترو تعد من أهم القواعد الكلاسيكية الجديدة التى طرحت على الساحة النقدية وأشهرها منذ عصر النهضة وصولاً إلى نهايات القرن السابع عشر حيث خالفها الكثير من الكتاب، بل إن بعضهم- شكسبير- لم يلتزم بهذه التعاليم فى بعض مسرحياته. حينما قرأ كاستلفترو كتاب "فن الشعر" لأرسطو وترجمه إلى اللاتينية سعى من وراء ذلك إلى وضع قوانين جديدة فى مجال الإبداع المسرحى معتمداً- كما سبق القول- على وجود ثغرات فى هذا الكتاب، لكنه أساء فهم أرسطو فى كثير من النواحى منها ما يتعلق بالوحدات الثلاث، حيث إن أرسطو أشار فى كتابه إلى وحدة الفعل (الحبكة) التى تتعلق ببطل واحد وقصد من وراء ذلك إعطاء الأهمية الأولى بين أفراد المسرحية للحبكة، لكنه لم يتحدث صراحة عن وحدتى الزمان والمكان إلا فيما يتعلق بضرورة التفريق بين فعل الملحمة وفعل المأساة من حيث الطول وحدد للمأساة دورة شمسية واحدة اعتمد الشراح فيما بعد على هذا التفسير وأصروا على ضرورة التزام الكتاب بوحدة الزمان ووحدة الفعل وضرورة التزام الكتاب بوحدة المكان طالما أن أرسطو يقر زمناً محدداً للمسرحية.
إن كاستلفترو حينما ربط -خطأ- بين زمن المأساة ومكان عرضها أضاف وحدة المكان إلى وحدة الزمان مع وجود وحدة الفعل (الحبكة) وبذلك "صاغ كاستفلترو مفهومه على أساس أولوية العرض المسرحى ورأى أن الأدب الدرامى (النص المسرحى) هو الذى يجب أن يخضع العرض ويتكيف معه فخشبة المسرح مكان محدود يعرض عليه فى فترة زمنية تراعى وجود المتفرجين فى القاعة" إذ لا يمكن أن نقنع المشاهد الذى يشاهد عرضاً مسرحياً تجاوز عرضه ساعات غير قليلة بأن الأيام والليالى تمر والمنظر المسرحى محدد بمدينة واحدة أو منزل واحد وعليه فلابد أن نراعى ألا يتحدد المنظر المسرحى بمنزل واحد أو مدينة واحدة ولعل كاستفلترو حينما حدد ذلك كما يرى دكتور إبراهيم حمادة كان مصيباً ذلك أنه "لكى تعطى المأساة تأثيرها الصحيح المتكامل يجب أن تمثل على خشبة المسرح، لأن قراءتها فحسب، ليست كافية لإعطاء كل إمكاناتها. وإذا كان ولابد للمأساة أن تعالج حدثاً وقع فى مكان محدد جداً وفى زمن محدد جداً أيضاً، فإن الحدث بدوره يجب أن يكون واحداً ومتعلقاً بفرد واحد"
إن كاستلفترو حينما ناقش هذه الوحدات وأقرها يكون قد وضع قوانين ظلت تسود الدراما الأوروبية طوال ما يزيد عن قرنين من الزمان، إلى أن تحرك كتاب الدراما ونقادها فى نهايات القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر، ليثور على هذه القوانين وبوصلنا إلى القرن التاسع عشر نكون قد تخلصنا من كثير من القواعد والقوانين التى قالها أرسطو أو شراحه أو حتى التى لم يقل بها أرسطو ونسبها شراحه إليه والتى أحدثت عند كثير من الكتاب والنقاد أخطاء كثيرة فى فهمها فقد وقع فى هذا الخطأ الكاتب والناقد الإنجليزى فيليب سدنى فى مقالته "دفاع عن الشعر، حيث اعتقد أن أرسطو هو مصدر وحدتى الزمان والمكان وليس كاستفلترو نفسه كما أن الناقد الانجليزى بن جونسون التزم فى كثير من مسرحياته بهاتين الوحدتين وإن خالف شكسبير الكثيرين ولم يلتزم بهذه الوحدات.
3- العلاقة بين النص والعرض المسرحى:
كثيراً ما يهاجم النقاد المعاصرون كتاب "فن الشعر" لأرسطو، لأنه لم يتطرق إلى قضايا العرض المسرحى وارتكز بشكل أساسى على النص الأدبى، وهو ما خالفه فيه كاستلفترو بأن تناول بالشرح الشروط التى لابد وأن تتوافر فى العرض المسرحى وعلاقة ذلك بالنص، إذ لا يمكن أن ينسى المؤلف المسرحى وهو يكتب خشبة المسرح وعليه فإنه "ينبغى أن تمثل الدراما وتجسد، وقد وضع كاستلفترو شروطاً يجب توافرها فى العرض المسرحى أهمها: المكان والمتفرج والزمان:-
1- يجب أن يكون المكان المسرحى فسيحاً ولكن بشكل يسمح للمتفرج بالمشاهدة والسمع الجيدين.
2- المتفرجين خليط من شرائح مختلفة تبحث عن المتعة والتسلية وعليه فإن الكاتب يحب أن يراعى عدم الغوص فى الموضوعات الصعبة أو الغامضة.
3- يجب أن يتحرك الممثلون على خشبة مرتفعة وضيقة ولهذا يجب أن تخلو الدراما من مشاهد العنف".
لقد تحقق الكثير من شروط كاستلفترو لتحقق النص المسرحى من قبل فى أثناء المباريات المسرحية التى كانت تقام فى مسارح ايفسوس 605 ، ابيداورس iWPOS وغيرهما من المسارح، إذ كان العرض المسرحى يتم على خشبة المسرح التى نحتت فى قلب الجبل وشكلت أماكن المشاهدين على شكل مدرجات وبالتالى تحقق الشرط الأول وهو أن يكون مكان العرض فسيحاً وأن يجلس المتفرج ليستمتع بالمشاهدة، أما عن السمع فقد أكدت الدراسات الدرامية الإغريقية المتخصصة" أن إشكالية السمع قد تحققت؛ إذ إن ميكانيزم الأوركسترا أو أماكن المشاهدين حقق خاصية السمع بشكل واضح بحيث إن المشاهد فى أعلى مدرج من مدرجات المشاهدين يستطيع أن يستمع لكل كلمة وهمسة من قبل المشاهدين" أما عن تحقق الشرط الثانى فهو متضمن فى سياق الحديث السابق إذ أن المؤلف يعلم جيداً اختلاف نوعية الجمهور المشاهد الذى يبحث عن المتعة والتسليه وأرى أنه قد تحقق، أما عن العنصر أو الشرط الثالث والمتعلق بضرورة خلو الدراما من مشاهد العنف فكلنا يعلم أن أوديب عندما أراد أن يفقأ عينيه خرج إلى الكواليس وأتم فعلته ولم تتم أمام المشاهدين.
إن ما جاء به كاستلفترو من شروط أرى أنها استنتاج وتحوير لما ترجمه عن أرسطو ذلك أننا وكما سبق الذكر ندرك جيداً أن جمهور المسرح الاغريقى قد عرف العرض المسرحى وكان يجلس طوال اليوم فى المدرجات، بل إن التمثيل والعرض المسرحى كان ذا مكانة تقترب من مكانة مجلس الشيوخ عندهم (Choas).
4- المعاناة عند البطل المأسوى:
يتحدث كاستلفترو عن معاناة البطل وأسباب هذه المعاناة، ويحددها فى سببين يحركان البطل المأسوى ليعمل:
1- إما لأنه يضطر إلى التورط فى قضية تتعلق بصالح وخير. أو ما يعتقد بأنه صالح وطيب.
2- أو أن يخوض أحداثاً تتعلق بشر أو ما يظن أنه شر.
وفى الحالة الأولى يتحرك البطل أمام دافعين:
أ- لكى يكتسب شيئاً طيباً لا يملكه(مثل تحقيق كليتمنسترا لرغباتها الجنسية مع ايجبستوس).
ب- ليحافظ على شىء طيب وقيم حصل عليه (لتحافظ على إيجبستوس الذى حصلت عليه اضطرت إلى قتل زوجها).
أما فى الحالة الثانية فيتحرك البطل أمام دافعين:
أ‌- لكى يهرب من شر سيحيق به فى المستقبل (مثل تحرك فيدرا لتقنع زوجها بقتل ابنه هيبوليتوس بعد أن خافت الفضيحة لرفضه لها فأبلغت زوجها أنه روادها عن نفسها).
ب‌- لكى يزيح شراً وقع فعلاً (وذلك عندما ذبحت ميديا) أولادها انتقاماً من زوجها الخائن جاسون.
وعليه نستطيع القول أن كاستلفترو هنا يحدد ويشرح أبعاد معاناة البطل المأسوى الذى قد تلم به مأساة وهو قد يستحق ذلك مثل عقاب كليمنسترا للبطل وقد لا يستحق ذلك مثلما حدثت لأوديب بقتله أبيه وزواجه من أمه دون علمه وهو لا يستحق ذلك.
5- المشابهــة:
(مشابهة الواقع كما أسماها سكاليجر- ومشاكلة الواقع كما أسماها بوالو)
تحدث كاستلفترو عن عنصر المشابهة ويقصد به حتمية أن تتشابه الأحداث التى تجرى فوق خشبة المسرح مع الواقع المعيشى، إذ لا يمكن أن تعتمد فى مشاهدة مواقف العنف أو القتل على حاسة السمع ونلغى حاسة البصر وهو بذلك يكون قد سبق عصره بقرون عدة وحقق ما تنادى به النظريات المعاصرة فى العرض المسرحى، إذ تعتمد على حاسة البصر وقدراته فى متابعة الحدث دون الاعتماد نهائياً على الكلمة أى على حاسة السمع، وبذلك "يعتقد كاستلفترو وهو فى ذلك متأثر بهوراس أن المنطق يقول بأننا نتأثر بالأشياء التى نراها بأعيننا ممثلة فوق خشبة المسرح، أكثر مما نسمعها بآذاننا ولهذا كان ينبغى على الشعراء الدراميين أن يعرضوا فوق الخشبة مشاهد القتل والعنف، باذلين جهدهم فى إثارة عاطفتى الخوف والشفقة فى نفوس النظارة، ولكنهم لا يعرضون ذلك أمام الجمهور، وإذا فعلوه فأنهم يلامون على ذلك لوماً شديداً".
إن كاستلفترو تأثر كثيراً بهوراس الذى أباح ظهور مشاهد العنف والتقل فوق خشبة المسرح وربما كان لهوراس العذر فى ذلك وقد عاش فى أروقة الحضارة الرومانية التى أباحت القتل والتلذذ به عن طريق مصارعة العبيد للأسود والوحوش الضارية من أجل تحقيق المتعة للمشاهدين من السادة والأمراء والحكام، أما عن اعتماد كاستلفترو على مشاهد العنف أكثر من سردها لتحقيق عاطفتى الخوف والشفقة فأرى أنه بعيد فى ذلك عن روح المأساة التى تهذب الناس وتطهرها وترتقى بها. وقد خالف المعاصرون كاستلفترو حتى مشاهد المزج بين الأمراء والبسطاء فكيف يسمح هو ببشاعة هذه المشاهد؟.
قدم لنا عصر النهضة عدداً من النقاد الذين ساهموا فى بلورة ملامح النظرية النقدية ومعاييرها فى عصر عجز السابقون عليه- أقصد نقاد مسرح العصور الوسطى فى تقديم أية معايير أو ملامح تميز الحركة النقدية. على أنه إذا كانت النظرية النقدية فى عصر النهضة" تميل لجانب التمسك بالقواعد أكثر مما تميل لجانب الإلهام فى الكتابة فالواجب علينا أن نتذكر أن معاصريم كانوا أكثر تعرضاً للخطأ من ناحية عدم تطبيقهم القواعد وليس من ناحية التعقل فى الكتابة لكنه بقطع النظر عما إذا كان تأثيرهم كان نافعاً أو ضاراً فإنهم قد نجحوا بإعجاب فى تحقيق شىء واحد. فلقد أرسوا النقد الأدبى باعتباره شكلاً مستقلاً من أشكال الأدب".

د- سير فيليب سيدنى (1554-1586)
Sir Philip Sidney
(النقد فى العصر الإليزابيثى)
اتفق النقاد والدارسون على أن تاريخ النقد الأدبى الذى ازدهر فى بلاد الإغريق والرومان فى المراحل الأولى منذ القرن الخامس قبل الميلاد قد تعثر بعض الوقت طوال مراحل العصور الوسطى التى غطت الفترة من القرن التاسع وصولاً إلى القرن الخامس عشر الميلادى، وبعدها انعشت الحركة النقدية مرة أخرى منذ القرن الخامس عشر أو قبل ذلك بقليل ممثلة فى محاولات دانتى الليجيرى وبوكاتشيو وصولاً إلى القرن السادس عشر، الذى سمى بعصر النهضة وإعادة انبعاث التراث الإغريقى والرومانى، وقد تبلورت الحركة النقدية فى إيطاليا وفرنسا ممثلة فى أسماء نقاد شاركوا طوال هذه المرحلة أمثال سكاليجر وكاستلفترو فى إيطاليا أما عن البدايات الحقيقية للنقد الأدبى الجاد فى انجلترا فقد تأخر نسبياً ولم تكمل ملامحه إلا فى عصر الملكة اليزابيث".
أما عن القرن السادس عشر. فقد اعتمد النقاد على قواعد وقوانين النقد الكلاسيكى التى بلورها الشراح فى عصر النهضة دون إغفال تراث القرون الوسطى، حيث تبلورت اهتمامات الشعراء فيما يتعلق بجانبى البلاغة والنحو وما سمى "بالريتوريكا"().
انصب اهتمام الشعراء والنقاد فى عصر النهضة بانجلترا على الشعر والشعراء وسعو إلى تحريره من سلطان الدين، وأصبح الشعر إلهاماً ينزل على الشاعر من فيض السماء وهم فى كل ذلك يعتمدون على كتاب "فن الشعر"لهوراس" وحجتهم التى يرجعون إليها فى تقييم النواحى الفنية فى الشعر، ومصدر جل أحكامهم الجمالية، وقد قبلوا هوراس وآمنوا بأن غاية الشعر ليست الفائدة أو المنفعة وحدها وإنما المنفعة والطرب معاً، وتأثر بعضهم مثل "سيدنى" بأقوال أرسطو، فكانوا يشيرون إليها غالباً فى كتاباتهم، وإن كانوا أنفسهم لم يقرؤا أرسطو، وإنما عرفوه عن طريق الشارحين والنقاد الإيطاليين . ولكننا سنكتشف أن نقاد عصر النهضة فى انجلترا فى أثناء حكم الملكة إليزابيث لم يلتزموا التزاماً حرفياً بالقوانين الكلاسيكية التى التزم بها بعض نقاد إيطاليا وإنما تميز نقاد انجلترا بأنهم يخضعون أحكامهم للتدقيق معتمدين على ما تمتعوا به من حرية الفكر، الأمر الذى يجعلهم لا يقيمون أحكامهم معتمدين على آراء أرسطو وحده أو أى من شراحها ومفسريها.
أعطى نقاد عصر النهضة فى انجلترا اهتماماً كبيراً لبعض القضايا الكلاسيكية التى تركها السابقون محاولين تفنيد بعض قضايا المسرح الكلاسيكى وقضية الأوزان الكلاسيكية وكان المعيار الوحيد الذى يطبقونه عادة هو "معيار الذوق السليم، فإذا ما دعا الناقد إلى اتباع نمط كلاسيكى قديم فانه يفعل ذلك؛ لأن هذا النمط فى عرفه يتفق والذوق السليم، وليس لأنه مجرد نمط خلقه الإغريق أو بالأحرى الرومان القدامى وهم فى ذلك يتفقون مع النقاد السابقين أمثال سنيثو، و "دى نورز" Denores، وجوزينى، وسومو Foustino Summo الذين أثاروا قضية الذوق التى سيتحدث عنه فيليب سيدنى أيضاً.
ترتب على عدم قبول نقاد إنجلترا آراء السابقين عليهم باعتبارها مسلمات إلى إدخال مفاهيم جديدة على وظائف الشعر والشعراء، حيث ترتب على قراءة الآداب الكلاسيكية القديمة أن أدخل هؤلاء النقاد مفهوماً جديداً للشعر يختلف عن هذا المفهوم التقليدى الذى ورث عن القرون الوسطى. وقد أدى ذلك إلى تضارب الآراء وغموض الأفكار فيم يتعلق بماهية الشعر ووظيفة الشاعر، وساعد على نشر الفوضى النقدية التى كثيراً ما كان يشكو منها الكتاب فى هذا العصر، وزاد من الاضطراب والفوضى هجوم المتزمتين فى الدين على الشعر، واعتبارهم إياه فناً خطيراً على الدين والأخلاق". وقد رد الكثير من نقاد عصر النهضة فى انجلترا أمثال فيليب سيدنى والناقد "بتنهام" الذين تصدوا للرد على هؤلاء المتزمتين وعلى رأسهم الكاتب "جونسون" الذى هاجم الشعر والشعراء فى عدة دراسات له.
تمحورت الدراسات التى تقدم بها المدافعين عن الشعر فى عصر النهضة بإنجلترا حول عدة نقاط أهمها:-
1- أن الشعر رمزى فى جوهره ويخفى وراء مظهره الجذاب حقائق خلقية وفلسفية وبذلك يصبح الشعر تعليمياً وهذا الرأى يعود للعصور الوسطى.
2- أن الشعر محاكاة وأن وظيفة المحاكاة هى توليد اللذة والمتعة وهو رأى يتضح فيه التأثر بآراء أرسطو.
3- أن الشعر ينشط ملكة الخلق عند الإنسان وهو رأى قاله فيليب سيدنى.
4- مشكلة الإلهام الشعرى: فبعد أن تراجعت فكرة أفلاطون القائلة بأن الإلهام ضرب من الجنون تولد الرأى الذى يقول بأن الشعر نوع من النشوة تساعد بدورها على تركيز الشاعر واستحضاره للشعر.
5- العلاقة بين القديم والجديد ونعنى بها دراسة ميراث الأقدمين سيمكن النقّاد والكتًاب من اقتفاء الأثر ومن ثم تصبح المحاكاة عوناً على عملية الخلق الأدبى التى يقوم بها الشاعر".
ترتب على إعداد طرح بعض الأفكار القديمة المأخوذة من السابقين أن نجح نقاد عصر النهضة فى انجلترا فى تقديم معانى جديدة تختلف عن غيرهم من المقلدين للميراث الأغريقى والرومانى تقليداً يصل إلى حد المحاكاة بالمعنى الساذج الذى أصبح موضع اهتمام كتّاب عصر النهضة فى إيطاليا اقصد تقليد الأعمال التى أبدعها كتّاب المسرح الأغريقى والرومانى، أما كتّاب عصر النهضة فى انجلترا ونقاده فقد نجحوا فى مخالفة هذا الرأى وأصبحت المحاكاة مثلا لغة قراءة تراث السابقين وتأمله للوصول إلى الوسائل التى يستطيع الكاتب أن يؤثر فى نفوس القرّاء.

الناقد الأدبى الإنجليزى فيليب سيدنى
(ناقد المسرح الإليزابيثى)

دافع سيدنى فى كتابه(دفاع عن الشعر) عن الآراء المتعصبة المتزمتة من رجال الدين المتشددين الذين كانوا يرون الشعر من وحى الشيطان وأنه يجب عليهم محاربته وقد انطلقت دعوى سيدنى لكى "يبرز مكانة الشعر الانجليزى بالإستناد إلى منطق حياة البشر قائلاً: إن الشعر لازم لكل بيئة إنسانية متبدية أو متحضرة وأنه سجل أمجاد السالفين وطرائفهم وأبقاها عبرة ماثلة للأجيال التى تلتها. وقسم مقاله إلى أربعة أجزاء:-
الجزء الأول: تحدث فيه عن قدم الشعر، كونه تراثاً إنسانياً شائعاً فى كل مكان.
الجزء الثانى: تحدث عن الخدمات التى أداها الشعر للإنسانية من ناحية تمجيد الحق وتنمية الأخلاق الكريمة وغرس الفضائل فى النفوس.
الجزء الثالث: تناول صميم موضوعه فأخذ يفند حجج معارضى فن الشعر حجة بعد أخرى ويقيم الدليل على عكسها مبيناً أن الشعر ليس من خصائصه الكذب.
الجزء الرابع والأخير: وصف الشعر فى انجلترا، وأبدى نصائح للأدباء المحدثين. ليؤدوا وظيفتهم أداءاً صالحاً يكفل لهم ذيوع شعرهم وتبوء المكانة اللائقة بهم.
إن سيدنى بذلك يكون قد حدد فى دفاعه عن الشعر بداية أهمية فن الشعر وأنه ارتبط ببدايات الإبداع الإنسانى منذ المسرح الإغريقى والرومانى، فكان محل تقدير من كل فئات الشعب كما أنه أوضح ما أداه الشعر لبنى الإنسانية حينما قدمت مسرحيات تغرس فى نفوس المشاهدين قيم الخير والفضيلة وتحارب قيم الشر والرذيلة، وبذلك يساعد الشعر على تهذيب النفوس وتربية الذوق لدى الناس ثم استمر سيدنى فى تنفيذ حجج المعارضين للشعر من العمليين الذين لا يقرونه. كما ناقش سيدنى آراء أفلاطون حيال الشعراء وطردهم من جمهوريته وأرجع الأسباب ليس إلى كون الشعراء يلهون بعقول الناس ونفوسهم، بل إن الشعر الردئ هو الذى يفسد حياة الناس حينما يفقدهم الشاعرية الحقة وهو بذلك يكون قد هدم وتجرأ على مناقضة آراء أفلاطون الذى وصلت مكانته فى عصر النهضة إلى مكانة القديسيين.
تحدث سيدنى فى مقالته الشهيرة "دفاع عن الشعر" عن قضية الذوق العام أو حسن التقدير وذلك حين أعاب المزج من قبل الشعراء بين المآسى والكوميديات فتصبح حينئذ خليطاً يجمع بين الملوك ومهرجيهم وهو نوع من الخلط تفقد فيه المسرحية – يقصد الـ Tragi – Comedy – قدرتها على "تحقيق الإعجاب والتعاطف أو التسلية الصحيحة "أو من الواضح أنه لم تكن التراجى- كوميدياً نوعاً صحيحاً بالنسبة لسيدنى شأنه فى ذلك شأن المحافظين الآخرين". أى أن سيدنى يرفض هذا المزج الذى قام به بعض الكتاب أمثال شكسبير الذى تجاهل مبدأ فصل الأنواع الذى قال به أرسطو ومزج بين التراجيديا والكوميديا. هذا من ناحية. من ناحية أخرى فقد رفض سيدنى أيضاً الكتاب الذين "انغمسوا كما انغمس شكسبير فى التيار الرومانسى. وهو يتحدث عن "مآسينا وملاهينا" فيلاحظ عبث مؤلفيها بالقواعد، وتجردها من التأدب الأمين، والشعر البارع".
إن دفاع سيدنى عن الشعر قصد من ورائه الهجوم على الكتاب المسرحيين الذين أهملوا قواعد السابقين دونما علم أو دراية، فهو يرى أن خلط الكتّاب بين الكوميديا والتراجيديا نوع من عدم الإحترام، كما أشار سيدنى إلى قضية الواقعى والمسرحى وأقصد بها ما قاله من قبل نقاد عصر النهضة فى إيطاليا أى المشابهة، إذ كيف يمكن للجمهور أن يشاهد عملاً مسرحياً لا يراعى المؤلف فيه إمكانية حدوث هذا الشىء فى الواقع لكنه من الصعب أن يحدث على خشبة المسرح فقد إزدحمت خشبة المسرح بأعداد من المشاهد تنقل المشاهد من حديقة بها ثلاثة أولاد يتنزهون ويبحثون عن الورد، وهذا يضطركم – أى المشاهدين- إلى اعتبار المسرح حديقة. بعدها بقليل تسمعون حديثاً عن حادثة غرق فى نفس المكان ويجب أن تقبلوه على أنه صخرة وإلا استحققتم اللوم الشديد".
إن سيدنى قصد من وراء ذلك ضرورة أن نفرق بين كوننا نقلد ونحاكى وبين كوننا نفهم لماذا يفعل الشاعر المسرحى ذلك حينما يكتب مسرحية بها العديد من المشاهد وتنتقل الأحداث بين أكثر من مكان دونما مبرر مقنع، يجعل حدوثها بهذا الأسلوب أمراً مستحيلاً، حتى ولو كان هذا المؤلف يخالف قواعد السابقين. إن سيدنى الذى تأثر فى كثير من أقواله عن الشعر وغايته بأرسطو مثل غيره من نقاد عصر النهضة- قد خالفه فى نواحى كثيرة وتحرر من الكثير من القواعد شأن النقاد الآخرين- الذين "كانوا يشيرون إلى أقواله فى كتاباتهم، وإن كانوا أنفسهم لم يقرءوا أرسطو، وإنما عرفوه عن طريق الشارحين والنقاد الإيطاليين، وعلى الرغم من هذا التأثر بالنقد والأدب الكلاسيكيين فإننا نستطيع أن نقول بصفة عامة: إن نقاد عصر النهضة بإنجلترا كانوا على قدر كبير من التحرر، فلم يقبلوا شيئاً على عواهنه، ولم يبنوا أحكامهم على أقوال ناقد قديم بالذات".
وسيدنى بذلك يؤكد فى دفاعه عن الشعر رفضه لتقليد السابقين دون تفنيد ودراية وفهم، وهنا نرى أن رسالة سيدنى ومقالته هذه تعد وثيقة هامة فى تاريخ النقد الإنجليزى أكدت بدورها ما سبق أن قاله الكثير من النقاد.
إن النقد فى عصر النهضة فى انجلترا قد أضاع وقتاً كبيراً فى مناقشة قضايا خاسرة أثبتت الدراسة بعد ذلك أنها أعاقت كثيراً فى تطور حركة المسرح الإنجليزى حتى أن بعض النقاد فى انجلترا طوال القرن السابع عشر وصولاً إلى القرن الثامن عشر بدأوا مهاجمة مقومات النقد الكلاسيكى حتى إذا وصلنا إلى نهاية القرن الثامن عشر وجدنا كل من "وردزورث" وكولردج يرفضون هذه القواعد الجامدة التى تسود عقلية العصر متأثرين فى ذلك بالتفكير الفرنسى الذى جلبه معه الملك تشارلز الأول بعد أن تزوج من أميرة فرنسية، عاد إلى وطنه وتولى عرش انجلترا وقد جلب معه الذوق الفرنسى فى كافة مناحى الحياة بما فى ذلك الفنون عامة والأدب والمسرح خاصة.
هـ- الناقد الانجليزى
بن جونسون (1572-1627)
يعد "بنجامين جونسون فى الأصل ممثلاً وشاعراً وكاتباً مسرحياً وناقداً انجليزياً كتب عدداً من المسرحيات أهمها مسرحية "كل إنسان وطبعه every Man in his Humor التى لاقت نجاحاً كبيراً عند عرضها على خشبة المسرح الانجليزى ومسرحية فلوبونى، والكيميائى وغيرهما.
وافق "بن جونسون" الناقد "سيدنى" فى كثير من الآراء الخاصة بكيفية التعامل مع قوانين الدراما وقواعدها وقد بلور هذه الآراء فى كتابه المسمى "اكتشافات"، Discovers، حيث تتضح ميوله نحو الكلاسيكية الحديثة فى مسرحيته "سيجانوس Sejanus" و كاثلين "Cathline، حيث كتب هاتين المسرحيتين "لمعارضة مسرحيات شكسبير الرومانسية" وربما يكون "بن جونسون" بذلك قد أكمل مشوار "سيدنى" و "دانيل" فى تكملته لهما إذ يعد "بن جونسون" امتدادا لهما وتكملة نظراً "لما تميز به من تحرر فى تناول الآداب القديمة والحديثة، وهو أول من استطاع أن يقول: "إن شعر "شكسبير" فيه الغث والسمين، على أنه كان فى الوقت نفسه متأثراً إلى حد بعيد بروح النظام الكلاسيكى، وذا ميل شديد إلى الأخذ بقواعد القدامى فى أحكامه النقدية على الآداب فى عصر الملكة اليزابيث".
إن "بن جونسون" يتحرك فى ثلاثية نقدية تكتمل بسيدنى ودانيل شأنه فى ذلك شأن بوالو ورايان ولى بوسية فى فرنسا طوال القرن السابع عشر وشأن دريدان وبوب ودكتور جونسون فى انجلترا فى القرنيين السابع عشر والثامن عشر، إذ يسعى بن جونسون من خلال مسرحياته إلى التركيز على الجوانب العقلية أكثر من الجوانب الوجدانية، وهو فى جميع مسرحياته يخاطب العقل، وهذا ما اكتشفه نقاده، إذ أدركوا أن مسرحياته تخاطب العقل أكثر من مخاطبتها للوجدان. كما أن الإلمام بالناحية الجمالية فى مسرحياته أمثال "فولوبنى" Volpone " والسيدة الصامتة "The Silent Woman" و "الكيماوى The Alchemist يحتاج إلى جهد وعناء للبحث عنها من وراء السطحية التى قد تبدو لنا بعد قراءتها على عجل".
لقد اقترب "جونسون كثيراً- كما سبق القول- من الواقعية أكثر من الرومانسية، لذلك وجد ضالته المنشودة فى الآداب الكلاسيكية- الاغريقية والرومانسية – لكنه لم يلتزم بها التزاماً حرفياً بل خالفها فى بعض النواحى. فهو قد خالف السابقين مثلاً فى الحبكات التى أدار بها مسرحياته؛ فهو لا يستخدم طريقة مألوفة"، بل يستخدم مهارة بنائية درامية هائلة، تمثلت فى استغنائه عن الحبكة. فهو لا يعالج أبداً حبكة فى مثل تعقيد حبكة تاجر البندقية، وليس فى خير مسرحياته ما يشبه مؤامرات ملهاة عصر رجوع الملكية Restoration drama وفى مسرحيته "سوق بارثولوميو" تكاد توجد حبكة. فأعجوبة المسرحية هى الفعل الحمائى السريع المحير للسوق، إنها السوق ذاته وليس أى شىء يحدث فى السوق وفى مسرحية "فولبونى" أو مسرحية" الكيميائى" أو مسرحية "المرأة الصامته" حبكة تكفى لابقاء الممثلين فى حالة حركة. إنه فعل أكثر مما هو حبكة، فالحبكة لا تربط أجزاء المسرحية وما يربط أجزاءها إنما هو وحدة إلهام تشع على الحبكة والشخوص سواء بسواء.
إن آراء "بن جونسون" النقدية وكتاباته المسرحية- مسرحياته- تعد ذات أهمية فى تاريخ النقد العالمى وفى تاريخ بلورة نظرية درامية يرى الكثير من النقاد أنه إذا كان "بن جونسون" قد عاش فى حياتنا المعاصرة فى القرن العشرين أو القرن الحادى والعشرين فإنه كان سيحتل مكانة لا تقل أهمية عن مكانة شكسبير، بل ربما نجح فى أن يحتل مكان الصدارة بين كتّاب المسرح المعاصر، ذلك أن شخصيات مسرحياته وأفكاره وحبكاته تدل كلها دلالة أكيدة على أن ما اتهم به "بن جونسون" من قبل بعض النقاد من أن أعماله سطحية هو أمر غير صحيح لأن السطح عند "جونسون" صلب – حقيقى- أنه توجد أعمال معاصرة له سطحية بمعنى انتقاص لا يمكن اضفاؤه على جونسون "فهو ما هو، وهو لا يدعى أنه شىء آخر ولكنه من الوعى والتعمد إلى الحد الذى يتعين علينا معه أن ننظر بعينين يقظتين إلى الكل قبل أن ندرك دلالة أى جزء إننا لا نستطيع أن ندعو عمل رجل سطحياً حينما يكون هذا العالم خلقاً لعالم، فإن الرجل لا يمكن أن يتهم بأنه يتناول على نحو سطحى العالم الذى خلقه هو نفسه، لأن السطحيات هنا هى عين العالم. إن شخصيات جونسون تتمشى مع منطق انفعالات عالمها وليست من خلق الوهم، فإن لها منطقاً خاصاً بها وهذا المنطق يجلو العالم الفعلى، لأنه يقدم لنا وجهة نظر جديدة نفحصه منها".
وعليه فإن موجه الرفض والقبول التى تتردد بين الفنية والأخرى دليل قاطع على عظم ما كتب وأبدع "بن جونسون" سواء فى مجال الدراسات النقدية، أو فى مجال المسرح وإن كان بعض النقاد يرون أنه "فشل" حينما هم باقتحام عالم التراجيديا، وحينئذ عرف جيداً بل أيقن أن ازدهار فنه منصب على الملهاه لهجائها المقذع وسخريتها الاجتماعية. وقد وضع نصب عينيه بعض المثل الأخلاقية، وتركز هجاؤه حول تلك الشخصيات التى تحيد عن هذه المثل، أما بقية شخوصه المسرحية فهم أناس لا حول لهم ولا قوة، يبدون لنا فى معظم الأحوال كلوحات باهتة لا حراك فيها، يعوزهم الطابع الدرامى أو القيمة المسرحية التى تزخر بها ملهاة موليير مثلاً".
إن الأجواء التى دارت فيها أحداث مسرحيات "بن جونسون" جعلتها ترتبط بأجواء معينة معظمها يدور فى أجواء المجتمع الانجليزى فى عصر الملكة اليزابيث وهو ما يجعلها تفشل إن غادرت هذه الأجواء وهو ما يرى فيه بعض النقاد قصوراً، بخلاف كوميديات شكسبير التى تستطيع أن تعيش وتقدم فى أى مكان نظراً لغنى أعمال شكسبير التى تتحقق فى أى زمان ومكان ولا ترتبط بزمنها أو مكانها الذى أبدعت فيه.
وبرغم كل الهجوم والرفض فى بعض الأحيان على نتاج "بن جونسون" فإننا لابد وإن نذكر له الفضل فى إنتاج غزير من الأدب والآراء النقدية التى أكدت دون شك أنه كان حريصاً على ضرورة الاعتراف بوجود أدب انجليزى جدير بالعناية والتقدير وقد كان هو نفسه من أكثر الأدباء إنتاجاً فى حينه، وأنه من ناحية أخرى كان متعصباً للقواعد القديمة، ويرى وجوب تطبيقها على الأدب الإنجليزى ليصل إلى حد الكمال وبهذا يمكن أن يقال إن "بن جونسون" هو الذى فتح الطريق أمام الكلاسيكية الجديدة التى بلورها "جون درايدن" فى أواخر القرن السابع عشر".


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed hamdy



المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 06/05/2011

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ النقد ونظرياته في عصر النهضة   الجمعة مايو 06, 2011 3:35 pm

احمد صقر كتب:

تاريخ النقد ونظرياته فى عصر النهضة
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
===================
ما إن وقعت القسطنطينية فى يد الأتراك العثمانيين فى منتصف القرن الخامس عشر الميلادى حتى تراجع دور الكنيسة وسيطرتها على مقدرات الشعوب مما ساهم بدوره فى هجرة العلماء والرهبان الحاملين والحافظين للمخطوطات القديمة للتراث الإغريقى والرومانى إلى الكثير من المدن الايطالية، آملين ترجمة هذا التراث إلى اللغات الأوروبية المختلفة من أجل نشر ميراث الأقدمين بهدف إعادة إحيائه وبعثه من جديد بعد أن حظرت الكنيسة التعامل معه قرونا عديدة.
اعتمدت النهضة الأدبية والفكرية فى ايطاليا وفرنسا وانجلترا واسبانيا- وإن تحفظت كثيراً-على المحاكاة للنموذج الإغريقى والرومانى، وإن اختلفت المحاكاة هنا عما كانت عليه من قبل، وذلك أن المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو كانت تعنى "محاكاة الأشخاص والأشياء فى الطبيعة وبدأ هوراس ولونجينوس"فى استخدامها بمعنى محاكاة الكتاب الآخرين، وهذا المعنى الأخير كان هو المعنى الذى استخدمه نقاد عصر النهضة بصفة عامة". إذ عاد الكثير من كتاب عصر النهضة ونقاده إلى النموذج الإغريقى أو الرومانى يحاكونه ويلتزمون به، ولعل هذا- كما سيتضح بالدراسة- سيصبح من أهم الأسباب التى حالت بين نقاد عصر النهضة وكتابه وبين الإبداع الجديد، إذ تحولوا جميعاً إلى متبعين ومقلدين غير مبدعين ومجددين.
إن كتاب المسرح والشعراء الذين أفرزوا إنتاجاتهم انشغلوا كثيراً بقضية لطالما عرضت من قبل وأثارها دانتى الليجيرى، أقصد قضية اللغة وأى اللغات تستخدم فى كتابة إبداعاتنا الشعرية والأدبية خاصة فى إيطاليا، أما فى انجلترا وفرنسا فقد سادت النظم الملكية الموحدة التى لم تمنحها فرصة السؤال عن اللهجة التى تستخدم. وربما فكر الكثيرون من أدباء عصر النهضة ونقاده فى ميراث هوميروس وشيشرون واكتشفوا أن العصور الوسطى لم تخلد لهم شيئاً ذا قيمة، لذلك عليهم أن يقلدوا السابقين من مبدعى بلاد الاغريق والرومان معتمدين فى ذلك على إحدى مقولات هوراس التى تقول "أكره الدهماء الملوثين "وهم يسعون إلى نوعية منتقاة من القراء والمشاهدين بعيدين عن السوقة فى ظل مجتمع مهذب وربما هذا من بين الأسباب التى جعلت الناقد الإيطالى جيرالدى سنيشو Graldi Cinthia (1405-1573) يرفض تصوير هوميروس "للأميرة نوسيكا وهى تغسل ملابسها" ويرى سنشيسو أن هوميروس بذلك قد فقد الذوقفى تصوير هذا المشهد إذ كيف يسمح لنفسه أن يجعل هذه الأميرة تقوم بغسيل ملابسها وملابس الأسرة مع خادمتها عند النهر؟.
إن قضية اللغة، والذوق واتباع تعاليم المسرح الأرسطى والهوارسى ونسبته إلى هوراس وقواعدهما إنما هى قضايا ملحة ناقشها الكثير من النقاد والشراح فى عصر النهضة وقد أثارت آرائهم النقدية الكثير من الحيرة والالتباس بينها وبين النقد الكلاسيكى الأرسطى، ذلك أن "النظرية النقدية فى عصر النهضة تميل إلى التمسك بالقواعد أكثر مما تميل لجانب الإلهام فى الكتابة فيجب علينا أن نتذكر أن معاصريهم كانوا أكثر تعرضاً للخطأ من ناحية عدم تطبيقهم القواعد وليس من ناحية التعقل فى الكتابة. ولكن بقطع النظر عما إذا كان تأثيرهم نافعاً أو ضاراً فإنهم قد نجحوا بإعجاب فى تحقيق شىء واحد. لقد أرسوا النقد الأدبى باعتباره شكلاً مستقلاً من أشكال الأدب. ومنح الناقد من الآن فصاعداً مكاناً مشرفاً باعتباره مواطناً فى جمهورية الأدب".
إن الفترة الممتدة من القرن السادس عشر والمسماة بعصر النهضة وصولاً إلى القرن السابع عشر واستمرار امتداد أثر الكلاسيكية فيما عرف بالكلاسيكية الجديدة. لهى فترة أثارت كثيراً من النقاش والجدل بين نقاد هذه المرحلة لم يظهر له مقابل فى الفترات السابقة الممتدة من القرن التاسع الميلادى وصولاً إلى نهايات القرن الرابع عشر، حيث أهملت الفترة السابقة المسرحية بمعناها الكلاسيكى المتعارف به وتراجعت حركة النقد المسرحى كثيراً.
إن القضايا النقدية التى أثارها عصر النهضة وصولاً إلى القرن السابع عشر- مرحلة الكلاسيكية الجديدة- تعددت وتشعبت، لكنها تركزت جميعها حول كيفية التعامل مع ميراث الإغريق والرومان فى ظل عصر يسعى إلى إحياء العلوم القديمة التى حالت بينهم وبين استمرارها الكنيسة، وعليه طرحت على الساحة النقدية بعض القضايا تمحورت جميعها- كما سبق القول- حول محاكاة القديم فيما عرف باسم المذهب الكلاسيكى الذى ساد فيما بعد منذ القرن السابع عشر فى فرنسا ليمثل العصر الذهبى فى تاريخ فرنسا.
أما عن القضايا التى شغلت النقاد منذ عصر النهضة وصولاً إلى القرن السابع عشر فقد تمثلت فى:-
1- أسلوب محاكاة القديم.
2- تفضيل الوصف على مشاهدة الأحداث العنيفة على خشبة المسرح.
3- مبدأ فصل الأنواع (عدم المزج بين الكوميديا والتراجيديا).
4- الوحدات الثلاث.
هذه هى بعض القضايا النقدية التى أثارها نقاد هذه المرحلة وصولاً إلى عصر النهضة وسوف نعرض لكيفية التعامل مع هذه القضايا مركزين على أهم نقاد كل مرحلة من هذه المراحل التى رأيت أن تصبح على النحو التالى:
1- نقاد عصر النهضة فى القرن السادس عشر وهم:-
أ- سكاليجر (1484-1558) G.S.Scalliger
ب- جيرالدى سنيشو (1504-1573) Giraldicinthio
ج- كاستلفترو (1505-1571) Castelevetro
د- سيرفيليب سيدنى(1554-1586) Sir Philip Siddney
هـ- الناقد الانجليزى بن جونسون (1572-1637) Ben Jonson
2- نقاد الكلاسيكية الجديدة:
1- ميلتون (1608-1674).
2- بوالو (1636-1711).
3- دريدان (1631-1700).
4- الكسندر بوب (1688-1744).

1- نقاد عصر النهضة فى القرن السادس عشر:
أ- الناقد الأدبى جو- سيزار سكاليجر Gs.Scalliger (1484-1558).
انشغل نقاد عصر النهضة بتحليل كتابى "فن الشعر" لأرسطو، و "فن الشعر" لهوراس لاستخلاص المعايير التى ينبغى أن تكتب بها المسرحية مؤكدين إعجابهم بأعمال القدماء لدرجة أنهم "انقضوا فى بحثهم لكتاب فن الشعر لأرسطو واتخذوه إنجيليهم". وأصبح الشراح والدارسون ينظرون إلى أرسطو "نظرتهم إلى نبى الحكمة الأزلية الملهم" الذى لابد وأن يتبع فى كل ما يكتبون ولعل هذا قد أظهر مدى تمسك الكثيرين منهم بآراء السالفين، بل وصل الأمر إلى إيجاد بعض الآراء الخاطئة وإلحاق بعضها الآخر بأرسطو أو هوارس ناسين أو متجاهلين حقهم فى تطويع هذا النتاج المسرحى أو ذاك لظروف العصر ومعطيات المجتمع وما يمكن أن يفجر الجديد الذى سيخالفه بعض المعاصرين من كتاب عصر النهضة ونقاده دون أن يدنسوا هذا الإنجيل الذى تركه السابقون عليهم.
يعد سكاليجر من فقهاء اللغة الإيطالية واللاتينة الذين أبدعوا فى مجالات الطب والنقد، حتى أصبح مؤلفه "فن الشعر" مؤلفاً كلاسيكياً استوحى فيه أرسطو مباشرة، ويرسى بذلك دعائم النظرية النقدية الفرنسية.
أثار سيكاليجر فى دراسة "فن الشعر" الكثير من القضايا المتعلقة بالمأساة والملهاة وأكد أوجه الخلاف والاتفاق بين المأساة والملحمة، ولقد أكد أيضاً على مبدأ تصوير الشخصيات الذى سيطرحه نقاد الكلاسيكية الجديدة و المتعلقة بحتمية تصوير الشخصيات البطولية فى الملحمة وعدم السماح بتصوير الشخصيات متوسطة الحال كما يحدث فى المأساة.
علّق سيكاليجر على موضوع المادة التى تكتب منها المسرحية وكيف يستطيع الشاعر أن يصيغ مادة مسرحية معتمداً على "مبدأ الشبه بالحقيقة" لأنه لا ينبغى استهداف الإعجاب والحزن الشديد فحسب، - وهذا ما فعله اسخيلوس حسب رأى النقاد- بل ينبغى تقديم التعاليم الأخلاقية والمتعة أيضاً بحيث يفطن الشاعر المسرحى فى معالجته وتصويره للشخصيات لمبدأ المعقولية وإمكانية أن تكون مسرحيته مطابقة ومشابهة للواقع، ولعل هذا الرأى سيتبلور عند نقاد الكلاسيكية الجديدة فى القرن السابع عشر، إذ لابد وأن يحرص الكاتب- كما يرى "بوالو" فيما أسماه بمبدأ مشاكلة الواقع أو المعقول- على أن تكون "مسرحيته فى أحداثها وحوارها ومضمونها الفكرى والعاطفى مما يمكن أن يحدث فعلاً فى الحياة. وبفضل هذه الإمكانية يصبح مشاكلاً للواقع. وهم يرون بالضرورة أن الفن لا يمكن أن يكون تصويراً آلياً أو كما نقول بلغتنا الحديثة- فوتوغرافيا لواقع الحياة، بل الفن تجميع واختيار من الواقع لعدة عناصر يمكن أن تتألف وتتناسق وتكون كلاً منسجماً هو ما نسميه بحدث المسرحية أو قصتها".
كما أشار سكاليجر إلى قضية واقعية الزمن أو ما يسمى بالمعنى المعاصر الزمن الواقعى والزمن المسرحى، ذلك أنه "عاب على إسخيلوس أن يدفن إجماممنون بعد قتله مباشرة، وبسرعة لا تعطى للممثل وقتاً كافياً يستطيع فيه أن يتدرج وينتقل بمشاعره من حالة شعورية إلى أخرى ليقنعنا نحن المشاهدين فى أدائه. وربما يرفض سكاليجر بشكل عام انتقال الشخصيات والأحداث فى المسرحية من مدينة إلى أخرى دونما تمهيد مقنع وهو يطالب الشعراء المسرحيين أن يختاروا موضوعاً يستغرق وقتاً قصيراً جداً. ولكن اعملوا- أى شعراء المآسى- بالتفاصيل والأحداث، على إضفاء سمة من المسرح عليه".
إن ما أشار إليه سكاليجر من آراء نقدية تكاد تنحصر فى الشكل دون السعى إلى إحداث التغييرات على مستوى المضمون؛ ذلك أن معظم نقاد عصر النهضة سيهتمون بمحاكاة أرسطو وهوراس دون التفكير فى إضافة الجديد وهو ما أكد أن تأثير النماذج الكلاسيكية على كتاب عصر النهضة ونقاده قد أعاق تطور المسرح ولما كان المسرح كائناً حياً راح يتأفف من المحاولات التى تحمله على أن يتمدد فى فراش محدد من القواعد، هذه القواعد التى أخطأ المتعصبون فهمها وتفسيرها وتطبيقها، وذلك بفعل حماسهم أكثر من فعل حكمتهم وحسن تقديرهم، ولقد تشفى المسرح لنفسه من هؤلاء بطريقته الخاصة وفى زمنه الخاص" وذلك بعد أن وصلنا إلى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حيث تخلى كتاب المسرح والنقاد عن هذه القواعد الجامدة أذابوا جمودها وهو ما حقق للمبدعين الكثير من التصورات التى وصلت إلى حد الكتابة دونما التقيد بنماذج سابقة يهتدى بها الكاتب حينما يكتب.
ب- جيرالدى سنشيو Giraldi Cinthi (1504-1573):
يعد سنشيو من أدباء ايطاليا الذين أسهموا ببعض الآراء المتعلقة بالنقد فى القرن السادس عشر، فقد كان أستاذاً للفلسفة الطبيعية فى جامعة فلورنسا، وقد هاجم هوميروس وأدانه لأنه "سمح لنفسه بأن يصور الأميرة نوسيكا – Nousicaa بنت ملك سخيريا وهى جزيرة جاء إليها أوديسيوس بطل الأوديسا بعد أن تحطمت سفينته- وهى تغسل ملابسها وأوضح فقدان الذوق هذا لتذكير القراء أن هوميروس كتب قبل أن تبزغ عظمة الامبراطورية الرومانية وتألقها".
لقد أثار قضية متعلقة بالذوق العام أو كما سماها فيليب سيدنى فيما بعد بقضية حسن التقدير، ويبدو أن هذه القضية طرحت على الساحة الأدبية والنقدية سواءاً فى إيطاليا أو فرنسا أو انجلترا لأنها شغلت اهتمام الكثير من كتاب هذه المرحلة ونقادها وشعرائها. فقد علق جورج وينستون- وهو شاعر انجليزى وكاتب رومانسيات نثرية – على ما كتبه المسيحيون ورأى أنهم "جعلوا المهرجين رفقاء للملوك واستخدموا نمطاً واحداً من الحديث لكل الأشخاص وتلك مخالفة كبيرة للذوق" كما أشار إلى موضوع الذوق وحسن التقدير الناقد فيليب سيدنى فى كتابه "دفاع عن الشعر" شكا نفس الشكوى من الكتاب الذين تعد كل مسرحياتهم ليست مآسى صحيحة ولا كوميديات صحيحة، فهم يمزجون الملوك والمهرجين ليس الأمر يتطلب هذا لكنهم يدفعون المهرج عقلاً وجسداً لكى يقوم بدور فى المسائل الملكية دون مراعاة الذوق أو حسن التقدير".
إن سنشيو لم يكتف بالحديث عن قضية الذوق وحسن التقدير بل تعدى ذلك فى كتابه "حديث عن الكوميديا والتراجيديا" للتفريق بين الكوميديا والتراجيديا- كما فعل سيكاليجر فى التفريق بين الملحمة والمأساة والملهاة- معتمداً فى ذلك على مبدأ المحاكاة الذى تعتمد كلاهما عليه وتختلفان فى نفس الوقت. ذلك أن التراجيديا تعتمد على شخصيات "الملوك وعظيم الشأن، بينما الكوميديا تعتمد على الفعل المهذب المتعلق بعامة الشعب... ويشرح شنشيو رأى أرسطو قائلاً بأن الأفعال الرديئة هى التى تحاكيها الكوميديا وغيرها من الأفعال الشريرة والاجرامية. "ويضيف سنشيو بأن الأفعال التراجيدية عادة ما توصف بالعظمة والأهمية؛ لأنها تصدر عن أعلى طبقة فى المجتمع، وليس لأنها فاضلة أو شريرة وهكذا يربط سنشيو بين الانتماء الطبقى وبين الطبيعة التراجيدية والكوميدية. وقد استمر مثل هذا الربط فى الكلاسيكية الجديدة فى فرنسا فى القرن السابع عشر".
ج- الناقد الأدبى لودفيكوو كاستلفترو:
يعد كاستلفترو أحد أهم النقاد والمفكرين المجتهدين فى تاريخ النقد؛ نظراً لما أضافه وشرحه وفسره من آراء جاء بعضها متفقاً مع آراء أرسطو، بينما جاء كثير من آرائه مخالفاً لآراء أرسطو وكانت حجته فى الكثير من الاختلافات أن كتاب "فن الشعر" لأرسطو الذى ترجمه من اليونانية إلى اللاتينية لم يصل إلينا كاملاً بل إن بعض فقراته غير واضحة لدرجة أن كاستلفترو أكد أن كثيراً من أفكار أرسطو من خلال هذا الكتاب غير واضحة فى ذهن مبدعها الأول ولذا تعد هذه من بين الأسباب التى أسهمت بدورها وشجعت كاستلفترو على الإتيان بأفكار جديدة لم يقلها أرسطو صراحة.
وبالرغم من ذلك تعد شروحات كاستلفترو أفضل ما وصلنا من شراح ونقاد عصر النهضة ونقاد الكلاسيكية الجديدة فى القرن السابع عشر؛ ذلك أن كاستلفترو خالف جيله من النقاد بما نسبه إلى أرسطو أو خالفه فيه حتى إن أحد أهم النقاد المعاصرين وهو الناقد الأدبى اسبنجارن (1875-1939) يعلن صراحة فى كتابه "النقد الأدبى فى عصر النهضةإن آراء كاستلفترو جعلته "أقرب الشراح الإيطاليين إلى روح أرسطو"، لكن بعض النقاد يختلفون مع الرأى السابق ويرون فى آراء كاستلفترو واجتهاداته وشروحه ما أدى إلى "بلورة مبدأ أرسطى مزيف، أخذ يتحكم فى نقاد عصر الكلاسيكية الحديثة وكتابها تحكماً متعسفاً. وهو بهذا لم يكن فقط أول ناقد درامى يجعل من وحدة المكان قاعدة جبرية ملزمة، بل أول من ساعد على بلورة قانون الوحدات الثلاث الشهير فى صيغته النهائية" إن كاستلفترو سيعرض من خلال كتابه مجموعة من النقاط التى اختلف واتفق فيها مع أرسطو وعليه سأعرض بعضاً من هذه النقاط فى السطور التالية:
1- قضية الشعر والوحى:
إن اختلاف الآراء حول أهمية آراء كاستلفترو النقدية لم يقلل من مكانته النقدية التى إحتلها بين شراح أرسطو، ذلك أنه يعد الناقد الأوحد الذى "جرؤ على أن يكون مخالفاً لأرسطو، فهو الذى ترجم وفسر" فن الشعر" لأرسطو فى النصف الأخير من القرن السادس عشر. أكد استقلاله بإنكاره الجازم أن الشاعر ملهم بنفحة إثارة سماوية. وهو يقول: إن هذا الرأى تولد عن جهل السوقة وظل يعيش على المجد الزائف للشعراء أنفسهم ذلك أن كاستلفترو يعدو هذا الخطأ الذى وقع فيه أرسطو إلى أفلاطون وإلى العامة من الناس حيث أن أفلاطون لم يقصد إن الله قد اختار فئة معينة من الناس وألهمها عن طريق ربات الإلهام، بل إنه أراد أن يؤكد رفضه للشعراء ولعلنا نتذكر أنه طردهم من جمهوريته الفاضلة وأنه "إذ كان قد ذكر ذلك فى كتاباته، فإنما ذكره على سبيل التفكه والمزاح، وعلى سبيل ممالئة رأى الجماهير"
إن كاستلفترو حينما يتحدث عن أول نقطة فى كتابة "فن الشعر" الذى ترجمه عن أرسطو يعرض لقضية الشعر والوحى- التى سبق ذكرها- لكنه يؤكد أن الشاعر ليس ذلك الإنسان المختل الذى يختلط ويهيم على وجهه لكى يستطيع أن يقول الشعر، أى أن كاستلفترو وبعد أن عرض لرأى أرسطو فى أستاذه أفلاطون أدرك حقيقة ما أراده أرسطو من ملامح الشاعر المبدع وصفاته ذلك أنه يقول" إن كل من يعرف جيداً كيف يحول نفسه إلى شخص متوقد العاطفة، يعرف كيف ينظم الشعر بأنواعه. ولكن ليس كل إنسان قادراً على ذلك ولكنه فقط الرجل الذى يملك القدرة الإبداعية الواعية، والموهبة الخاصة لا الرجل الممسوس كما يقولون، لأن الممسوس يعجز عن أن يلبس حالات مختلفة من الشعورية، وأن يكون باحثاً مدققاً فى اختيار الأقوال والأفعال التى يمكن أن تصدر من هؤلاء المعرضين للدخول فى حالات من الإثارة الشعورية" ومن ثم نستطيع القول: إن كاستلفترو قد حسم القضية الأولى الخاصة بالشعر والوحى ووافق أرسطو الرأى.
2- الوحدات الثلاث:
إن قضية الوحدات الثلاث التى قال بها كاستلفترو تعد من أهم القواعد الكلاسيكية الجديدة التى طرحت على الساحة النقدية وأشهرها منذ عصر النهضة وصولاً إلى نهايات القرن السابع عشر حيث خالفها الكثير من الكتاب، بل إن بعضهم- شكسبير- لم يلتزم بهذه التعاليم فى بعض مسرحياته. حينما قرأ كاستلفترو كتاب "فن الشعر" لأرسطو وترجمه إلى اللاتينية سعى من وراء ذلك إلى وضع قوانين جديدة فى مجال الإبداع المسرحى معتمداً- كما سبق القول- على وجود ثغرات فى هذا الكتاب، لكنه أساء فهم أرسطو فى كثير من النواحى منها ما يتعلق بالوحدات الثلاث، حيث إن أرسطو أشار فى كتابه إلى وحدة الفعل (الحبكة) التى تتعلق ببطل واحد وقصد من وراء ذلك إعطاء الأهمية الأولى بين أفراد المسرحية للحبكة، لكنه لم يتحدث صراحة عن وحدتى الزمان والمكان إلا فيما يتعلق بضرورة التفريق بين فعل الملحمة وفعل المأساة من حيث الطول وحدد للمأساة دورة شمسية واحدة اعتمد الشراح فيما بعد على هذا التفسير وأصروا على ضرورة التزام الكتاب بوحدة الزمان ووحدة الفعل وضرورة التزام الكتاب بوحدة المكان طالما أن أرسطو يقر زمناً محدداً للمسرحية.
إن كاستلفترو حينما ربط -خطأ- بين زمن المأساة ومكان عرضها أضاف وحدة المكان إلى وحدة الزمان مع وجود وحدة الفعل (الحبكة) وبذلك "صاغ كاستفلترو مفهومه على أساس أولوية العرض المسرحى ورأى أن الأدب الدرامى (النص المسرحى) هو الذى يجب أن يخضع العرض ويتكيف معه فخشبة المسرح مكان محدود يعرض عليه فى فترة زمنية تراعى وجود المتفرجين فى القاعة" إذ لا يمكن أن نقنع المشاهد الذى يشاهد عرضاً مسرحياً تجاوز عرضه ساعات غير قليلة بأن الأيام والليالى تمر والمنظر المسرحى محدد بمدينة واحدة أو منزل واحد وعليه فلابد أن نراعى ألا يتحدد المنظر المسرحى بمنزل واحد أو مدينة واحدة ولعل كاستفلترو حينما حدد ذلك كما يرى دكتور إبراهيم حمادة كان مصيباً ذلك أنه "لكى تعطى المأساة تأثيرها الصحيح المتكامل يجب أن تمثل على خشبة المسرح، لأن قراءتها فحسب، ليست كافية لإعطاء كل إمكاناتها. وإذا كان ولابد للمأساة أن تعالج حدثاً وقع فى مكان محدد جداً وفى زمن محدد جداً أيضاً، فإن الحدث بدوره يجب أن يكون واحداً ومتعلقاً بفرد واحد"
إن كاستلفترو حينما ناقش هذه الوحدات وأقرها يكون قد وضع قوانين ظلت تسود الدراما الأوروبية طوال ما يزيد عن قرنين من الزمان، إلى أن تحرك كتاب الدراما ونقادها فى نهايات القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر، ليثور على هذه القوانين وبوصلنا إلى القرن التاسع عشر نكون قد تخلصنا من كثير من القواعد والقوانين التى قالها أرسطو أو شراحه أو حتى التى لم يقل بها أرسطو ونسبها شراحه إليه والتى أحدثت عند كثير من الكتاب والنقاد أخطاء كثيرة فى فهمها فقد وقع فى هذا الخطأ الكاتب والناقد الإنجليزى فيليب سدنى فى مقالته "دفاع عن الشعر، حيث اعتقد أن أرسطو هو مصدر وحدتى الزمان والمكان وليس كاستفلترو نفسه كما أن الناقد الانجليزى بن جونسون التزم فى كثير من مسرحياته بهاتين الوحدتين وإن خالف شكسبير الكثيرين ولم يلتزم بهذه الوحدات.
3- العلاقة بين النص والعرض المسرحى:
كثيراً ما يهاجم النقاد المعاصرون كتاب "فن الشعر" لأرسطو، لأنه لم يتطرق إلى قضايا العرض المسرحى وارتكز بشكل أساسى على النص الأدبى، وهو ما خالفه فيه كاستلفترو بأن تناول بالشرح الشروط التى لابد وأن تتوافر فى العرض المسرحى وعلاقة ذلك بالنص، إذ لا يمكن أن ينسى المؤلف المسرحى وهو يكتب خشبة المسرح وعليه فإنه "ينبغى أن تمثل الدراما وتجسد، وقد وضع كاستلفترو شروطاً يجب توافرها فى العرض المسرحى أهمها: المكان والمتفرج والزمان:-
1- يجب أن يكون المكان المسرحى فسيحاً ولكن بشكل يسمح للمتفرج بالمشاهدة والسمع الجيدين.
2- المتفرجين خليط من شرائح مختلفة تبحث عن المتعة والتسلية وعليه فإن الكاتب يحب أن يراعى عدم الغوص فى الموضوعات الصعبة أو الغامضة.
3- يجب أن يتحرك الممثلون على خشبة مرتفعة وضيقة ولهذا يجب أن تخلو الدراما من مشاهد العنف".
لقد تحقق الكثير من شروط كاستلفترو لتحقق النص المسرحى من قبل فى أثناء المباريات المسرحية التى كانت تقام فى مسارح ايفسوس 605 ، ابيداورس iWPOS وغيرهما من المسارح، إذ كان العرض المسرحى يتم على خشبة المسرح التى نحتت فى قلب الجبل وشكلت أماكن المشاهدين على شكل مدرجات وبالتالى تحقق الشرط الأول وهو أن يكون مكان العرض فسيحاً وأن يجلس المتفرج ليستمتع بالمشاهدة، أما عن السمع فقد أكدت الدراسات الدرامية الإغريقية المتخصصة" أن إشكالية السمع قد تحققت؛ إذ إن ميكانيزم الأوركسترا أو أماكن المشاهدين حقق خاصية السمع بشكل واضح بحيث إن المشاهد فى أعلى مدرج من مدرجات المشاهدين يستطيع أن يستمع لكل كلمة وهمسة من قبل المشاهدين" أما عن تحقق الشرط الثانى فهو متضمن فى سياق الحديث السابق إذ أن المؤلف يعلم جيداً اختلاف نوعية الجمهور المشاهد الذى يبحث عن المتعة والتسليه وأرى أنه قد تحقق، أما عن العنصر أو الشرط الثالث والمتعلق بضرورة خلو الدراما من مشاهد العنف فكلنا يعلم أن أوديب عندما أراد أن يفقأ عينيه خرج إلى الكواليس وأتم فعلته ولم تتم أمام المشاهدين.
إن ما جاء به كاستلفترو من شروط أرى أنها استنتاج وتحوير لما ترجمه عن أرسطو ذلك أننا وكما سبق الذكر ندرك جيداً أن جمهور المسرح الاغريقى قد عرف العرض المسرحى وكان يجلس طوال اليوم فى المدرجات، بل إن التمثيل والعرض المسرحى كان ذا مكانة تقترب من مكانة مجلس الشيوخ عندهم (Choas).
4- المعاناة عند البطل المأسوى:
يتحدث كاستلفترو عن معاناة البطل وأسباب هذه المعاناة، ويحددها فى سببين يحركان البطل المأسوى ليعمل:
1- إما لأنه يضطر إلى التورط فى قضية تتعلق بصالح وخير. أو ما يعتقد بأنه صالح وطيب.
2- أو أن يخوض أحداثاً تتعلق بشر أو ما يظن أنه شر.
وفى الحالة الأولى يتحرك البطل أمام دافعين:
أ- لكى يكتسب شيئاً طيباً لا يملكه(مثل تحقيق كليتمنسترا لرغباتها الجنسية مع ايجبستوس).
ب- ليحافظ على شىء طيب وقيم حصل عليه (لتحافظ على إيجبستوس الذى حصلت عليه اضطرت إلى قتل زوجها).
أما فى الحالة الثانية فيتحرك البطل أمام دافعين:
أ‌- لكى يهرب من شر سيحيق به فى المستقبل (مثل تحرك فيدرا لتقنع زوجها بقتل ابنه هيبوليتوس بعد أن خافت الفضيحة لرفضه لها فأبلغت زوجها أنه روادها عن نفسها).
ب‌- لكى يزيح شراً وقع فعلاً (وذلك عندما ذبحت ميديا) أولادها انتقاماً من زوجها الخائن جاسون.
وعليه نستطيع القول أن كاستلفترو هنا يحدد ويشرح أبعاد معاناة البطل المأسوى الذى قد تلم به مأساة وهو قد يستحق ذلك مثل عقاب كليمنسترا للبطل وقد لا يستحق ذلك مثلما حدثت لأوديب بقتله أبيه وزواجه من أمه دون علمه وهو لا يستحق ذلك.
5- المشابهــة:
(مشابهة الواقع كما أسماها سكاليجر- ومشاكلة الواقع كما أسماها بوالو)
تحدث كاستلفترو عن عنصر المشابهة ويقصد به حتمية أن تتشابه الأحداث التى تجرى فوق خشبة المسرح مع الواقع المعيشى، إذ لا يمكن أن تعتمد فى مشاهدة مواقف العنف أو القتل على حاسة السمع ونلغى حاسة البصر وهو بذلك يكون قد سبق عصره بقرون عدة وحقق ما تنادى به النظريات المعاصرة فى العرض المسرحى، إذ تعتمد على حاسة البصر وقدراته فى متابعة الحدث دون الاعتماد نهائياً على الكلمة أى على حاسة السمع، وبذلك "يعتقد كاستلفترو وهو فى ذلك متأثر بهوراس أن المنطق يقول بأننا نتأثر بالأشياء التى نراها بأعيننا ممثلة فوق خشبة المسرح، أكثر مما نسمعها بآذاننا ولهذا كان ينبغى على الشعراء الدراميين أن يعرضوا فوق الخشبة مشاهد القتل والعنف، باذلين جهدهم فى إثارة عاطفتى الخوف والشفقة فى نفوس النظارة، ولكنهم لا يعرضون ذلك أمام الجمهور، وإذا فعلوه فأنهم يلامون على ذلك لوماً شديداً".
إن كاستلفترو تأثر كثيراً بهوراس الذى أباح ظهور مشاهد العنف والتقل فوق خشبة المسرح وربما كان لهوراس العذر فى ذلك وقد عاش فى أروقة الحضارة الرومانية التى أباحت القتل والتلذذ به عن طريق مصارعة العبيد للأسود والوحوش الضارية من أجل تحقيق المتعة للمشاهدين من السادة والأمراء والحكام، أما عن اعتماد كاستلفترو على مشاهد العنف أكثر من سردها لتحقيق عاطفتى الخوف والشفقة فأرى أنه بعيد فى ذلك عن روح المأساة التى تهذب الناس وتطهرها وترتقى بها. وقد خالف المعاصرون كاستلفترو حتى مشاهد المزج بين الأمراء والبسطاء فكيف يسمح هو ببشاعة هذه المشاهد؟.
قدم لنا عصر النهضة عدداً من النقاد الذين ساهموا فى بلورة ملامح النظرية النقدية ومعاييرها فى عصر عجز السابقون عليه- أقصد نقاد مسرح العصور الوسطى فى تقديم أية معايير أو ملامح تميز الحركة النقدية. على أنه إذا كانت النظرية النقدية فى عصر النهضة" تميل لجانب التمسك بالقواعد أكثر مما تميل لجانب الإلهام فى الكتابة فالواجب علينا أن نتذكر أن معاصريم كانوا أكثر تعرضاً للخطأ من ناحية عدم تطبيقهم القواعد وليس من ناحية التعقل فى الكتابة لكنه بقطع النظر عما إذا كان تأثيرهم كان نافعاً أو ضاراً فإنهم قد نجحوا بإعجاب فى تحقيق شىء واحد. فلقد أرسوا النقد الأدبى باعتباره شكلاً مستقلاً من أشكال الأدب".

د- سير فيليب سيدنى (1554-1586)
Sir Philip Sidney
(النقد فى العصر الإليزابيثى)
اتفق النقاد والدارسون على أن تاريخ النقد الأدبى الذى ازدهر فى بلاد الإغريق والرومان فى المراحل الأولى منذ القرن الخامس قبل الميلاد قد تعثر بعض الوقت طوال مراحل العصور الوسطى التى غطت الفترة من القرن التاسع وصولاً إلى القرن الخامس عشر الميلادى، وبعدها انعشت الحركة النقدية مرة أخرى منذ القرن الخامس عشر أو قبل ذلك بقليل ممثلة فى محاولات دانتى الليجيرى وبوكاتشيو وصولاً إلى القرن السادس عشر، الذى سمى بعصر النهضة وإعادة انبعاث التراث الإغريقى والرومانى، وقد تبلورت الحركة النقدية فى إيطاليا وفرنسا ممثلة فى أسماء نقاد شاركوا طوال هذه المرحلة أمثال سكاليجر وكاستلفترو فى إيطاليا أما عن البدايات الحقيقية للنقد الأدبى الجاد فى انجلترا فقد تأخر نسبياً ولم تكمل ملامحه إلا فى عصر الملكة اليزابيث".
أما عن القرن السادس عشر. فقد اعتمد النقاد على قواعد وقوانين النقد الكلاسيكى التى بلورها الشراح فى عصر النهضة دون إغفال تراث القرون الوسطى، حيث تبلورت اهتمامات الشعراء فيما يتعلق بجانبى البلاغة والنحو وما سمى "بالريتوريكا"().
انصب اهتمام الشعراء والنقاد فى عصر النهضة بانجلترا على الشعر والشعراء وسعو إلى تحريره من سلطان الدين، وأصبح الشعر إلهاماً ينزل على الشاعر من فيض السماء وهم فى كل ذلك يعتمدون على كتاب "فن الشعر"لهوراس" وحجتهم التى يرجعون إليها فى تقييم النواحى الفنية فى الشعر، ومصدر جل أحكامهم الجمالية، وقد قبلوا هوراس وآمنوا بأن غاية الشعر ليست الفائدة أو المنفعة وحدها وإنما المنفعة والطرب معاً، وتأثر بعضهم مثل "سيدنى" بأقوال أرسطو، فكانوا يشيرون إليها غالباً فى كتاباتهم، وإن كانوا أنفسهم لم يقرؤا أرسطو، وإنما عرفوه عن طريق الشارحين والنقاد الإيطاليين . ولكننا سنكتشف أن نقاد عصر النهضة فى انجلترا فى أثناء حكم الملكة إليزابيث لم يلتزموا التزاماً حرفياً بالقوانين الكلاسيكية التى التزم بها بعض نقاد إيطاليا وإنما تميز نقاد انجلترا بأنهم يخضعون أحكامهم للتدقيق معتمدين على ما تمتعوا به من حرية الفكر، الأمر الذى يجعلهم لا يقيمون أحكامهم معتمدين على آراء أرسطو وحده أو أى من شراحها ومفسريها.
أعطى نقاد عصر النهضة فى انجلترا اهتماماً كبيراً لبعض القضايا الكلاسيكية التى تركها السابقون محاولين تفنيد بعض قضايا المسرح الكلاسيكى وقضية الأوزان الكلاسيكية وكان المعيار الوحيد الذى يطبقونه عادة هو "معيار الذوق السليم، فإذا ما دعا الناقد إلى اتباع نمط كلاسيكى قديم فانه يفعل ذلك؛ لأن هذا النمط فى عرفه يتفق والذوق السليم، وليس لأنه مجرد نمط خلقه الإغريق أو بالأحرى الرومان القدامى وهم فى ذلك يتفقون مع النقاد السابقين أمثال سنيثو، و "دى نورز" Denores، وجوزينى، وسومو Foustino Summo الذين أثاروا قضية الذوق التى سيتحدث عنه فيليب سيدنى أيضاً.
ترتب على عدم قبول نقاد إنجلترا آراء السابقين عليهم باعتبارها مسلمات إلى إدخال مفاهيم جديدة على وظائف الشعر والشعراء، حيث ترتب على قراءة الآداب الكلاسيكية القديمة أن أدخل هؤلاء النقاد مفهوماً جديداً للشعر يختلف عن هذا المفهوم التقليدى الذى ورث عن القرون الوسطى. وقد أدى ذلك إلى تضارب الآراء وغموض الأفكار فيم يتعلق بماهية الشعر ووظيفة الشاعر، وساعد على نشر الفوضى النقدية التى كثيراً ما كان يشكو منها الكتاب فى هذا العصر، وزاد من الاضطراب والفوضى هجوم المتزمتين فى الدين على الشعر، واعتبارهم إياه فناً خطيراً على الدين والأخلاق". وقد رد الكثير من نقاد عصر النهضة فى انجلترا أمثال فيليب سيدنى والناقد "بتنهام" الذين تصدوا للرد على هؤلاء المتزمتين وعلى رأسهم الكاتب "جونسون" الذى هاجم الشعر والشعراء فى عدة دراسات له.
تمحورت الدراسات التى تقدم بها المدافعين عن الشعر فى عصر النهضة بإنجلترا حول عدة نقاط أهمها:-
1- أن الشعر رمزى فى جوهره ويخفى وراء مظهره الجذاب حقائق خلقية وفلسفية وبذلك يصبح الشعر تعليمياً وهذا الرأى يعود للعصور الوسطى.
2- أن الشعر محاكاة وأن وظيفة المحاكاة هى توليد اللذة والمتعة وهو رأى يتضح فيه التأثر بآراء أرسطو.
3- أن الشعر ينشط ملكة الخلق عند الإنسان وهو رأى قاله فيليب سيدنى.
4- مشكلة الإلهام الشعرى: فبعد أن تراجعت فكرة أفلاطون القائلة بأن الإلهام ضرب من الجنون تولد الرأى الذى يقول بأن الشعر نوع من النشوة تساعد بدورها على تركيز الشاعر واستحضاره للشعر.
5- العلاقة بين القديم والجديد ونعنى بها دراسة ميراث الأقدمين سيمكن النقّاد والكتًاب من اقتفاء الأثر ومن ثم تصبح المحاكاة عوناً على عملية الخلق الأدبى التى يقوم بها الشاعر".
ترتب على إعداد طرح بعض الأفكار القديمة المأخوذة من السابقين أن نجح نقاد عصر النهضة فى انجلترا فى تقديم معانى جديدة تختلف عن غيرهم من المقلدين للميراث الأغريقى والرومانى تقليداً يصل إلى حد المحاكاة بالمعنى الساذج الذى أصبح موضع اهتمام كتّاب عصر النهضة فى إيطاليا اقصد تقليد الأعمال التى أبدعها كتّاب المسرح الأغريقى والرومانى، أما كتّاب عصر النهضة فى انجلترا ونقاده فقد نجحوا فى مخالفة هذا الرأى وأصبحت المحاكاة مثلا لغة قراءة تراث السابقين وتأمله للوصول إلى الوسائل التى يستطيع الكاتب أن يؤثر فى نفوس القرّاء.

الناقد الأدبى الإنجليزى فيليب سيدنى
(ناقد المسرح الإليزابيثى)

دافع سيدنى فى كتابه(دفاع عن الشعر) عن الآراء المتعصبة المتزمتة من رجال الدين المتشددين الذين كانوا يرون الشعر من وحى الشيطان وأنه يجب عليهم محاربته وقد انطلقت دعوى سيدنى لكى "يبرز مكانة الشعر الانجليزى بالإستناد إلى منطق حياة البشر قائلاً: إن الشعر لازم لكل بيئة إنسانية متبدية أو متحضرة وأنه سجل أمجاد السالفين وطرائفهم وأبقاها عبرة ماثلة للأجيال التى تلتها. وقسم مقاله إلى أربعة أجزاء:-
الجزء الأول: تحدث فيه عن قدم الشعر، كونه تراثاً إنسانياً شائعاً فى كل مكان.
الجزء الثانى: تحدث عن الخدمات التى أداها الشعر للإنسانية من ناحية تمجيد الحق وتنمية الأخلاق الكريمة وغرس الفضائل فى النفوس.
الجزء الثالث: تناول صميم موضوعه فأخذ يفند حجج معارضى فن الشعر حجة بعد أخرى ويقيم الدليل على عكسها مبيناً أن الشعر ليس من خصائصه الكذب.
الجزء الرابع والأخير: وصف الشعر فى انجلترا، وأبدى نصائح للأدباء المحدثين. ليؤدوا وظيفتهم أداءاً صالحاً يكفل لهم ذيوع شعرهم وتبوء المكانة اللائقة بهم.
إن سيدنى بذلك يكون قد حدد فى دفاعه عن الشعر بداية أهمية فن الشعر وأنه ارتبط ببدايات الإبداع الإنسانى منذ المسرح الإغريقى والرومانى، فكان محل تقدير من كل فئات الشعب كما أنه أوضح ما أداه الشعر لبنى الإنسانية حينما قدمت مسرحيات تغرس فى نفوس المشاهدين قيم الخير والفضيلة وتحارب قيم الشر والرذيلة، وبذلك يساعد الشعر على تهذيب النفوس وتربية الذوق لدى الناس ثم استمر سيدنى فى تنفيذ حجج المعارضين للشعر من العمليين الذين لا يقرونه. كما ناقش سيدنى آراء أفلاطون حيال الشعراء وطردهم من جمهوريته وأرجع الأسباب ليس إلى كون الشعراء يلهون بعقول الناس ونفوسهم، بل إن الشعر الردئ هو الذى يفسد حياة الناس حينما يفقدهم الشاعرية الحقة وهو بذلك يكون قد هدم وتجرأ على مناقضة آراء أفلاطون الذى وصلت مكانته فى عصر النهضة إلى مكانة القديسيين.
تحدث سيدنى فى مقالته الشهيرة "دفاع عن الشعر" عن قضية الذوق العام أو حسن التقدير وذلك حين أعاب المزج من قبل الشعراء بين المآسى والكوميديات فتصبح حينئذ خليطاً يجمع بين الملوك ومهرجيهم وهو نوع من الخلط تفقد فيه المسرحية – يقصد الـ Tragi – Comedy – قدرتها على "تحقيق الإعجاب والتعاطف أو التسلية الصحيحة "أو من الواضح أنه لم تكن التراجى- كوميدياً نوعاً صحيحاً بالنسبة لسيدنى شأنه فى ذلك شأن المحافظين الآخرين". أى أن سيدنى يرفض هذا المزج الذى قام به بعض الكتاب أمثال شكسبير الذى تجاهل مبدأ فصل الأنواع الذى قال به أرسطو ومزج بين التراجيديا والكوميديا. هذا من ناحية. من ناحية أخرى فقد رفض سيدنى أيضاً الكتاب الذين "انغمسوا كما انغمس شكسبير فى التيار الرومانسى. وهو يتحدث عن "مآسينا وملاهينا" فيلاحظ عبث مؤلفيها بالقواعد، وتجردها من التأدب الأمين، والشعر البارع".
إن دفاع سيدنى عن الشعر قصد من ورائه الهجوم على الكتاب المسرحيين الذين أهملوا قواعد السابقين دونما علم أو دراية، فهو يرى أن خلط الكتّاب بين الكوميديا والتراجيديا نوع من عدم الإحترام، كما أشار سيدنى إلى قضية الواقعى والمسرحى وأقصد بها ما قاله من قبل نقاد عصر النهضة فى إيطاليا أى المشابهة، إذ كيف يمكن للجمهور أن يشاهد عملاً مسرحياً لا يراعى المؤلف فيه إمكانية حدوث هذا الشىء فى الواقع لكنه من الصعب أن يحدث على خشبة المسرح فقد إزدحمت خشبة المسرح بأعداد من المشاهد تنقل المشاهد من حديقة بها ثلاثة أولاد يتنزهون ويبحثون عن الورد، وهذا يضطركم – أى المشاهدين- إلى اعتبار المسرح حديقة. بعدها بقليل تسمعون حديثاً عن حادثة غرق فى نفس المكان ويجب أن تقبلوه على أنه صخرة وإلا استحققتم اللوم الشديد".
إن سيدنى قصد من وراء ذلك ضرورة أن نفرق بين كوننا نقلد ونحاكى وبين كوننا نفهم لماذا يفعل الشاعر المسرحى ذلك حينما يكتب مسرحية بها العديد من المشاهد وتنتقل الأحداث بين أكثر من مكان دونما مبرر مقنع، يجعل حدوثها بهذا الأسلوب أمراً مستحيلاً، حتى ولو كان هذا المؤلف يخالف قواعد السابقين. إن سيدنى الذى تأثر فى كثير من أقواله عن الشعر وغايته بأرسطو مثل غيره من نقاد عصر النهضة- قد خالفه فى نواحى كثيرة وتحرر من الكثير من القواعد شأن النقاد الآخرين- الذين "كانوا يشيرون إلى أقواله فى كتاباتهم، وإن كانوا أنفسهم لم يقرءوا أرسطو، وإنما عرفوه عن طريق الشارحين والنقاد الإيطاليين، وعلى الرغم من هذا التأثر بالنقد والأدب الكلاسيكيين فإننا نستطيع أن نقول بصفة عامة: إن نقاد عصر النهضة بإنجلترا كانوا على قدر كبير من التحرر، فلم يقبلوا شيئاً على عواهنه، ولم يبنوا أحكامهم على أقوال ناقد قديم بالذات".
وسيدنى بذلك يؤكد فى دفاعه عن الشعر رفضه لتقليد السابقين دون تفنيد ودراية وفهم، وهنا نرى أن رسالة سيدنى ومقالته هذه تعد وثيقة هامة فى تاريخ النقد الإنجليزى أكدت بدورها ما سبق أن قاله الكثير من النقاد.
إن النقد فى عصر النهضة فى انجلترا قد أضاع وقتاً كبيراً فى مناقشة قضايا خاسرة أثبتت الدراسة بعد ذلك أنها أعاقت كثيراً فى تطور حركة المسرح الإنجليزى حتى أن بعض النقاد فى انجلترا طوال القرن السابع عشر وصولاً إلى القرن الثامن عشر بدأوا مهاجمة مقومات النقد الكلاسيكى حتى إذا وصلنا إلى نهاية القرن الثامن عشر وجدنا كل من "وردزورث" وكولردج يرفضون هذه القواعد الجامدة التى تسود عقلية العصر متأثرين فى ذلك بالتفكير الفرنسى الذى جلبه معه الملك تشارلز الأول بعد أن تزوج من أميرة فرنسية، عاد إلى وطنه وتولى عرش انجلترا وقد جلب معه الذوق الفرنسى فى كافة مناحى الحياة بما فى ذلك الفنون عامة والأدب والمسرح خاصة.
هـ- الناقد الانجليزى
بن جونسون (1572-1627)
يعد "بنجامين جونسون فى الأصل ممثلاً وشاعراً وكاتباً مسرحياً وناقداً انجليزياً كتب عدداً من المسرحيات أهمها مسرحية "كل إنسان وطبعه every Man in his Humor التى لاقت نجاحاً كبيراً عند عرضها على خشبة المسرح الانجليزى ومسرحية فلوبونى، والكيميائى وغيرهما.
وافق "بن جونسون" الناقد "سيدنى" فى كثير من الآراء الخاصة بكيفية التعامل مع قوانين الدراما وقواعدها وقد بلور هذه الآراء فى كتابه المسمى "اكتشافات"، Discovers، حيث تتضح ميوله نحو الكلاسيكية الحديثة فى مسرحيته "سيجانوس Sejanus" و كاثلين "Cathline، حيث كتب هاتين المسرحيتين "لمعارضة مسرحيات شكسبير الرومانسية" وربما يكون "بن جونسون" بذلك قد أكمل مشوار "سيدنى" و "دانيل" فى تكملته لهما إذ يعد "بن جونسون" امتدادا لهما وتكملة نظراً "لما تميز به من تحرر فى تناول الآداب القديمة والحديثة، وهو أول من استطاع أن يقول: "إن شعر "شكسبير" فيه الغث والسمين، على أنه كان فى الوقت نفسه متأثراً إلى حد بعيد بروح النظام الكلاسيكى، وذا ميل شديد إلى الأخذ بقواعد القدامى فى أحكامه النقدية على الآداب فى عصر الملكة اليزابيث".
إن "بن جونسون" يتحرك فى ثلاثية نقدية تكتمل بسيدنى ودانيل شأنه فى ذلك شأن بوالو ورايان ولى بوسية فى فرنسا طوال القرن السابع عشر وشأن دريدان وبوب ودكتور جونسون فى انجلترا فى القرنيين السابع عشر والثامن عشر، إذ يسعى بن جونسون من خلال مسرحياته إلى التركيز على الجوانب العقلية أكثر من الجوانب الوجدانية، وهو فى جميع مسرحياته يخاطب العقل، وهذا ما اكتشفه نقاده، إذ أدركوا أن مسرحياته تخاطب العقل أكثر من مخاطبتها للوجدان. كما أن الإلمام بالناحية الجمالية فى مسرحياته أمثال "فولوبنى" Volpone " والسيدة الصامتة "The Silent Woman" و "الكيماوى The Alchemist يحتاج إلى جهد وعناء للبحث عنها من وراء السطحية التى قد تبدو لنا بعد قراءتها على عجل".
لقد اقترب "جونسون كثيراً- كما سبق القول- من الواقعية أكثر من الرومانسية، لذلك وجد ضالته المنشودة فى الآداب الكلاسيكية- الاغريقية والرومانسية – لكنه لم يلتزم بها التزاماً حرفياً بل خالفها فى بعض النواحى. فهو قد خالف السابقين مثلاً فى الحبكات التى أدار بها مسرحياته؛ فهو لا يستخدم طريقة مألوفة"، بل يستخدم مهارة بنائية درامية هائلة، تمثلت فى استغنائه عن الحبكة. فهو لا يعالج أبداً حبكة فى مثل تعقيد حبكة تاجر البندقية، وليس فى خير مسرحياته ما يشبه مؤامرات ملهاة عصر رجوع الملكية Restoration drama وفى مسرحيته "سوق بارثولوميو" تكاد توجد حبكة. فأعجوبة المسرحية هى الفعل الحمائى السريع المحير للسوق، إنها السوق ذاته وليس أى شىء يحدث فى السوق وفى مسرحية "فولبونى" أو مسرحية" الكيميائى" أو مسرحية "المرأة الصامته" حبكة تكفى لابقاء الممثلين فى حالة حركة. إنه فعل أكثر مما هو حبكة، فالحبكة لا تربط أجزاء المسرحية وما يربط أجزاءها إنما هو وحدة إلهام تشع على الحبكة والشخوص سواء بسواء.
إن آراء "بن جونسون" النقدية وكتاباته المسرحية- مسرحياته- تعد ذات أهمية فى تاريخ النقد العالمى وفى تاريخ بلورة نظرية درامية يرى الكثير من النقاد أنه إذا كان "بن جونسون" قد عاش فى حياتنا المعاصرة فى القرن العشرين أو القرن الحادى والعشرين فإنه كان سيحتل مكانة لا تقل أهمية عن مكانة شكسبير، بل ربما نجح فى أن يحتل مكان الصدارة بين كتّاب المسرح المعاصر، ذلك أن شخصيات مسرحياته وأفكاره وحبكاته تدل كلها دلالة أكيدة على أن ما اتهم به "بن جونسون" من قبل بعض النقاد من أن أعماله سطحية هو أمر غير صحيح لأن السطح عند "جونسون" صلب – حقيقى- أنه توجد أعمال معاصرة له سطحية بمعنى انتقاص لا يمكن اضفاؤه على جونسون "فهو ما هو، وهو لا يدعى أنه شىء آخر ولكنه من الوعى والتعمد إلى الحد الذى يتعين علينا معه أن ننظر بعينين يقظتين إلى الكل قبل أن ندرك دلالة أى جزء إننا لا نستطيع أن ندعو عمل رجل سطحياً حينما يكون هذا العالم خلقاً لعالم، فإن الرجل لا يمكن أن يتهم بأنه يتناول على نحو سطحى العالم الذى خلقه هو نفسه، لأن السطحيات هنا هى عين العالم. إن شخصيات جونسون تتمشى مع منطق انفعالات عالمها وليست من خلق الوهم، فإن لها منطقاً خاصاً بها وهذا المنطق يجلو العالم الفعلى، لأنه يقدم لنا وجهة نظر جديدة نفحصه منها".
وعليه فإن موجه الرفض والقبول التى تتردد بين الفنية والأخرى دليل قاطع على عظم ما كتب وأبدع "بن جونسون" سواء فى مجال الدراسات النقدية، أو فى مجال المسرح وإن كان بعض النقاد يرون أنه "فشل" حينما هم باقتحام عالم التراجيديا، وحينئذ عرف جيداً بل أيقن أن ازدهار فنه منصب على الملهاه لهجائها المقذع وسخريتها الاجتماعية. وقد وضع نصب عينيه بعض المثل الأخلاقية، وتركز هجاؤه حول تلك الشخصيات التى تحيد عن هذه المثل، أما بقية شخوصه المسرحية فهم أناس لا حول لهم ولا قوة، يبدون لنا فى معظم الأحوال كلوحات باهتة لا حراك فيها، يعوزهم الطابع الدرامى أو القيمة المسرحية التى تزخر بها ملهاة موليير مثلاً".
إن الأجواء التى دارت فيها أحداث مسرحيات "بن جونسون" جعلتها ترتبط بأجواء معينة معظمها يدور فى أجواء المجتمع الانجليزى فى عصر الملكة اليزابيث وهو ما يجعلها تفشل إن غادرت هذه الأجواء وهو ما يرى فيه بعض النقاد قصوراً، بخلاف كوميديات شكسبير التى تستطيع أن تعيش وتقدم فى أى مكان نظراً لغنى أعمال شكسبير التى تتحقق فى أى زمان ومكان ولا ترتبط بزمنها أو مكانها الذى أبدعت فيه.
وبرغم كل الهجوم والرفض فى بعض الأحيان على نتاج "بن جونسون" فإننا لابد وإن نذكر له الفضل فى إنتاج غزير من الأدب والآراء النقدية التى أكدت دون شك أنه كان حريصاً على ضرورة الاعتراف بوجود أدب انجليزى جدير بالعناية والتقدير وقد كان هو نفسه من أكثر الأدباء إنتاجاً فى حينه، وأنه من ناحية أخرى كان متعصباً للقواعد القديمة، ويرى وجوب تطبيقها على الأدب الإنجليزى ليصل إلى حد الكمال وبهذا يمكن أن يقال إن "بن جونسون" هو الذى فتح الطريق أمام الكلاسيكية الجديدة التى بلورها "جون درايدن" فى أواخر القرن السابع عشر".


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تاريخ النقد ونظرياته في عصر النهضة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: