دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 نظرية الكوميديا الإغريقية 3/3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: نظرية الكوميديا الإغريقية 3/3   الجمعة أبريل 08, 2011 6:27 am

الملهاه (الكوميديا)
(نظرية الكوميدية الإغريقية )3/3
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
=========================
1- نشأة الكوميديا:
من الحقائق المؤكدة عند كثير من الباحثين والدارسين فى مجال المسرح أن الكوميديا نشأت وتولدت من أعياد الإله ديونيوس إله الخمر، كما تولدت التراجيديا أيضاً عن نفس الاحتفالات التى كانت تقام لهذا الإله كل عام فى أيام الربيع، إذ يجتمع القرويون ويضعون على وجوههم الألوان ويغطون أجسادهم بأوراق الشجر ويرقصون ويطوفون أنحاء القرية وهم يحملون رمز الذكورة ويتبادلون مع المتفرجين من أبناء القرية النكات والضحكات، من هذه البدايات الأولى تولد التمثيل الكوميدى الذى ينسبه الأتيكيين إلى أنفسهم، ومن هذه البداية تبلورت التراجيديا أيضا. ولكنها كانت أسبق وأهتم بها من قبل النقاد والباحثين؛ إذ سجل أرسطو فى دراسته عن "فن الشعر" الكثير من التراجيديا، القليل عن الكوميديا مما يجعلنا نرجح أن التراجيديا أعطت- بعد أن تبلورت- الكوميديا الكثير من الملامح التى شكلت هيكلها.
إن الأناشيد والأغانى التى كانت تنشدها الفرقة الغنائية بقيادة رئيسها الذى ترتجل بصوت غنائى قصة الآله ديونيوس ويذكر أياديه البيضاء على بنى الإنسان، ويشيد بقواه السحرية التى تضعها فى الكروم وما يتخذ من ثمارها من خمور، ويضيف إلى أقواله من حركات الجسم ونبرات الصوت ما يتطلبه المعنى، وتبعث به الانفعالات ويزيد به التأثير فى نفس الجمهور تعد هذه البذور الدرامية الأولى التى نقحت فيما بعد وخضعت للقواعد والمعايير التى جعلتها متفقة من رأى الأراديس نيكول "نحن لا نضحك ضحكاً مفرطاً حينما نكون وحدنا، وإلا فنحن نضحك بدافع تخيلنا للنكتة التى شاركنا فى الضحك عليها شخص آخر أو أشخاص آخرون، وبالإشارة المضحكة التى نقرؤها على انفراد فى رواية من الروايات قد تسترعى انتباهنا لكننا لا نضحك عليها، وقد تروقنا، شخصية فكاهية لكنه لا تجعلنا نضحك، ونحن نقرأ الرواية بقدر ما تضحكنا إذا رأيناها فوق المسرح .
ونحن هنا لا نجد تعريفاً جامعاً مانعاً للكوميديا، بل نجد تعريفات أخرى متعددة لكنها تكاد تتفق جميعها فى مضمون واحد مشترك، وإن اختلفت فى بعض التفصيلات، فمثلا يحدثنا "مولوين ميرشنت بقوله" إن قاموس اكسفورد الانجليزى يشتق الاسم من لفظ Comedia كوميديا، نقلا عن الكلمة اليونانية Kw Mwdia وهى تعنى إما Kw Mos المسرح الصاخب، اللهو، أو تعود إلى مصدر المحتمل Kw my أى القرية Aoldos أى مغنى أو مطرب... وهكذا يعود أصل Kw Mwos إما إلى (شاعر المرح الصاخب أو إلى شاعر القرية وهى تسمية لا تخلو فى حد ذاتها من مغزى".
ومع اتفاق هذا التعريف مع ما سبق واختلافه فى البحث عن أصول المصطلح وجذوره فإنه يتفق مع ما سبق فى أن الكوميديا بمعناها العام مسرحية ذات طابع مسل وخفيف وبها من الغناء والرقص والتسلية ما يجعلها تختلف عن التراجيديا.
ومن هنا نستطيع القول أن ما يضحكنى فى الكوميديا قد لا يضحك غيرى، والعناصر التى دخلت فى تصميم وتشكيل الكوميديا فيما بعد كانت جديدة، حقيقى أن تطور الكوميديا يحيط به الكثير من الغموض إذ أن نشأة الكوميديا من حيث المكان أمر تنازع عليه أهل صقلية، وكذا أهل ميجارا، ولكن هذه ليست قضية تشغل بحثنا، وكل ما يهمنا أننا نسعى للتعرف بالبدايات الأولى لنشأة الكوميديا ثم محاولة التعرف بأبرز أعلامها الذين أسهموا فى نشأتها وتطورها ويأتى على رأسهم "الشاعر الصقلى أبيخارموسى والشاعر فورميس" حيث إن الكوميديا وفدت أول الأمر من صقلية وفى أثينا كان أول كتابها كراتيس الذى هجر الطابع الهجائى المقذع وارتقى بموضوعات الكوميديا" مبتعداً عن النكات والألفاظ الجارحة والكثير من الصخب والمجون الذى ميز نشأة الكوميديا.
تعريف الكوميديا (الملهاة):
تحدث أرسطو ووصف الكوميديا "بأنها تعالج عيباً وقبحاً لا يسبب ألماً ولا ضرراً ... وهى تصور أناساً أقل من المتوسط وهى بذلك عكس التراجيديا التى تصور أناساً أفضل من الناس العاديين" وبهذا نستطيع القول: إن الكوميديا هى ذلك اللون المسرحى ذو الموضوع الفكاهى الساخر الذى يرمى إلى عرض نقائص البشر عن طريق تصويرهم فى مواقف النقص والضعف بهدف إثارة الضحك من العيوب والأخطاء التى فعلها الإنسان عن جهل، وبالتالى يحاول تجنبها ما دامت مثاراً للسخرية الاجتماعية.
وإذا اعتبرنا أن الضحك ظاهرة جماعية واجتماعية فى نفس الوقت فلا يمكن أن تتم لشخص بمفرده وإنما هى بحاجة إلى مؤثر خارجى وهو ما يأتى فى مرحلة لاحقة، فالمسألة نسبية مطلقة، ولكننا نستطيع القول: إن الكثير من الدارسين أو حتى البسطاء من الناس قد اتفقوا على أن الكوميديا تهدف إلى الإمتناع والضحك من خلال مواقف وشخصيات أدنى مما هم عليه فى واقع الحياة، كما أن الكوميديا تهتم بالجماعة وليس اهتمامها بالفرد كما فى التراجيديا، كل هذا يجعلها تهدف إلى تغيير ما نحن عليه، وليس تطهيرنا كما تسعى التراجيديا.
وإذا كان أرسطو قد حقق للكوميديا وظيفة أساسية تمثلت فى النقد السياسى البطولى، الاجتماعى الدينى، الأدبى والفنى وذلك بعد أن يتم عرضها فى صورة تحقر من شخصية ما، فهى تهدف إلى نقد سلوكها وبذلك تحقق الكوميديا رسالتها ونحن لا نرى فى النقد وحده الهدف الأخير للكوميديا، إذ هناك التسلية والامتناع أيضا، ولا ننسى أن نؤكد أن مقدار وضوح هذه الأهداف يختلف باختلاف الكوميديا حيث يعتمد بعضها على الحركات المادية.
بنية المسرحية الكوميدية
من القضايا الهامة التى أثارت الكثير من النقاش والجدل بين النقاد قضية بنية المسرحية الكوميدية- ذلك أن المسرحية الكوميدية اليونانية- وبالتحديد المسرحية الأرسطوفانية الكوميدية – قد تميزت ببعض الخصال والسمات التى أعتقد أنها قد استمرت برغم تطور المسرحية التراجيديا مرورا بروادها فى المسرح اليونانى، ثم كتاب مسرح العصور الوسطى وعصر النهضة إلى أن وصلنا إلى العصر الحديث وخاصة فى القرن العشرين الذى قدم العديد من التجارب المسرحية التى أصبح- فى بعض الأحيان- من العسير تفنيد أو تقسيم هذا النوع المسرحى المقدم.
أما فى مجال الكوميديا فقد تحدث البعض- منهم "بن جونسون" فى مقدمة مسرحية" كل إنسان وطبعه" على سبيل المثال وقال. أن "أجزاء الكوميديا هى نفسها أجزاء التراجيديا، كما أن الغاية واحدة إلى حد ما: كلاهما يحقق المتعة والفائدة: ولم يميز الاغريق فى الأهمية بين شخوص الكوميديا وشخوص التراجيديا.
لكننى لا أوافق هذا الرأى على طول الخط وأرى فى الكوميديا- على الأقل من حيث توظيف الشخصية بحوارها وأفعالها وأحداثها وكذلك التقديم للموضوع أو نهايته ما يجعلها تختلف عن التراجيديا هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإن بنية النص الكوميدي تختلف عن بنية النص التراجيدى، ذلك أن المسرحية الكوميدية تتطلب أحداث بسيطة غير معقدة ومحتملة الوقوع بخلاف التراجيديا كما أننا لابد أن نعى جيداً أن المسرحية الكوميدية يمتاز بناؤها أيضاً بالبساطة وكذلك حبكتها، لدرجة أننا لا نرى فى الكوميديا العقدة التى تؤثر على سير الحدث، بل إننا نستطيع أن نجمل ما سبق بقولنا: "إن بناء الكوميديا الدرامى يشتمل على فكرة رئيسة تمهد لها الأحداث من أجل خلق مواقف فكاهية وكانت هذه الفكرة من البساطة بحيث يمكن تلخيصها فى عدة سطور .
مما سبق نستطيع القول أن البناء الدرامى التراجيدى غالباً ما يتطلب من الكاتب البحث عن هيكل متكامل من حيث المعنى والشكل وهو ما يأتى مختلفاً مع الكوميديا التى يبحث كاتبها عن الفكرة الجديدة المبتكرة. على أننا نلتمس فى المرحلة التالية لأرسطو فانيس- الكوميديا الحديثة فى القرن الثانى والثالث- بعض التطور فى البناء الدرامى للمسرحية الكوميدية. لكنه لا يعد إطاحة بالموجود والإتيان ببناء جديد، بل تتلخص المسرحية وقدرتها على خلق المواقف بما تحويه من تناقض ثم بقدرتها على إضحاك الناس وذلك باستحضار شخصيات مثل الشيوخ- الأمهات- الخدم- العبيد – التجار- البحارة ... الخ). كما حرص "مناندرز" على وضع هذه الشخصيات فى مكائد وحبكات تفجر المواقف الكوميدية.
التداخل بين الكوميديا والتراجيديا
أتفق الدارسون والنقاد على رأسهم أرسطو- الناقد الأول للمسرح- أن للتراجيديا (المأساة) ملامح وخصال تميزها عن الكوميديا (الملهاه) وقد أوجزها فى "إن المأساة هى" محاكاة فعل نبيل. لها طول معلوم بلغة مزودة بألوان من التزين تختلف وفقاً لاختلاف الأجزاء وهذه المحاكاة تتم بوساطة أشخاص يفعلون، لا بوساطة الحكاية وتثير الرهبة والخوف فتؤدى إلى التطهير من هذه الانفعالات وهو ما يؤكد أن للمأساة ملامح خاصة تأتى مختلفة عن الملهاة، التى أوجزها أرسطو- وكما سبق أن ذكرنا- بقوله هى "محاكاة الأراذل من الناس لا فى كل نقيصة، ولكن فى الجانب الهزلى الذى هو قسم من القبيح إذ الهزلى نقيصة وقبح بغير ايلام ولا ضرر" "وينشد من وراءها الدعوة إلى تغيير هذا الخطأ أو النقص وتصحيحه، وهو ما ساد طوال مراحل تطور المسرحية عامة، إلى أن وصلنا إلى عصر النهضة، وهنا نجد شكسبير يؤكد على رفضه لهذا التقسيم ويدخل بعضا من التغيير الذى يتمثل فى إحداث التداخل بين التراجيديا والكوميديا فى أعماله المسرحية "وهو ما يؤكد انتفاء هذا الفصل الصارم الذى سبق واستن من قبل.
إن حدوث مثل هذه المداخلات واللقاءات بين جنس التراجيديا والكوميديا أمر حدث كثيراً عند كل من إسخيلوس وسوفوكليس، إذ يرى مولوين ميرشنت مؤلف كتاب الكوميديا أنه نادرا ما تكون جميع التصنيفات النقدية فى الواقع العملى منفصلة تمام الانفصال، بل غالباً ما تكون متمازجة ومتداخلة فنادراً ما يكون الفارس منفصلا عن الهجاء الساخر، عندما يصاحب حدة التوتر الشديد فى التراجيديا، كما أن الفكاهة التى تظهر فى مجال الترويح الكوميدى لا تجىء إلا وهى مصحوبة بأصداء، عالية للمفارقات الدرامية التى ترمى إلى النقد.
إننا لا نختلف مع الرأى الصحيح الذى يرى فى اتحاد الكوميديا والتراجيديا فى جنس أدبى واحد أمر يمكن تحقيقه. حقيقى إن البدايات الأولى للمسرح أرتأت الفصل بين الأجناس الأدبية. لكننا نؤكد أن الدراما فى القرن العشرين لم تعد تؤكد على هذا الفصل، من ناحية أخرى فإننا ببحثنا فى الأعمال الدرامية الكلاسيكية سواء عند كتاب المسرح اليونانى أو كتاب مسرح عصر النهضة لا نجد فى أعمالهم- برغم اتباعهم تعاليم أرسطو ومن جاء بعده من نقاد المسرح- ذلك التحديد والفصل القاطع بين جنس أدبى وآخر كما فى أعمال كريستوفر مارلو "دكتور فاوست" وأعمال شكسبير نجد هاملت، وماكبث والليلة الثانية عشرة.
إن استيعاب الكاتب المسرحى لأكثر من جنس أدبى داخل عمله المسرحى المكتوب أمر بحاجة إلى مهارة ومقدرة فى الوصول إلى هذه المرحلة، وهو ما يجعلنا نتساءل عن قدرة المشاهد ومن قبل الكاتب على "استيعاب حالتين نفسيتين متضادتين فى وقت واحد، دون أن يشعر بالرغبة فى التوفيق بينهما ذلك أنه بالإمكان أن يعثر المؤلف أو جمهور النظارة على وسيلة التوفيق بين هاتين الحالتين" . وهو ما نجده يتحقق كثيراً فى المسرح الحديث إذ يسعى المؤلف المسرحى إلى تقديم عمل يجمع بين عناصر "الملهاة والمأساة" وهو فى الملهاه المفجعة تجمع عناصر الآسى والضحك، وهذا الاتحاد بين العناصر المتضادة فى مسرحية واحدة يؤدى فى أحوال كثيرة إلى النجاح المسرحى .
العلاقة بين الضحك والكوميديا
تناول بعض الفلاسفة نظرية الضحك وعلاقته بالكوميديا مثل الفيلسوف الفرنسى "هنرى برجسون" فى كتابه الضحك Le-Rire كما تناول البعض الآخر دراسة العلاقة بين علم النفس والدراما عامة وجاء على رأسهم "سيجموند فرويد" فى دراسته الشهيرة فى تفسير الأحلام والأفعال وتقديم الكثير من الدراسات النفسية الدرامية للكثير من الأعمال المسرحية.
هذا إلى جانب العديد من الدراسات التى تحدثت عن ظاهرة الضحك منذ القدم وصولا إلى عصرنا الحالى أمثال أرسطو- شيشرون- ديكارت ولوك- وهيجل وكنت- شوبنهور- اسبنسر- برجسون- فرويد- كما سبق وأن ذكرت- ومكدوجال- وهوفدنج- الذين قاموا الكثير من التعريفات لظاهرة الضحك.
على أننا نؤكد أن أرسطو قد تناول فى كتابه الشهير "فن الشعر" الضحك فى ثنايا حديثه فى الفصل الخامس المعنون بـ "فى الهزلى والكوميديا والفارق بينهما وبين التراجيديا" فى قوله: "إن الملهاة هى محاكاة الأزاذل من الناس، لا فى كل نقيصه، ولكن فى الجانب الهزلى الذى هو قسم من القبيح، إذ الهزلى نقيصة وقبيح بغير إيلام ولا ضرر: فالقناع الهزلى قبيح مشوه، ولكن بغير إيلام" . أى أن أرسطو يرى فى الملهاه مادة تثير الضحك عند المشاهد أو القارئ وغالباً ما يضحك الإنسان على شىء به نقص.
تحدث برجسون فى كتابه "الضحك" عن الضحك وعرفه بأنه إنسانى أو شبيه، بما هو إنسانى، وأنه ينشأ بين الناس وهم مجتمعون وأنه لا يبدأ إلا حين نكف عن التأثير فإذا تعاطفنا مع أى عيب فذلك يكون من المأساة، وأن يتسم بالتصلب ضد الحياة الاجتماعية ممن يسير فى طريقه آليا من غير أن يعنيه الالتفات للآخرين يكون مضحكاً، إلا أن يعاقب ذهوله وينشله من حلمه .
مما سبق نرى أن الضحك ظاهرة نسبية وشخصية مطلقة ولما كان جمهور المتفرجين فى السينما أو فى المسرح ينتمى إلى شتى الطبقات الاجتماعية وإلى ألوان من المستويات الفكرية، فضلاً عن تباين الأعمال والأمزجة تعين على المؤلف الهزلى أن يعمل على الوصول إلى جميع الأوساط والتأثير على جميع العقليات. ومن هنا جاء اهتمامه الدائم بالتفكير فى الجمهور" وعليه نستطيع القول: (أن المؤلف المسرحى الكوميدى لابد وأن تختلف مهامه عن مهام لاعبى السيرك أو البهلوان أو البلياتشو، ذلك أن الأول ينشد من وراء الضحك السعى إلى تغيير وضع خاطئ استقر بين الناس. لذا يأتى المؤلف المسرحى الكوميدى لكى يكشف هذا الخطأ ويعريه بغية فضحه واستبداله بالوضع الصحيح.
أما عن الاستهزاء أو السخرية أو الضحك الذى يصدر من البهلوان أو لاعب السيرك أو البلياتشو فإما يقصد من وراءه الضحك ولا شىء غير الضحك وعليه نستطيع القول: أنه ليس كل ما يثير الضحك إبداع كوميدى. حقيقى إن المسرح الكوميدى اليونانى منذ أيام أرسطوفانيس قد اعتاد أن يحاكى ما أخذت عن الكوميديا والتراجيديا فيما بعد- وأقصد التمثيليات الهزلية التى كانت تقام للاحتفال بأعياد إله الخمر ديونيسوس، لكن المؤلف لم يقف عند هذا الحد، بل تطور الأمر حتى أضحت القفشات والنكات الجنسية مادة بالية لا تثير ضحكنا إذا ما ذكرت لنا، وهو ما يؤكد أن الضحك لابد وأن يتطور حتى يتماشى مع طبيعة المجتمع.
إن ما يثير ضحك الآباء قد لا يثير الأبناء وهو ما يعلق عليه برجسون بقوله "إن ظاهرة الضحك هذه هى رد فعل يصدر عن الإنسان الذى يعيش فى المجتمع، لذا فمن المنطق أن يتطور الضحك متمشياً مع المجتمع الذى يعيش فيه الإنسان أو على الأصح مع الحضارة التى يسير فى ركبها، وعليه نستطيع القول بأن ذوق الجمهور قد تطور وهو ما يستلزم بطبيعة الحال تطور ما يضحك هذا الجمهور ويرضى ذوقه حتى تحقق الكوميديا وظيفتها فى إزالة مؤثرات الهم والقلق واليأس الذى يصيب النفس الإنسانية.
من الحقائق التى تغيب عن البعض ونحن بصدد الحديث عن العلاقة بين الضحك والكوميديا ما اتفق عليه علماء النفس والأخلاق والجماليون" فيما أسموه بالدلالة الاجتماعية للضحك وهو ما ينسحب بطبيعة الحال على الكوميديا أيضاً- ذلك أن الضحك ظاهرة جماعية ومن القليل النادر- وقد يحدث أحياناً- أن تصبح ظاهرة فردية، وهو ما يأتى بخلاف الحزن الذى يعد ظاهرة فردية فى أساسها ومن الممكن أن تتحول إلى ظاهرة جماعية، وهذا ما يتفق مع قول زكريا إبراهيم فى هذا الصدد حين يقول: إن أكبر دليل على أن الضحك ظاهرة اجتماعية، أنه كلما زاد عدد النظارة فى المسرح زادت بالتالى ضحكاتهم واشتد هتافهم وتصفيقهم" .
إن الضحك والكوميديا وسيلتان من الوسائل التى نعتمد عليها فى الحياة اليومية أو فى المسرح من أجل "استبقاء الحياة الجمعية على ما هى عليه؛ لأنه يسمح- أى الضحك وكذا الحال الكوميديا- بكل جماعة بأن تحافظ على كيانها فى حدود تقاليدها وعرفها" وهو ما لم يختلف عليه الكثير من الباحثين، إذ اتفقوا على ما للضحك أو الكوميديا من دلالات اجتماعية جعل الجميع لا يجدون الاختلافات القاطعة بين الضحك والكوميديا أو الفكاهة بل اتفقوا على أن الكوميديا هى "أكثر أنواع الفكاهة اعتماداً على العقل، فإن لهذا النوع من الفكاهة منطقه الخاص الذى يخاطب منا العقل أكثر مما يخاطب العاطفة أو الوجدان .
وعليه لا أرى اختلافاً حاداً أو قاطعاً بين الضحك والكوميديا، بل أرى تواصلاً وانسجاماً ذلك أنهما يشتركان فى الهدف، وإن اختلفت وسائل كل منهما، لكنهما يلتقيان فى هدفهما فى إحداث حالة من السرور والانشراح وإن اعتقاد البعض أن الكوميديا برغم ذلك تتضمن القيم الجمالية أكثر مما يتضمن الضحك.
من ناحية أخرى فإن الضحك والكوميديا يلتقيان فى أنهما لا يشتركان فى الأفعال أو التعاطف مع ما يحدث، بل ينبنى اتفاقهما فى أنهما يجتمعان على أساس نفورهما من الانفعال وسعيهما من أجل تواجد حالة الانبساط والهدوء الذى يجعل الضحك يتطور وتكتمل هنا صورة تحقق الضحك. إذ أننا لا نشفق ولا نتعاطف بل نضحك مما نراه يتجسد أمامنا بغية تغييره من أجل بقاء المجتمع واستمراره.
ج - الملحمة
تأتى الملحمة باعتبارها الجنس الثالث بين أجناس الشعر الثلاثة المتضمنة المأساة والملهاه، وقد أشار أرسطو فى معرض حديثه عن المأساة إلى الفرق بينهما وبين الملحمة التى تعتمد على بعض العناصر الفنية المتشابهة والمتفقة مع المأساة وتختلف معها فى بعضه الآخر.
عرف أرسطو الملحمة بأنها قصة أو حكاية شعرية لأمر خارق عجيب أو عمل حماسى عظيم له أثره فى حياة شعب من الشعوب، وتعتمد الملحمة على المحاكاة لأحداث محددة يرويها الراوى أو من يحكيها من الشخصيات، ولا تقدم أحداثها أمام عيون الناس كما يحدث فى المأساة وتتفق الملحمة مع المأساة فى ضرورة أن تتمتع الملحمة بوحدة الفعل مثل المأساة، وتكون لها أيضاً الوحدة العضوية.
أشار أرسطو أن للملحمة أنواعاً مثلما المأساة "فينبغى أن تكون بسيطة، أو مركبة، أو أخلاقية أو انفعالية ، كذلك أكد أرسطو- كما سبق القول- على الاتفاق التام بين أجزاء المأساة والملحمة عدا أن النشيد والمنظر المسرحى لا تشتمل عليها الملحمة.
يعد هوميروس الأب الشرعى لفن الملحمة، إنه بإبداعه لملحمتى الإلياذة والأوديسيا يكون قد وضع نموذجاً يحتذيه المبدعون أيامه ومن بعده، نظراً لما تتمتع به كل منهما من اتفاق وروعة فى الصياغة، ذلك أن هوميروس- الذى عاش فى القرن التاسع قبل الميلاد". كان قد تأثر بالسابقين عليه من الشعراء فى تأليف الملاحم وقد أفاد منهم كثيراً؛ ذلك أن التطور الذى وصلت إليه الملاحم على يده لم يأت من فراغ، بل سبقه الكثير فى هذا المجال.
أشار أرسطو فى معرض حديثه عن الفارق بين الملحمة والمأساة إلى بعض نواحى الاختلاف نحصرها فيما يلى:
1- تختلف الملحمة عن المأساة فى طول التأليف والوزن ذلك أن الملحمة تروى ولا تجسد لذلك من الممكن أن تتناول عدة أجزاء للفعل الواحد.
2- يسمح فى الملحمة أن تتضمن أموراً غير معقولة، نظراً لأننا لا نرى ما يحكى أمام أعيننا بخلاف المأساة التى لا يمكن أن تتضمن ذلك.
3- تقل الملحمة عن المأساة فى اعتمادها على عنصر المحاكاة، ذلك أن المأساة تتحقق فيها المحاكاة بمقدار أقل طولاً وأقل زمناً أى باعتمادها على التكثيف مما يجعلها أشد تماسكاً من الملحمة.
إلى جانب ذلك تحدث أرسطو عن العناصر الفنية الواجب توافرها فى الملحمة وحددها بالآتى:-
1- وحدة الوزن فى الملحمة ذلك أن "التجربة تدلنا على أن الوزن البطولى- أى الوزن السداسى هو أنسب الأوزان للملاحم- ولو أن امرءاً استخدم فى المحاكاة القصصية وزناً آخر أو عدة أوزان لبدت نافرة؛ لأن الوزن البطولى هو الأرزن والأوسع، ولهذا يتلائم مع الكلمات الغريبات والمجازات كل التلاؤم، إذ فى هذه المسألة أيضاً تفوق المحاكاة القصصية غيرها. أما الوزن الأيامبى والوزن الرباعى الجارى (التروكى) فمليئان بالحركة: فأحدهما أنسب للرقص، والآخر أنسب للفعل".
2- تحدث أرسطو عن نقطة هامة كثيراً ما أثيرت فى الدراسات النقدية والتحليلية المعاصرة، وأعنى بها ضرورة أن ينسى الشاعر نفسه فى أثناء الحديث فلا يقحم نفسه على الأحداث، بل يتحدث عن الشخصيات التى يرويها.
3- أباح أرسطو لشعراء الملاحم استخدام الأحداث العجيبة وسردها والتى يستطيعون عن طريق براعة الأداء والإلقاء فى جعل المستمعين يتقبلونها مما يجلب لهم الإمتاع والعجب.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
نظرية الكوميديا الإغريقية 3/3
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: