دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 نقاد الكلاسيكية الجديدة ( ملامح الحركة النقدية - التاريخ والنظرية )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: نقاد الكلاسيكية الجديدة ( ملامح الحركة النقدية - التاريخ والنظرية )   الجمعة أبريل 08, 2011 12:32 am

نقاد الكلاسيكية الجديدة
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
=========================
عند الحديث عن فترة النيوكلاسيكى Neo-Classic فإن ما يلفت الانتباه فى بداية الحديث عن هذه الفترة أن حركة النقد لم تتوقف لتصنع حاجزاً أو سداً بين الفترة السابقة- أقصد عصر النهضة – والفترة الحالية- أقصد الكلاسكية الجديدة- ذلك أن إعادة انبعاث ميراث الإغريق والرومان كان قد بدأ منذ نهاية القرن الخامس عشر واستمر الاهتمام بهذا الميراث وصولاً إلى القرن السابع عشر ومحاولة بلورة نظرية جديدة تتفق فى بعض جوانبها مع النظرية النقدية لعصر النهضة وتختلف معها فى بعض النقاط.
ارتبط النقد فى عصر النهضة بظروف المجتمع خاصة الجوانب الاجتماعية حيث راع كتّاب الدراما ومن ثم النقد للتطورات والتغيرات التى أصابت بنية المجتمع ممثلة فى الثورة – 1648- التى شهدتها انجلترا فى القرن السابع عشر حينما فقد الملك شارل رأسه على المشنقة واهتزت أرجاء انجلترا أمام الأفكار الجديدة التى أصبحت تظهر على الساحة الاجتماعية والسياسية.
ترتب على ذلك أن حرم رجال البرلمان الإنجليزى- بإيعاز من رجال الكومنولث المشكلين للنظام الجديد هناك من المسرح تحت وطأة أن المسرح السائد فى انجلترا فى ذلك الوقت ارتبط بالأدب الذى كان يباعد بين ما سعى إلى تحقيقه الشعب الإنجليزى فى ضرورة بناء أرض الميعاد، وبين النقد أيضاً الذى لم يجد من يتحمس له من رجال الكومنولث لثقتهم أنه لا يختلف كثيراً عن المسرح.



ما قبل الكلاسيكية الجديدة
نادى "جون ميلتون"()(1608-1674) الموالى للبرلمان فى ذلك الوقت بضرورة أن تتحقق الحرية، لكنها الحرية تجاه كل ما يخص الحكام، ليست الحرية لكل أبناء المجتمع، مما أوضح زيف دعوته.
انطلقت دعات ميلتون النقدية من إعادته لأقوال النقاد القدامى خاصة ما يتفق منها مع أفكار رجال البرلمان فهو قد نادى بضرورة أن تتغير وظيفة الشاعر بالمعنى القديم، وأن يستخدم الشاعر مواهبه لكى يحفز الأعداد الكبيرة من الناس ويحرك فيها بذور الفضيلة والرقة العامة لتهدئة اضطرابات العقل... وأن يتغنى بالمعاناة السامية للشهداء والقديسين وأعمال الأمم العادلة الآخذة بسبيل الدين وانتصاراتها وهى تناضل فى استبسال بوحى من إيمانها ضد أعداء المسيح، وأن ينعى النكسات العامة للممالك والدول بالنسبة للعدالة والولاء الحقيقى لله.
وهكذا حوّل ميلتون الأدب سواء الشعر أو المسرح عامة إلى وسيلة وأداة ترويج لأفكار معينة دون أن يهتم ببلورة جوانب الإبداع فى ذك الوقت برغم اطلاعه على الكثير من الآراء النقدية التى كانت موجودة وتخص السابقين من النقاد القدامى خاصة ما يتعلق منها بنقاء الأسلوب وبناء الحبكة واستعمال السجع وربط أحداث المسرحية بما يعتقد أنه حقيقى بالنسبة لعامة الناس.
إن "جون ميلتون" وضع الإنجيل مصدراً للوحى مثلما فعل السابقون من الكتّاب والنقاد عندما جعلوا الأدب الكلاسيكى نموذجاً يحتذوه فى إبداعاتهم، وهكذا عاد ميلتون مرة أخرى إلى الدين ينهل منه مضامين إبداعاته فما أغنية سليمان إلا "دراما رعوية" و "سفر الرؤيا" للقديس جون هى مأساة راقية سامية، وهكذا. وعندما اهتم بكتابة ملحمة عن الملك آرثر فما ذلك إلا لأنه جعل منه نموذجاً للبطل المسيحى "وليس لأنه كان مكتملاً من ناحية الفضائل الأثنتى عشرة الأخلاقية الخاصة حسب تقسيم أرسطو، أو أنه بتصويره يستطيع أن يكون نموذجاً للشخص المهذب أو النبيل من ناحية الفضائل والنظام الرقيق" وهكذا ابتعد ميلتون عن مضامين الأدب الكلاسيكى؛ ليعود إلى الإنجيل متجاهلاً ما طرحه السابقون من قضايا مثل الذوق- أى حسن التقدير- أو قضية خلط الأنواع التى لم يطرحها مثلما طرحها سابقوه فى عصر النهضة، ذلك أنه لم يدع من وراء دراماته ألا يصبح الملوك قساة؛ لأنه رفض الملوك وسعى هو غيره من كتاب هذه المرحلة- إلى الهجوم على هذه الطبقة، أى أن هذه المسرحيات قصدت "الاستهزاء من طبقة زائلة من الناس، فالتيار الثقافى للعصر كان قوياً والصراع الاجتماعى كان عميقاً إلى حد أن السخرية التى تضمنتها هذه المسرحيات لم تكن سوى تعبير عن الأمر الواقع. هذه السخرية كانت تقطع عميقاً تحت السطح وتكشف عن أخلاقيات ذك العهد.
وهكذا نستطيع القول: إن ميلتون عرض لعدة قضايا خاصة بوظيفة العشر: أولها قضية الذوق الذى ربطه دائماً بالمقصد الأخلاقى والجمالى ولم يستخدمها بمفهومها الطبقى كما فعل غيره من النقاد والكتّاب السابقين، كما عرض قضية خلط الأنواع- كما سبق الذكر- لكنه قصد من ورائها مقصداً آخر غير الذى قصده كتاب أو نقاد عصر النهضة وعن وظيفته الشعر، حيث ركّز على الوظيفة السياسية للشعر وما يمكن أن يحدثه من تحقيق رغبات الحكام، إذ إنه كان مهتماً بالشعر والكومنولث لذلك سعى إلى إسداء النصح إلى الحكام عن الوظيفة السياسية للشعر، "فهو يتفق معهم فى إدانتهم لـ "مدعى الشعر الجهلاء الداعرين" لكنه ينبههم إلى أن الشعر ضرورى لروح الإنسان. وما يجب الحكام أن يفعلوه هو أن يشجعوا نوع الشعر الذى يرغبونه".
مقدمة حول مبادئ
الكلاسيكية الجديدة النقدية
إن مصطلح الكلاسيكية الجديدة الذى أطلق فى فرنسا فى القرن السابع عشر هو مجموعة من النظريات والمبادئ لا يمكن أن ننسبها إلى ناقد بعينه؛ إذ أن القرن السابع عشر شهد تراجع فكرة الفردية. كما أن نقاد الكلاسيكية الجديدة لم يحاولوا "إزاحة أسلوب سائد لا يوافقون عليه أو شكل احياء الكلاسيكية الأكاديمية للقرن المنصرم. فالقواعد التى يجرى إقامتها على أساس مفترض من نظريات أرسطو كان ينظر إليها بإخلاص على أنها الطريق إلى إنتاج دراما متمدينة يمكن أن تقبل باعتبارها معادلاً حديثاً مقبولاً للكلاسيكيات.
ومن ثم فإن تعرفنا بالقواعد والمعايير التى أطلقها نقاد الكلاسيكية الجديدة فى فرنسا كان لها – أولاً تأثير كبير على نقاد آخرين فى انجلترا أمثال دريدان والكسندر بوب وتوماس ريمر، لكننا لا نستطيع أن ننسب هذه الكلاسيكية الجديدة إلى كاتب بعينه خاصة بوالو الذى تصادفت مطابقة آرائه لمعتقدات الكلاسيكية الجديدة، حيث إنه استطاع أن "يعبر عن الاتجاه الجديد أفضل مما عبر عنه أى شخص قبله وبطريقة سليمة بحيث لم تكن هناك حاجة لإعادة هذا
إن كتّاب "فن الشعر" لبوالو الذى طبع فى فرنسا عام 1674 إنما يعد من أشهر الأعمال النقدية التى كتبت لكننا لابد وأن نتعرف بداية بمجموعة الآراء والنظريات النقدية التى طرحت فى هذا العصر ولم يقل بها ناقد بعينه بل- وكما سبق القول- مجموعة من النقاد.
تبلورت مجموعة المبادئ والنظريات فى شكلها العام وتمحورت حول تغليب النزعة العقلية أكثر من العاطفة والخيال، وهذا الرأى لا يعد جديداً، بل وجدناه يطرح على الساحة النقدية قبل القرن السابع عشر ممثلاً فى آراء "بن جونسون" – كما ذكر- الذى نادى بالتركيز على الجوانب العقلية أكثر من الجوانب الوجدانية، ووجدناه فى جميع مسرحياته يخاطب العقل مما دفع بعض معاصريه من النقاد إلى اتهامه بالسطحية.
على أن بعض الشرّاح لآراء الكلاسيكية الجديدة قد أوضحوا أن هذا كان يراد به الشعر أولاً لكننا لابد وأن نفهم أن "الشعر فى مفهوم هذا العصر كان يعنى به الفن التمثيلى" دراما" كما كان يقول أرسطوالذى وصف كتّاب المسرح الإغريقى بشعراء المآسى. هذا من ناحية.
من ناحية ثانية فإن كتّاب المسرح سعوا من خلال مسرحياتهم إلى مهاجمة عيوب المجتمع عامة، وهو ما دفع بعضهم إلى التركيز ليس فقط على عيوب الفرد، وأخطائه، بل على فئات المجتمع، والدارس لنصوص هذه المرحلة يكتشف فى شعر مسرحياتهم انتشار الشعر الهجائى كما يمثل هذا الاتجاه الكثير من نصوص كتّاب المسرح أمثال كورنى وموليير، حيث تبلور المبدأ الثانى من مبادئ الكلاسيكية الجديدة فى فرنسا وهو دراسة إنسان هذا المجتمع من منطلق أنه مجموعة من الصفات والأخلاق التى تنعكس بطبيعة الحال على المجتمع.
ترتب على المبدأ السابق أن تراجعت فكرة تركيز الكاتب المسرحى فى مسرحياته على الطبيعة ووصف أحاسيسه ومشاعره الخاصة، بل اعتبر المسرح وسيلة للتعبير عن الإنسان بشكل عام إنسان هذا العصر فى أسلوب موضوعى بعيداً عن انغلاق المؤلف على ذاته. وفى ظل سيادة هذا المفهوم أصبح من الطبيعى أن يرتبط هذا الاتجاه الذى يركز على إنسان هذا العصر ومشاكله ومحاولة الهجوم على كل عيوب المجتمع، سعيهم- أى الكتّاب- إلى محاكاة النموذج الأغريقى والرومانى اللذين كتب لهما الخلود ودام كل هذه السنين، فمن يود من الكتّاب الوصول إلى قمة النضج ويحقق النجاح فعليه أن يحاكى النموذجين السابقين وينشدهما على أساس أنهما المثل الأعلى.
من منطلق هذا المبدأ السابق أصبح مفهوم الأدب "فن وحرفة، ويقاس قدره لا على أنه تعبير شخصى، ولا على أنه أداة لإثارة المشاعر، ولكن يقاس بأنه عمل فنى يتميز بإتقان الصنع وفق قواعد مشتقة من الأعمال الأدبية القديمة التى كانت تعتبر مثلاً علياً، ويقاس أيضاً بمقدار ما يحقق من أغراض أدبية". وقد ترتب على ذلك أننا سنواجه فيما بعد بموجة من النتاج المسرحى الذى يعتمد على الإتقان والصنعة والذى تبلور فى مصطلح انطلق من فرنسا وهو الـ Well Made Play أى المسرحية جيدة الصنع الذى ارتبط بالكاتب الفرنسى غزير الإنتاج "يوجين سكريب" الذى عاش فى نهايات القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر (1791-1861) وساردو الذى عاش فى فترة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين 1908، الذى يعد الداعية الأول لهذا النوع من المسرحيات الذى يعتمد على جودة الصنعة أكثر من أى شىء آخر الأمر الذى جعل بعض الكتّاب يصلون فى إنتاجهم إلى ما تخطى الخمسمائة مسرحية.
إن من بين النظريات والمبادئ التى بلورتها الكلاسيكية الجديدة ما يتعلق بمبدأ فصل الأنواع الذى قال به أرسطو من قبل وشغل معظم كتاب المسرح ونقاده طوال هذه السنين السابقة فقد تبلور مبدأ يرى أن "الأدب أنواع يجب التمييز بينها بوضوح وذلك برصد المميزات الخاصة بكل منها دون خلط بينها. فللمأساة قواعد، وللملهاة قواعد، ولا يجوز الجمع بين مأساة وملهاة فى مسرحية واحدة. إن هذا المبدأ يؤكد بشكل قاطع تقليد كتّاب هذه المرحلة ونقادها ومحاكمتهم لأرسطو دون الاهتمام بقضية الإبداع والخلق، بمعنى أنهم ألزموا أنفسهم محاكاة مثل هذه المبدأ الذى ستثبت الدراسات فيما بعد عدم صحته.
وقد استطاع شكسبير رغم ذلك مخالفة هذا الرأى من قبل وأبدع أعمالاً مسرحية مزجت بين المأساة والملهاة وكأنه ينجح فى استباق الأحداث ويقر ما يراه النقاد المعاصرين فى منطقية أن تجمع المسرحية بين جانبى المأساة والمهاة، كما نرى فى الحياة الشخصية تجمع ما بين جانبى الخير والشر والفرح والحزن، وكذا مواقف الحياة، لذا من الطبيعى أن تجمع المسرحية بين المأساة الملهاة.
أما المبدأ الذى تحقق واهتم به نقاد الكلاسيكية الجديدة فهو ما أسماه أرسطو بالمحاكاة Mimesis" أو بتعبير أدق "التمثيل وكان أرسطو يعنى بذلك تمثيل الطبيعة تمثيلاً ينتج أثراً أخلاقياً خيراً فى عقل المستمع أو القارىء" . وبذلك نجد أن نقاد الكلاسيكية الجديدة يطرحون كثيراً من الآراء المستمدة مباشرة من أرسطو ويعدونها مبادئ ونظريات ملزمة للكتّاب لابد من اتباعها وقد وجدنا الكثيرين من الكتاب فى القرن السابع عشر فى فرنسا خاصة يتمسكون بهذه القواعد والمبادئ لكن بعضهم قد خالفها ولقد ترتب على هذا الخلاف بين أنصار القديم والحديث أن أنتج الكتاب الكثير من الإبداعات أكدت جميعها أننا نعيش فى عصر يتمتع فيه المبدع بقدر كبير من الحرية وهو ما أكده المحدثون فى هذه المرحلة ورأوا أن الأديب لابد وأن يتطور ويتطور معه أدب طالما أن البشرية كلها فى تطور مستمر، من ثم فلابد أن يمنح الأديب الحرية فى تعامله مع مبادئ السابقين، وهو ما جعل الفريقين يكتبان ويختلفان ويبدع أحدهما ويقلد الآخر، لكنهما أظهرا قدراً كبيراً من التعلق بالثقافة اليونانية الرومانية، واحترامهما لهما، وكل الفرق بينهما يظهر فى درجة الالتزام والخضوع".
الناقد الفرنسى بوالو (1636-1711)
" Boileau"
نجح الناقد نيكولا- بوالو ديبرويوه فى مهاجمة الشعراء الفاسدين أمثال شابلان (). وبرادون، وسكوديرى، وكونان واتهم الكثير منهم بسعيهم إلى تحقيق الكسب ناسين تحقيق المجد بإبداع قصائد شعرية ومسرحيات تحقق لمبدعيها المجد وفى ذلك يقول:-
على الأبيات ألا تكون شغلكم الخالد

كونوا الصداقات.. كونوا رجال إيمان

لا يكفى أن يكون المرء لطيفاً ساحراً فى كتاب

لابد من أن يعرف أيضاً كيف يحيا ويتحدث

اعملوا من أجل المجد، لا ينبغى أن يكون

الكسب الزهيد ابداً هدف الكاتب المرموق

اعلم أن العقل النبيل يستطيع أن يستخرج

من عمله جزاء مشروعاً، بلا خجل أو جرم

لكن، لا يمكن ان أحتمل هؤلاء المؤلفين المشهورين

المشمئزين من المجد، المتعطشين إلى المال

الذين يرهنون إله الفن "ابولو" عند بائع الكتب

ويجعلون من الفن المقدس مهنة للارتزاق.

هكذا جاءت هذه التعليقات والشروحات فى كتاب "فن الشعر" لبوالو، التى وافقت – كما سبق القول- اتجاه العصر إلى إحياء تراث الكلاسيكين القدامى معتمدة فى ذلك على آراء أرسطو خاصة. هذا من ناحية.
من ناحية ثانية فقد أحيا "بوالو" بعض الآراء التى قال بها نقاد عصر النهضة مثل قضية "الحس السليم" Common Sense أى الذوق أو حسن التقدير، ولقد أصبح هذا المصطلح المثل الأعلى لمبدعى هذا العصر "فبوالو" "يريد أن يُعلم الشاعر أن يكتب وفقاً لقواعد العقل، ويمكن أن نشاهد هذا بسهولة عندما يكتب الكلمات الدالة فى الجزء التالى بحروف متميزة:
مهما كانت كتابتكم سارة أو رفيعة،

دعّ الحس، السليم، يصحب نظمك دائما،

يبدو كذباً تعارضهما معاً،

النظم يجب أن يقوم على قواعد "العقل"

وعندما تتغلب على هذا فإنك تتمكن من قدرتك،

سوف ينتصر العقل خلال العمل النبيل،

وسوف تخضع سريعاً لسطوة "العقل"،

الذى بعيداً عن الإيذاء سوف يخضع قداستها،

لكن إذا أهمل فسوف يضل فى بساطة،

وتتحكم فى "العقل" الذى يجب أن تطيعه.

أحببت "العقل" إذاً، وليكن كل ما تكتب

ينقل عنه جماله وقوته ولمعانه".


وهكذا يحدثنا "بوالو" عن ضرورة أن يعمل المبدع وفقاً لقواعد العقل؛ ليستطيع أن يدرك الحس السليم فى كل ما يبدع وهو يسعى لتحقيق ذلك عن طريق البعد عن الإطناب والتكرار وينصحه بضرورة أن يعمل عقله فى الطبيعة وهو أحد المبادئ التى نادت بها الكلاسيكية الجديدة بشكل عام وحددت للطبيعة مساراً تمثل فى ضرورة أن يعنى الكاتب بالطبيعة الخارجية المتمثلة فى الجبال والبحار والأنهار والأشجار والزهور، كما عليه أن يركز على الطبيعة الداخلية التى تتمثل فى المشاعر الداخلية للإنسان من حب وكره ورضا، كل هذا يمكن الشاعر من تحقيق مبدأ "الحس السليم" كما أقر بوالو مبدأ المعقولية ومشاكلة الواقع وهو يقابل نظرية المحاكاة التى وضعها أرسطو، وأن كان الكلاسيكون قد خالفوا التقسيم الذى وضعه أرسطو معتمدين فى ذلك على ضرورة أن يراعى المؤلف معقولية ما يعرضه علينا من أحداث".
نادى "بوالو" بضرورة التمسك بميراث كتّاب المسرح الأغريقى والرومانى نظراً لأنهم نجحوا فى تحقيق الخلود لأعمالهم إذ أننا لا نزال منشغلين بإبداعاتهم نقرأها، نشاهدها، وبذلك علينا أن نعطى إهتماما لهذه الأعمال، لأنها خير الابداعات التى مثلت الطبيعة بشكل صادق، وأن من يتجاهلها من الشعراء سوف يعرض نفسه للسخرية من جمهور المشاهد.
إن "بوالو" حين قصد التمسك بميراث القدماء فإنه يعنى التمسك بقوانين الكتابة الكلاسيكية كلها ولم يقصد التركيز على نوع واحد من الشعر، فهو يقدم كل أنواع الشعر وقواعده، قواعد الشعر، الرثاء والسونتات واللوذعيات والأناشيد والهجاء والدراما، فكل الأنواع المتفق عليها ذكرت هنا، ولا يتردد بوالو فى إخبار الشاعر كيف يكتب كل سطر. وهو يعطى قواعد الفاصلة Caesura والهايتيس Hiatus"()، ويقول متى تستخدم الكلمات التى تنتهى بحرف متحرك ومتى لا تستخدم وكل هذه الأمور إنما قصدت لكى تجعل النظم واضحاً والاتصال سهلاً".
إن ما سبق ذكره عند "بوالو" من قواعد خاصة بتكنيك الكتابة قد اكتملت بعد أن دعا كتّاب المسرح إلى ضرورة الالتزام والمحافظة على الوحدات الثلاث ورأى أنها هامة للمشاهد وإن فشل الكاتب فإن المشاهد سوف يكتشف ذلك وستتوقف المسرحية فى أثناء عرضها.
هناك واحد ممن يعرضون الشعر فيما وراء البرانس

يطوى السنيين بلا مخاطرة، فى يوم واحد على خشبة المسرح

وغالبا ما نرى البطل عنده، فى عرض فقط،

طفلاً فى الفصل الأول، وشيخاً فى الأخير،

لكن نحن الذين يحثهم العقل على اتباع قوانينه،

نريد أن تترفق الأحداث بنفسها، بطريقة فنية،

فيظل المسرح أهلاً حتى النهاية، بفضل حدث واحد،

يدور فى مكان واحد، ويستغرق يوماً واحداً.

لا تقدموا أبداً للمتفرج شيئاً لا يصدق!

فالحق قد يكون أحياناً غير مشابه للحقيقة".

وهكذا يؤكد "بوالو" على قضية الوحدات الثلاث ويرى فى ضرورة أن يلتزم الكاتب هذه الوحدات- وحدة الزمان- وحدة المكان- وحدة الموضوع- وأن قدرة الكاتب على تحقيق ذلك هى التى تمكن المشاهد من البقاء فى مقعده يتابع المسرحية دون تملل وهو قانع أن المتفرج سيقتنع بما يقدم إليه وأنه قد يشاهد أشياء غير مطابقة ومشابهة للواقع، لكنه من منطلق مشاهدته عملاً مسرحياً يعتمد على المحاكاة والتكييف ومراعاة الحس السليم سيتصل هذا العمل، كما أنه يراعى فى أحداث مسرحياته وأسماء شخصياته ما يجعل المشاهد يستحضر عظمة القدماء- هنا يدرك الكاتب العبقرية التى قالها "بوالو" وأيقن أنها "لا يمكن أن تلقن".
إن "بوالو" سعى من خلال كتابة "فن الشعر" ومن خلال قصيدته التى صاغها متأثراً فى كتابتها بالشعر التعليمى، إلى صياغة مجموعة من الأفكار "يمكن أن تكون معايير ثابتة فى الأدب، وتتحقق هذه المعايير بالتزام القواعد التى وضعها القدامى لمجرد كونهم قدامى، ولكن لأن القواعد التى وضعوها تتمشى مع العقل وتتلاءم مع الطبيعة".
إن هذه القواعد التى قالها "بوالو" تذكر بقواعد شراح أرسطو الذين وضعوا مجموعة من القوانين والمبادئ نادوا بضرورة أن يلتزم بها كتاب المسرح، لكننا نجد بعض جوانب الاختلاف بين ما قاله نقاد عصر النهضة وبين ما قاله "بوالو"؛ ذلك أن نقاد عصر النهضة قالوا: إن على الكاتب أن يفعل ذلك "لأن القدماء فعلوه، ويقول "بوالو" أفعل هذا الحس السليم والعقل يتطلبه، إن الدعوة إلى "اتباع القدماء" التى نادى بها عصر النهضة سمحت للشاعر بقدر من الحرية لا يوجد عند "بوالو" واتبع القدماء – كذلك- لأنهم اتبعوا قواعد الذوق السليم".
وهكذا نصل إلى حقيقة هامة مؤداها أن نقاد عصر النهضة قد سمحوا للكاتب بقدر من الحرية لم يتحقق بعد عند "بوالو" الذى لم يسمح لكتابه بهذا القدر من الحرية وهو ما يتناقض مع مبدأ الحرية الذى أصبح السمة المميزة لهذا العصر.
الناقد الانجليزى درايدن
(1631-1700) Dryden
عاش درايدن سبعين عاماً مارس خلال نصف قرن من الزمان مهنة الأدب كاتباً، وشاعراً وناقداً أدبياً غزير الانتاج استحق بعدها أن يلقب- طبقاً لرأى الدكتور جونسون- أبا النقد الأدبى الانجليزى، استطاع أن يؤسس مبادئ الكلاسيكية الجديدة التى سادت الأدب الانجليزى من منذ سنة 1660 وحتى أوائل القرن التاسع عشر، ويرسيها ولا نستطيع أن ننسى دوره الذى مهد به لقدوم نقاد هامين من نقاد القرن الثامن عشر احتلوا مكانة كبيرة فى تاريخ النقد الأدبى الانجليزى منهم الدكتور صمويل جونسون.
كتب دريدان أعماله المسرحية التى ضمنها الكثير من الآراء النقدية "واستهل كل مأساة أو ملهاة يخرجها بمقدمة نقدية يعرض فيها لطريقة إخراجه هذه الملهاة أو تلك المأساة ويوضح القواعد الفنية التى بنى عليها".. وهكذا نستطيع القول "إن درايدن أقام مجمل الآراء النقدية التى ضمتها هذه المقدمات بغرض تعريف القراء والمشاهدين برأيه فى بعض القضايا الفنية وهو ما يذكرنا ببرناردشو الذى ضمن مسرحياته مقدمات اشتملت على بعض القضايا الفنية والقضايا الأخرى الحياتية ذات الصبغة السياسية، أو الاجتماعية، أو القانونية.
وهنا فإن دريدان يبلور من خلال هذه المقدمات مجمل رأيه الذى يجعله من النقاد "المحدثين" المعتدلين، فهو أولاً لم يكتب باعتباره أديباً شاعراً، وثانياً لم يكتب باعتباره مدافعاً عن فن محدد على نحو ما فعل كتّاب القرن السادس عشر فى دفاعهم عن فن الشعر، ووقوفهم فى وجه معارضيه، فهو دائماً فى نقده يحترم الأسلاف ولا يدخل من التجديد إلا ما تقضى به ضرورة إرضاء جمهوره، واستمالة قرائه، وكسب إعجابهم به". وبذلك فإن درايدن لم يهاجم آراء النقاد السابقين خاصة آراء أرسطو وهوارس أو حتى شّراح عصر النهضة، بل إنه سجل إحدى ملحوظاته على غلاف كتاب من تأليف توماس ريمير يقول فيه "لا يمكن أن يكون أرسطو قال ذلك؛ لأن أرسطو استمد نماذج التراجيديا عنده من سوفوكليس ويوريديس، ولو كان قد شاهد تراجيدياتنا الحالية لكان من الجائز أن يغير رأيه "وعليه نستطيع القول: إن درايدن بذلك لا يرفض هذه الآراء ولا يقرها بشكل آلى عقيم، بل إنه يحدد أن قيمة هذه الآراء تصلح لوقتها وليس هناك ما يجبر الناقد على اتباعها وتطبيقها بشكل آلى.
إن منهج درايدن وطريقة تفكيره ساهمتا فى تشكيل مدرسة الكلاسيكية الجديدة فى الأدب فى انجلترا، حيث كتب بعد عودة الملكية فى مرحلة عانى فيها الذوق الانجليزى التأثر بالذوق الفرنسى خلال فترة طويلة عاش فيها الملك شارل الثانى وحاشيته فى فرنسا وشاهدوا أعمال كتّاب المسرح الفرنسى خاصة "كورنى" ومعاصريه، لذلك كان من الطبيعى أن يتذوق هؤلاء المسرح الفرنسى ويحتاجوا مشاهدة مثيله فى انجلترا بعد عودتهم وهذا ما خلق فريقاً من المحافظين على ميراث شكسبير وزملائه من كتاب عصر النهضة، وفريق آخر من المجددين الذين سعوا، إلى محاكاة المسرح الفرنسى.
إن المناخ الذى ساد انجلترا بعد عودة الملكية وانتشار مرض الطاعون 1665 وإغلاق المسارح لأبوابها وهجرة سكان لندن إلى الضواحى، كل ذلك مهد السبيل لكاتب ناشىء هو "دراين" الذى كان قد مارس الكتابة المسرحية قبل ذلك بقليل، لكنه لم يحقق نجاحاً بمسرحياته التى قدمها، كل هذا دفعه إلى محاولة إرضاء جمهور المشاهدين. وقد تحقق له ذلك بضرورة التفكير فى مبادئ جديدة تحكم العملية الإبداعية، فجاء مقاله "فى الشعر المسرحى" يحمل رسالة هامة إلى كتّاب المسرح الانجليزى فى أواخر القرن السابع عشر ونقاده يستمر أثرها طوال القرن الثامن عشر، بل يظل أثرها موجوداً حتى القرن التاسع عشر.
عرض درايدن لقضية الوحدات الثلاث وأشار إلى عدم صحة أن تنسب وحدتا الزمان والمكان إلى القدماء وقال:إن "وحدة المكان مهما كانوا قد مارسوها- يقصد كتّاب المسرح الإغريقى والرومانى- لكنها لم تكن إحدى قواعدهم... فنحن لا نستطيع أن نتلمسها فى كتابات أرسطو وهوراس أو فى أعمال أى من كتابهم... إلى أن جاء عصرنا هذا حين قام الكتّاب الفرنسيون بجعلها إحدى المبادئ الأساسية. أما وحدة الزمان فإن تيرانس نفسه- والذى كان من أعظمهم وأكثرهم دقة- قد أهملها". أى أن درايدن يقيم رأيه- وهو فى هذا على صواب- معتمداً على عدم إطلاق أرسطو هذه الآراء وأن هذه القواعد لم تكن قواعد حقيقية يعرفها كتّاب المسرح الأغريقى ليقننها أرسطو، بل إن درايدن برهن على خطأ الزعم بنسب هذه القواعد إلى القدماء، وهو ما تمثل فى إهمال تيرانس لها بينما وقع بعض شرّاح أرسطو وهوراس فى خطأ النقل عن بعضهم أو التفسير الخطأ وأقروها فى عصر النهضة باعتبارها قواعد ملزمة للكاتب فى اتباعها.
من بين النقاط الأخرى الهامة التى عرض لها درايدن نجد مسألة المتابعة التاريخية للمؤلف المسرحى. ويقصد بها درايدن العلاقة بين المسرح والأفكار السائدة فى العصر وقال "لكل زمان نوع من النبوغ السائد" وعلى ذلك فكتاب عصره- يقصد كتاب عصره هو – لا يجوز لهم محاكاة الكلاسيكيات ونحن لا نتبع خطأهم ولكننا نتبع الطبيعية وما هو ظاهر أمام أعيننا... وكون الأسباب الطبيعية معروفة الآن أكثر مما كانت معروفة أيام أرسطو فإن ذلك مرده بالمزيد من الدراسة... ويتبع ذلك أن الشعر وغيره من الفنون تقترب بمرور الزمن وبالدراسة من حد الكمال".
إن درايدن يحدثنا عن قضية هامة ستشغل كتّاب القرن التاسع عشر ونقاده. واقصد كيفية تناول كتاب المسرح لبعض القضايا القومية والتاريخية التى تشكل هذا العصر أو ذاك، وهو يود من وراء ذلك عدم التزام كتّاب الكلاسيكيات الجديدة فى انجلترا بمحاكاة النموذج الإغريقى أو الرومانى القديم من منطلق محاكاة الكلاسيكيات؛ لأن ما يعد صالحاً للفرنسيين ليس بالضرورة صالحاً بالنسبة للإنجليز.
تحدث درايدن عن نظرية البناء الهرمى وذلك فى مقاله "فى الشعر المسرحى، وقصد به أن المسرحية مثل الهرم له قاعدة وقمة وقد بنى شرحه لنظريته هذه على الحبكة المسرحية والشخصيات وقال: إن "الحبكة المتقنة المتماسكة هى أساس التمثيلية وعليها" تبنى الميول والأمزجة متلائمة مع خصائص الشخصية من حيث العمر، والمكانة الإجتماعية، ودرجة الثقافة، والصفات القومية، فكما أن الأمزجة والميول يجب أن تتولد عن الحبكة فكذلك يجب أن تتولد حركات الشخصيات وأعمالهم، وأسلوب كلامهم عن هذه الأمزجة والميول. فالمسرحية- إذن- مثل هرم قاعدته الحبكة، وقمته اللغة والأسلوب.
إن درايدن يقر ما سبق وأقره أرسطو فى أسلوب كتابة المأساة، فهو يقر الحبكة وأهميتها فى بناء المسرحية، كذلك يحرص على توضيح أهمية الشخصيات وطريقة تصويرها فى أسلوب يلائم طبيعة موضوع المسرحية. ذلك أن تصوير الشخصية المسرحية يتطلب أن يُحمل المؤلف الشخصية بمجموعة من الصفات تتناسب مع بعضها البعض من حيث العمر والمكانة الاجتماعية والمستوى الثقافى فمثلاً لا يمكن أن نجعل شخصية ملك له مكانة اجتماعية معينة وفى العقد السادس من العمر ويفتقد إلى المستوى الثقافى أو إلى الحكمة.
عرض درايدن قضية هامة تقترب كثيراً من مجال النقد التطبيقى أكثر من النقد التحليلى الوصفى الذى اشتهر به فهو يعرض لقضية مقومات عرض المسرحية وسبله على خشبة المسرح، فهو يتحدث عن هذه القضية التى شغلته وشغلت غيره من القائمين على العروض المسرحية فى القرن السابع عشر، إذ إنه يعلن أن المشكلة الكبرى التى تواجه هذا المنشىء- يقصد منشىء التمثيلية الانجليزية- هى المفاضلة بين ثلاثة تقاليد أولها المسرح اليونانى، وثانيهما هو ذلك التراث من التمثيليات الإنجليزية التى خلفها "شكسبير" ومعاصروه بعبقرية لا تدين للقدامى بكل شىء.
وكان مصدر حيرة درايدن أنه راض عن كل هذه التقاليد بوجه عام ذلك الرضا الذى جعله يدور حول الموضوع، ويقبله على كل الوجوه، ثم لا يقطع فيه فى النهاية برأى حاسم".
إن درايدن حين يعرض هذه القضية يؤكد حقيقة هامة مفادها أنه برغم تأثره بكتاب "نقاد سابقين عليه أمثال بوالو رابان ولى بوسيه". وبن جونسون وكورنى، فإنه ظل حريصاً على أن يشكل لنفسه خطاً فكرياً ونقدياً مختلفاً عمن تأثر بهم من السابقين. فهو هنا حيال هذه القضية لا يفاضل بين أسلوب وآخر فى تقنيات كتابة المسرحية أو تقديمها، فهو لم يحاول أن يتمسك فقط بتقاليد السابقين، كما أنه لم يسع إلى التجديد، لتطغى وظيفته باعتباره مجدد على محافظته على تراث السابقين وربما يعود كل ذلك إلى طبيعته النفسية التى كانت تتغلب عليها الرغبة فى إرضاء جمهوره أولاً وقبل كل شىء فهو ينشىء للجمهور، وكل غايته أن يفهمه الجمهور، ولم يسمح للمباحث الجديدة أن تتدخل فى نقده إلى حد يبعده عن ذوق جمهوره المعاصر، وعن رواسب ذوقه القديم".
وعلي نستطيع القول: إن درايدن ألمح فى كتاباته النقدية إلى النقد إلى التطبيقى، وكذا ألمح إلى النقد المقارن، وذلك حين عقد المقارنة "بين الدراما القديمة والحديثة كما أجرى مقارنة بين مسرحيات فرنسا، وإسبانيا ومسرحيات انجلترا فابتدع بذلك وسيلة للنقد عن طريق المقارنة".
كل هذا يؤكد أهمية كتابات درايدن النقدية والتى تمثلت فى مقالة عن الشعر المسرحى "وفى مقدمته النقدية الأخيرة التى كتبها عام 1700 والمعروفة باسم "مقدمة الامثال... تدل هاتان الدراستان على أهمية أحكامه النقدية، فقد ضمن "مقدمة الأمثال" "كل أحكامه النقدية التى استقرت فى ذهنه منذ بدأ ينتج أدباً، وفيها أيضاً يعلن آراءه فى الأدباء الإنجليز ممن سبقوا عصره. وأهم ما تضمنته تلك المقدمة الموازنة التى عقدها بين تشوسرا واوفيد، وترجع أهميتها فى ذلك إلى أنها أول محاولة لناقد يأخد بالكلاسيكية الجديدة فى إبراز قدر أديب انجليزى قديم لم يأخذ بأية صفة من الصفات التى تستحسنها المدرسة الكلاسيكية الجديدة، فهو يثبت فى هذا الجزء مدى فهمه واحترامه للتقليد الأدبى الانجليزى، ويثبت أنه ينتمى إلى العبقرية الإنجليزية الخالصة الممثلة فى واقعية تشوسر، وفى عمق التحليل النفسى لشكسبير".
وبذلك يؤكد درايدن مدى فهمه وتقديره للمبدعين الإنجليز حتى ولو كانوا من عصر سابق لعصره، فهو قد أعجب- كما سبق القول- بتراجيديات شكسبير بالرغم من عدم تحقيقها القوانين الكلاسيكية الجديدة، وهو فى كل الأحوال حين يناقش قوانين الكلاسيكية الجديدة نجده ينتقد هذه القوانين لصرامتها وصرامة الأدب الفرنسى الذى التزم بها التزاماً منع البعض من الوصول إلى حد التحرر منها، وهو بذلك يختلف عن غيره من النقاد السابقين الذين تميز أسلوبهم بأنه "أشبه ما يكون بأسلوب المعلم الذى يلقى درساً على تلاميذه، بينما يتحدث درايدن إلى قرائه حديث الند للند وكانت لهجته أكثر تمديناً وصقلاً من لهجتهم".
وهكذا نستطيع القول: إن درايدن استطاع أن يحقق- بفضل ما قدمه من آراء نقدية أنارت السبيل لعصره ولمن بعده من النقاد- مكانة فى تاريخ النقد وصلت إلى حد أنه اعتبر أكبر ناقد فى القرن السابع عشر، وأباً للنقد الأدبى الانجليزى ساهم فى بلورة منهج النقد الوصفى، والنقد المقارن مستخدماً المنهج التاريخى فى جميع مقارناته وتحليلاته.
الناقد الانجليزى
الكسندر بوب (1688-1744)
إن المحاولات التى بذلت من قبل الكتّاب والنقّاد الإنجليز لاستنبات أجواء الإبداع النصى والنقدى فى انجلترا- بعد الاحتكاك المباشر الذى حدث بعد عودة الملكية- تبلورت على يد عدد من الكتاب المسرحيين الذين سعى بعضهم إلى المحافظة على ميراث الأقدمين، بينما حرص بعضهم على مخالفتهم ويأتى شكسبير على رأسهم، إن هذه المحاولات التى تمت فى مجال الكتابة المسرحية كانت محدودة، وهو ما حدث أيضاً فى مجال النقد؛ إذ تمثلت الإبداعات النقدية فى هذه المرحلة- أى الكلاسيكية الجديدة- فى أسماء عدد من النقاد الذين تأثروا بشكل مباشر بنقاد فرنسا وعلى رأسهم درايدن والكسندر بوب اللذين تأثروا بشكل مباشر بنقاد فرنسا وعلى رأسهم درايدن والكسندر بوب اللذين أفسحا المجال فيما بعد للدكتور جونسون وكولردج ووردزورث ليحتلوا مكانة بارزة فى تاريخ النقد الأدبى الانجليزى الحديث.
احتلت آراء "بوب" النقدية التى طرحها فى مقاله الشهير "مقالة فى النقد Essay on Criticism عام 1711 مكانة لا تقل أهمية عن النقاد الفرنسيين بل إنه "سمح لنفسه بأن يكون فرنسياً أشد عنفاً وأحد الكلاسيكيين الجدد بدرجة أكثر مما سمحت به مشاعر درايدن تجاه شعر العصر السابق.
أى إن "بوب" سيطرح كافة الآراء النقدية التى شغلت كتّاب المسرح الانجليزى، وكل الآراء النقدية التى أخذها النقاد الإنجليز عن الفرنسيين، وناقش كثيراً من القضايا النقدية المتعلقة بالمناوشات السائدة على الساحة النقدية العالمية بين فرنسا وانجلترا- كما عرض بعض القضايا النقدية العامة فى انجلترا فى القرن السابع عشر ووصولاً إلى النصف الأول من القرن الثامن عشر.
عرض "بوب" قضية الذوق السليم أو الحس السليم Common Sense كما أسماها بوالو من قبل، حيث دعا الكتّاب والنقاد إلى ضرورة إعمال العقل فى الطبيعة ليستطيع الكاتب أن يصل إلى تحقيق القوة والجمال فى إبداعاته. وكانت حجة "بوب" مثل حجج بوالو من قبل أى ضرورة اعتماد الطبيعية ولا غيرها باعتبارها منبعاً وهدفاً ومقياساً للفن، وذلك أن "قواعد الشعر بالنسبة "لبوب" كما هى النسبة "لبوالو" الطبيعية والمقولية. والإفاضة والحماس فى الشعر يجب أن تحكمها القواعد:-
قواعد القدامى اكتشفوها ولم يبتدعوها

قواعد تعكس الطبيعة فما هى إلا الطبيعة مقننة

الطبيعة كالحرية لا يحكمها سوى

نفس القوانين التى سنتها هى نفسها"

إن "بوب" يحرص على ضرورة النظر إلى الطبيعة؛ لأنها نبع لا ينضب؛ فهى تمثل بالنسبة له الإبداع الخالد، وهى بالنسبة له تعادل نتاج الكتّاب القدماء العظام الذين أخذوا عن الطبيعة، وعليه فالنظر إلى الكتّاب القدماء يعادل النظر إلى الطبيعة، وبذلك يقر "بوب" قواعد الأقدمين ويراها أساس تحقيق نظريته- أقصد التذوق السليم- التى سبق وقال بها "بوالو" و"درايدن" وغيرهما من الكتّاب.
إن "بوب" بذلك يؤكد سيره الجاد فى ركب تيار النقد الكلاسيكى الجديد، فى اعتماده الطبيعة مصدراً للفن وأن القواعد التى تحكم هذا الإبداع تعد أيضاً قواعد ملزمة باتباعها لكن "بوب" يخالف المحافظين المتمسكين بشكل آلى بهذه القواعد ويعلن رأيه صراحة حين يقول: إن هذه القواعد اكتشفت منذ القدم ولم تستحدث- وهذا حق- لكنه يؤكد أن من "الضرورى عدم إطاعة هذه القواعد بطريقة متحجرة عمياء بل من الممكن خرقها، إذا دعت الحاجة". وهنا يخالف "بوب" الناقد الفرنسى "بوالو" والذى لم يعط الناقد الحرية التى تمتع بها نقاد عصر النهضة حين سمحوا للناقد بقدر من الحرية بينما هو لم يسمح بذلك وأصر على ضرورة التمسك بالقواعد والمعايير، فهو يعلنها صراحة: عليك أن تفعل ذلك؛ لأن الحس السليم والعقل يتطلب ذلك، أما الناقد "درابدن" وقد شكك فى قواعد السابقين وأكد أن "تيرانس" قد أهملها وهو بذلك جعل آراءه النقدية أقرب إلى المناظرة العقلية وحديث الند للند أكثر من كونها آراء ملزمة باتباعها، كل ذلك كان جديراً باحتلاله مكانة جعلته- كما قال دكتور "جونسون"- أباً للنقد الأدبى الانجليزى.
سعى "بوب" من وراء هذه القواعد إلى الوصول إلى "شغاف القلب، وبلوغه غايته كاملة". أى إن الغاية أنه قد حقق جوانب التأثير فى المشاهد وأدركها ولا مس تلابيب، عقله. هكذا يؤكد "بوب" أن الكاتب المسرحى يكون قد حقق الغاية الجمالية أو كما تسمى بالتعاطف الجمالى وحقق ما يسمى التذوق السليم للمشاهد أو القارئ بعد أن انجذب عاطفياً وأدرك ذهنياً النتيجة الإجمالية للتجربة المقروءة أو المشاهدة.
إن "بوب" بذلك يؤكد على ضرورة المحافظة على قواعد السابقين، كما أنه يؤكد إمكانية مخالفة هذه القواعد إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويعطينا على ذلك مثالاً يؤكد فيه أن "القدامى تخطوا فى بعض الأحيان القواعد، لكنه يحذر المحدثين من أن يفعلوا مثل هذا. وإذا فعلوا فإنهم سيجدون على الأقل سابقة عن القدماء تغفر لهم. وعلى الرغم من أنه ينصحنا بأن نحكم على كل عمل من خلال "الروح التى كتبها بها مؤلفها"، فإن الروح الوحيدة التى ترضيه هى الروح الكلاسيكية الجديدة وهو يعارض صور الشعراء الميتافيزيقين البعيدة عن بعضها Conceits والشعر الوحيد الذى يمكن قبوله هو شعر الحس السليم الذى يكتبه هو نفسه". أى إن "بوب" يرفض الشعر الميتافيزيقى الذى ازدهر فى انجلترا فى القرن السابع عشر وركز اهتمامه على المشكلات النفسية والعاطفية للإنسان التى جعلته ينحصر فى العذاب والآلام وينغمس فيها وهو ما رفضه "بوب" ورآه نوعاً من الإبداع المنحصر فى قضايا الصراع بين مطالب الروح التواقة إلى الحرية وبين الجسد".
أثار الكسندر "بوب" فى مقالته الشهيرة بعض القضايا النقدية المهمة- كما سبق القول- التى مثلت جميعها ما كان سائداً على الساحة النقدية الإنجليزية، واستطاع أن يحدد ويرسم "الملامح العامة لنقده فى تقديره البارز الذى صاغه فى الأسطر الأربعة الشعرية التالية:-
ستظل القاعدة هى نفسها فى الكلمات والموضوعات، مدعاة للسخرية إن كانت موغلة فى الجدة أو موغلة فى القدم:
لا تكن أول من يحاول طرق مجال الجديد
والآخر من ينحى القديم جانباً.
وهو يكرر هذا:
تجنب التطرف. وتجنب خطأ ذلك.
الذى ما يزال يفرط فى العزوف أو الاستزادة من السرور
ومن ثم فإن "الكسندر بوب" بذلك يؤكد حفاظه على الروح الكلاسيكية الجديدة، لكنه لم يقطع بالرأى بضرورة مخالفة هذه الروح، فهو بين بين؛ إذ يعلن ضرورة ألا يحاول الإنسان أن يجدد وبطرق مجالات التجديد، فيكون فى صدارة المجددين، وألا يقعد ليصبح آخر من يسعى إلى التجديد و "بوب" بذلك متأرجح فيخشى أن يعلن رأيه صراحة ويتمسك به مثلما فعل "بوالو" أو "داريدن".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
نقاد الكلاسيكية الجديدة ( ملامح الحركة النقدية - التاريخ والنظرية )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: