دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحركة النقدية الإغريقية قبل أرسطو ( الإرهاصات النقدية الأولي التي يمكن استخلاصها من أشعار هوميروس -هيسيودوس - بنداروس )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: الحركة النقدية الإغريقية قبل أرسطو ( الإرهاصات النقدية الأولي التي يمكن استخلاصها من أشعار هوميروس -هيسيودوس - بنداروس )   الأحد أبريل 10, 2011 11:13 am

الحركة النقدية الإغريقية قبل أرسطو الإرهاصات النقدية الأولى التى يمكن استخلاصها من أشعار
هوميروس – هيسيودوس- بنداروس
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
========================
عند الحديث عن الإرهاصات النقدية الأولى التى يمكن أن نسجلها باعتبارها بداية حقيقية لتاريخ النقد العالمى ونظرياته فإننا لابد ألا نغفل ما قدمه هوميروس وهيسيودوس وبنداروس من مجموعة الآراء النقدية التى تعد فى حقيقة الأمر حلقة وصل فى تاريخ النقد؛ ذلك أننا دائماً ما نعود فى تاريخ الدراما العالمية إلى الإرهاصات الأولى التى تسبق اسخيلوس ومن قبله ثيسبيس فنجد أننا أمام احتفالات الإله ديونيسوس التى اتفق كثير من الدارسين للدراما أنها تعد الإرهاصات الأولى التى يعتمد عليها والتى أخذ منها كتاب الدراما اليونانية الكثير من ملامح التراجيديا والكوميديا. إلى أن جاء أرسطو وقنن لمعايير الدراما اعتماداً على مسرحية سوفوكليس "أوديب ملكاً".
إن البحث وراء الإرهاصات النقدية الأولى وقبل أن نصل إلى أرسطو سوف تجعلنا نمر على هؤلاء الشعراء ودورهم فى إثراء الحركة الأدبية والفكرية ومن ثم النقدية منذ القرن العاشر قبل الميلاد على حين يعتقد البعض ويأتى على رأسهم د. محمد صقر خفاجة أن هوميروس عاش "فى أواخر القرن التاسع قبل الميلاد بعد انتهاء حرب طرواده وقبل ازدهار الشعر الغنائى بقرون، فاعتمد فى وصفه لحوادث هذه المعركة على الروايات التى سجلها والآثار التى شاهدها فى ربوع اليونان.
أما عن الشاعر الثانى من الشعراء الثلاثة فهو هيسيودوس الذى اختلفت الآراء حوله مثلما اختلفت من قبل حول مولد هوميروس، ذلك أن بعض الآراء ترجح أن لغة الشعر التى استخدمها هوميروس ومن بعده هيسيودوس هى لغة حديثة بعيدة عن لغة العصر الموكينى وبعيده أيضاً عن الشعر الغنائى وقد اختلف "مؤرخو الأدب اختلافاً كبيراً حول العصر الذى عاش فيه هيزيودوس، كما اختلفوا حول العصر الذى عاش فيه هوميروس، وأقرب أرائهم إلى المعقول، وأكثرها اتفاقاً مع ما تنبىء عنه لغة هيزيودوس وأساليبه وما تدل عليه شواهد أخرى كثيرة، أنه نشأ فى عصر لاحق للعصر الذى نشأ فيه هيرميروس، وأنه عاش حوالى القرن الثامن قبل الميلاد" وبطبيعة الحال تصبح الفترة التى عاش فيها هؤلاء الشعراء تتراوح ما بين القرن التاسع قبل الميلاد وصولاً إلى القرن السادس قبل الميلاد كما يحدد ذلك د.عبد الواحد وافى إذ يقول ولد بنداروس "حوالى سنة 521 قبل الميلاد بمنطقة لاسينوسيفال بقرب مدينة طيبة اليونانية ونشأ بهذه المدينة وتجنس بجنسيتها. ولكن يظهر من بعض أشعاره أن أسرته تنحدر من أصول دورية".
مما سبق استطعنا أن نحدد فترة الدراسة التى سنتعرف من خلالها على أهم الآراء التى تبلورت عنها إبداعات الشعراء الثلاثة والتى سيكون لها بطبيعة الحال دوراً فى تعريف اللاحقين بفنون الإبداع الشعرية المسرحية وهو ما سوف يتبلور بشكل كامل من خلال إبداع شعراء التراجيديا والكوميديا فى المسرحين اليونانى والرومانى وهو ما سوف تبنى عليه آراء كل من أرسطو وهوراس فى كتابهما الذى يحمل عند كل منهما نفس الاسم وأعنى "فن الشعر".


1- هوميروس وارهاصاته النقدية من خلال أشعاره:
فى طليعة الأعمال الأدبية التى خلدها الزمن واحتلت اهتماما كبيرا عند الكثير من الأدباء القدامى منهم المحدثين( ) نجد أن الإلياذة والأوديسا "اللتان تمثلان العصر الأيونى والدورى الذى كتبتا فيه.
تتكون الإلياذة من "15537" بيتاً موزعة على أربعة وعشرين نشيداَ، يصور فيها هوميروس حوادث الأسابيع الأخيرة من حرب طروادة التى استمرت ما يقرب من عشرة أعوام( ). أما عن الأوديسا فتتألف من اثنى عشر ألف بيت. يقسمها النقاد مثل الإلياذة إلى أربعة وعشرين نشيداًَ، وهى تأتى بعد الإلياذة زمنياً من حيث تاريخ كتابتها، وأحداثها بطبيعة الحال تأتى مرتبة على أحداث الإلياذة وذلك بعد سقوط طروادة فى أيدى الأغريق واستعادة "منيلاوس" زوجته.
الملامح الفنية للإلياذة والأوديسا:
اتفق الكثير من الدارسين والنقاد والباحثين على مكانة هوميروس فى الأدب اليونانى، وفى الآداب العالمية بشكل عام. ذلك أن أفلاطون لم يبالغ عندما وصفه بأنه معلم اليونان الأول وربما يعود السبب فى ذلك إلى استمرار استلهام أدباء العالم ومبدعيه منذ العصر اليونانى والرومانى مروراً بعصر النهضة وصولاً إلى القرن التاسع عشر وأخيراً القرن العشرين.
تتميز الإلياذة والأوديسا بأنهما "تفيضان بألوان من التنوع، تنوع فى المناظر وتنوع فى الوصف، تنوع فى العواطف، وتنوع فى الأسلوب ويتصفان رغم طولهما الشديد، بتماسك الأجزاء وتسلسل الحوادث مما يدل على وحدة الموضوع فى ذهن الشاعر ووضوح الفكرة التى لا يشوبها غموض ولا إضراب".
لكن الإلياذة والأوديسا تعكسان الكثير من الملامح الفنية التى وجدناها بعد ذلك تتبلور فى آراء أرسطو النقدية فيما يتعلق بالوحدات أو قضية فصل الأنواع ما بين كوميدى وتراجيدى، هذا إلى جانب ارتباط هوميروس بالشعر الغنائى باعتباره وسيلة أساسية سنجدها تسود كتابة المسرحية منذ اسخيلوس وصولاً إلى نهاية القرن الثامن عشر.
لقد صوّر هوميروس شخصيات ملحمته قريبة من البشر ولم يكتف بتصورهم كآلهة فقد "خلع على الآلهة أنفسهم صفات البشر، فمع أنهم خالدون أبداً، لكنهم يشبهون الناس جميعاً، يكثرون من الطعام ويسرفون فى الشراب. قساة غلاظ القلب لا يحترمون المبادئ الخلقية ولا يتمسكون فى الفضائل، يسود بينهم الخصام وينقسمون إلى أحزاب ومعسكرات، يتصفون بالمكر والخداع، منهم القوى الذى يبطش والضعيف الذى يرتجف والشجاع الباسل والجبان الرعديد".
مما سبق نستطيع القول أن أعمال هوميروس وخاصة الإلياذة والأوديسا إنما تعد إبداعاً أدبياً وفنياً أسهما بطبيعة الحال فى وضع الأسس الفنية والنقدية لما جاء بعده سواء من الشعراء أو النقاد ذلك أن هوميروس اهتم- كما سبق وذكرنا- بتصوير الشخصيات سواء الآلهة أو الأبطال كما نجح فى الاهتمام بشخصية المرأة وحرص على أن تحتل فى شعره منزلة سامية، فحدثنا عن ذائعات الصيت وأسند إليهن أدواراً هامة، أو قل أهم من أدوار بعض الأبطال... كما اهتم بتصوير هؤلاء النساء وتحليل شخصياتهن وأسهب فى الكلام عنهن وعن مثيلاتهن خاصة فى الأوديسا التى نظمت، فى رأى بعض النقاد، لتمجيد المرأة".
أجمعت آراء المتخصصين فى مجال الأدب والشعر والمسرح على مكانة هوميروس؛ فقد أفاد منه الكثير فى مجال الابداع، ذلك أن "شعراء المسرح اعترف أستاذهم اسخيلوس بأن مآسيه كانت "فتاتاً" من موائد هوميروس الحافلة، ولا شك أن مسرحياته ومسرحيات زميليه سوفوكليس ويوربيدس كانت تتخذ موضوعاتها من الأساطير الهرمونية وتحوم حول أبطالها".
وعليه نستطيع القول إن ملحمتى الإلياذة والأوديسا لهوميروس تمكنا بعد قراءتهما ومراجعة ما كتبه أرسطو بعد ذلك فى كتابه "فن الشعر" عن قوانين الدراما والمعايير النقدية فى التعامل مع فن المسرح لا نجد أنفسنا بعيدين عن قول كاوفمان فى وصفه لهوميروس ذلك الوصف الذى اقترب- ليصبح أعظم الشعراء- لكى يعلنه بقوله "كان هوميروس، من منظور أفلاطون. أعظم شعراء التراجيديا. أما أرسطو فقد علمنا أن نميز بمزيد من الدقة بين التراجيديا والملحمة ومنذ نيتشه درج الناس من جديد على الإقرار بوجود شعراء تراجيديين لم يكتبوا تراجيديات، باعتبار أن ما يعد أمراً حاسماً هو الرؤية التراجيدية وبعض المسرحيات، التى سبق أن وصفت بأنها تراجيديات، ينظر إليها على أنها تعكس رؤية غير تراجيدية، بينما وضع بعض الروائيين فى مرتبة سامية، بالنظر إلى رؤيتهم التراجيدية".
وهنا نتفق مع الرأى السابق بضرورة النظر إلى إبداع هوميروس لا باعتباره ملحمة وحسب، ولكن باعتباره عملاً ابداعياً يقترب فى رؤيته من التراجيديا وهو ما يأتى متفقاً، ومؤكداً لما سبق أن أعلنه اسخيلوس من قبل من أن أعماله إنما هى (فتات) من موائد هوميروس العظيمة وبطبيعة الحال ينقلنا هذا الاتفاق إلى أكثر من ذلك فهو يفتح أمامنا السبيل إلى ضرورة العودة إلى ميراث هوميروس الذى ورثه اسخيلوس وسوفوكليس، ويجد كاوفمان أن شعراء التراجيديا الثلاثة وأكثرهم بطبيعة الحال الأول والثانى قد استعانوا بشكل الإلياذة التى كتبها هوميروس مما جعل "شكل الإلياذة فى المقام الأول هو الذى ترك بصمته على التراجيديا الاغريقية"
أى أن شكل التراجيديا الاغريقية قد أخذ عن هوميروس كثيراً وهو ما يتضح من خلال أعمال اسخيلوس خاصة فيما يتعلق بمبدأ تسلسل الحوادث ذلك أن هوميروس ومن بعده شعراء التراجيديا لم يقوموا جميعاً عند الاقدام على كتابة مسرحية- وهم فى ذلك متأثرون بهوميروس- بسرد كل حوادث الأسطورة أو الحكاية التاريخية، بل يأخذوا موضوعاً واحداً، وكانوا يقصرون زمنه على يوم واحد وباقى الأحداث يتم سردها كما يتضح هذا فى مسرحياتهم فمثلاً عندما استعان اسخيلوس بتكنيك هوميروس فيما يتعلق بالشكل نجده "يطور هذا الشكل من قبل النموذج الأصلى الذى أبدعه هوميروس، فى المسرحيات التى أعقبت "الفرس" وسبعة ضد طيبة" وهناك فى "الضارعات" صراع جلى بين العذارى ومطارديهن، فيما يحاولون التأثير فى الملك فى اتجاهين متعارضين وفى الأوريستيا نسجت كل مسرحية حول صراع مختلف: أولاً كليتمنسترا ضد اجاممنون، ثم أورست ضد كليتمسنترا، وأخيراً ضد ربات الإنتقام، هنا يحنوا اسخيلوس حذو هوميروس فى إدراك الألهة أنفسهم، وهو فى مسرحيته "برومثيوس" يدفع التببتان فى مواجهة زيوس ذاته".
إن اسخيلوس قد حذا حذو هوميروس فيما يتعلق بالشكل، وبطبيعة الحال ينطبق هذا الأمر على سوفوكليس من خلال مسرحياته سواء "أوديب ملكاً" أو "إياس" أو باقى الأعمال. كذلك استفاد شعراء التراجيديا من "إلياذة" هوميروس فيما يتعلق بموضوعات الحروب والمعاناة وصراع الرجال الشجعان وعواطف الحب والفرق وكلها مشاعر إنسانية اتضحت فى أعمال شعراء التراجيديا مع ربطها بالقدر على طول الخط. كما أكد كوفمان كذلك على ثمة ثالثة أراها تحقق بذلك الثالوث الذى ورثه شعراء التراجيديا من "الإلياذة" فقد ذكرنا أولهم وهو مبدأ الترتيب وثانيهم هو التأكيد المحورى على فظائع الوجود الإنسانى على مستوى الموضوع، وثالثهم هو "الإنسانية العميقة التى تعيش المعاناة باعتبارها ذلك والموت بحسبانه موتاً، حتى وهما يحلان بساحة العدو.
إن ميراث هوميروس خاصة الإلياذة "قدمت إلى الشعراء طرق التعامل مع الإبداع الأدبى خاصة شكل التراجيديا- كما سبق وذكرنا- كذلك على مستوى المضمون فيما يتعلق بطبيعة الموضوعات كذلك طرق التعامل مع الآلهة والقدر باعتباره منهجا- أنتهجه هوميروس- سار عليه شعراء التراجيديا إلى أن نصل إلى يوربيدس الذى جرى قلمه فى طرواديات بعبارات تجلب فيها روح الإلحاد وجحود الآلهة واعتقاد أن كل ما حدث فى الوجود ليس إلا نتيجة لقوانين الطبيعة وأعمال البشر". وهو ما اتضح فى معظم أعماله المسرحية". وهو ما يجد اتفاقاً على طول الخط فيما سبق أن ذكرنا مع د. أحمد عتمان الذى حدد من خلاله دراسته الرائدة "الأدب الإغريقى تراثاً إنسانياً وعالمياً" الجوانب الفنية لإبداع هوميروس تلك الجوانب التى حددها هو أيضاً اتفاقاً مع كاوفمان فى طبيعة الموضوعات التى سجلها فى "الإلياذة خاصة وحدة الموضوع، إن الإلياذة لا تعالج سوى حادثة واحدة من السنة العاشرة فى الحرب الطروادية" كما تحدث أيضاً عن طبيعة رسم الشخصيات وهو ما يضيف إلى عظمة هوميروس الكثير فيما يتعلق بما تركه اللاحقين من الشعراء وكذلك أرسطو الذى لا نستطيع أن ننكر على طول الخط أنه استفاد منه كثيراً.
رسم هوميروس فى الملامح شخصياته ولكننا لا نجده "يتغنى فقط بأمجاد الرجال، بل بأفعال الآلهة أيضاً، فهذان العنصران متلازمان، تعمل كل من فئة الآلهة والرجال بالتعاون مع الأخرى، بل تعمل الواحدة منهما على كشف النقاب عن الخصائص الجوهرية للأخرى من زوايا مختلفة ومتعددة بحيث تتضح لنا صورتيهما معا على نحو متكامل فى النهاية"
بقى أن أستعين بما ذكره الدكتور أحمد عتمان فى دراسته سالفة الذكر عن الآلهة فى الإلياذة لهوميروس وعن الآلهة وأربط بين الإلهام عند هوميروس وعند أرسطو من بعده الذى حدد أن الشعر إلهام فقد حدد هوميروس أن الشعر إلهام خالص من عند ربات الفنون.
2- هسيودوس والارهاصات النقدية الأولى من خلال أشعاره:
يميز هذا العصر الأيونى- الدورى نوعان من الشعر سيطرا على الإبدعات الفنية الشعرية وهما الشعر الحماسى والشعر التعليمى الأول: نستطيع أن نجده فى ملحمتى هوميروس الإلياذة والأوديسا، أما النوع الثانى: وأقصد به الشعر التعليمى فيتضح من خلال إبداعات هيسيودوس خاصة قصائده "الأعمال والأيام" و "تيوجونيا" أو (النسب الآلهة).
وقد اتفق بعض الدارسين على أن "الشعر التعليمى ينسب إلى هيسيودوس الذى خلق منه فناً بلغ به حد الكمال هذا من ناحية.
من ناحية ثانية فقد تميزت إرهاصات هيسيودوس الشعرية الأولى بأنها اقتربت من نواحى الحياة اليونانية خاصة مسائل الأخلاق وما يتمثل فيها من جوانب التطور الأدبى والسياسى والاجتماعى هذا إلى جانب أنه اقترب كثيراً من الواقعية فى رسم ملامح شخصيات أعماله الشعرية؛ فهو لم يقدس الملوك وأبناء الآلهة أو أنصافها. بل وصفهم بأوصاف كثيراً ما يوصف بها البشر الماديين من القوة والضعف والأمانة والسرقة والجشع والرشوة، كذلك اقترابه من حياة بسطاء الناس من العمال والفلاحين وتمجيده للعمل وتوجيه النصح إليهم. أما عن قصيدته الثانية "أنساب الآلهة" فقد تعرض فيها للجوانب الدينية الخاصة ببلاد اليونان وأصول عقائدهم وأخبار الآلهة.
تتألف قصديته الأولى من ثمانمائة بيت، وتنقسم بطبيعة الحال إلى ثلاثة أقسام اعتماداً فى ذلك على أساليب الكتابة والغرض من كتابتها والمناسبات التى قدمت فيها. بينما تتألف القصيدة الثانية من ألف بيت وقد كتبت بنفس اللغة اليونانية( ) التى ألفت بها قصائد هوميروس وقصيدة "الأعمال والأيام" غير أن بها بعض تراكيب وعبارات مقتبسة من لهجات إغريقيا الأوربية".
مما سبق نستطيع القول: إن هيسيودوس "يمثل المرحلة الانتقالية بين الشعر الملحمى والقصائد الذاتية أو ما نسميه الشعر الغنائى، ولذلك نجده يجمع بين خصائص الملحمة وظهور الروح الفردية". إن الملحمة التى سيتحدث عنها بعد ذلك أرسطو يفرق بينها وبين الدراما والتى ستعود فى القرن العشرين من خلال مسمى خاص ببريخت فى مسرحه الملحمى المعتمد على عدد من اللوحات المتجاورة المتراصة التى لا يربطها إلا الموضوع المعالج، نجد الملحمة عند هيسيودوس من خلال قصيدته "الأعمال والأيام" تلك القصيدة غير المحكمة البناء، حيث "لا ترتبط العناصر المكونة لها ببعضها البعض إلا بخيوط واهية يمكن فصمها- فنحن ننتقل فى القصيدة من قوائم كاملة للحكم والأمثال. إلى أحداث ملحمية الطابع، إلى استطرادات بعضا يتصل بالترجمة الذاتية للشاعر نفسه، وبعضها الآخر بعيد عن ذلك كل البعد".
إن قصيدة "أنساب الآلهة" تؤكد على فكر ة أساسية سرعان ما نجد أرسطو من بعد يؤكد عليها فى كتابه "فن الشعر" وهى فكرة الإلهام فى الشعر، ذلك أن القصيدة تبدو "وكأن مؤلفها قد نظمها بإيعاز من ربات الفنون نفسها".
إن فكرة الإلهام التى تحدث عنها هوميروس ومن بعده هيسيودوس قد استمرت بعد ذلك إلى أن أكدها أرسطو واستمر مبدعو الآداب الكلاسيكية يؤكدون على الإلهام فى الفن. مما يجعلنا نؤكد على أهمية الإرهاصات الأولى لإشعار كل من هوميروس وهيسيودوس وصولاً إلى بنداروس.
3- بنداروس:
اهتم بنداروس الذى تضاربت الأقوال حول سنة ولادته، يعتقد البعض أنه عاصر الشاعرة كورينا" على حين يؤكد د. عبد الواحد وافى أن بنداروس ولد حوالى سنة 521 قبل الميلاد ، وبرع فى الشعر الغنائى؛ حيث تغنى فى قصائده الغنائية بأمجاد الأبطال فى المسابقات الرياضية، وقد تخطى الأبطال إلى الحديث عن أسرهم بل يصل به المدح فيمدح "المدنية التى أنجبت مثل هذا البطل ثم يورد قائمة بالإنتصارات التى سبق لهذه المدينة أن حققتها. ثم يعبر بنداروس عن مشاعره الخاصة ويورد قولاً سائراً أو حكمة مأثورة مناسبة ليختم بها القصيدة".
اهتم علماء مدرسة الاسكندرية وشعراؤها بشعر عدد من الشعراء منهم على سبيل المثال الشاعر بنداروس الذى ألف فى جميع فروع الشعر الغنائى الذى كتبه باللهجة الدورية الفصحى ملتزماً فى نتاجه بلغة الشعراء فى ذلك الوقت عرف شعراء الإسكندرية أشعاره "وجمعوها فى سبعة عشر كتاباًَ ووصل إلينا ما يقرب من ربع هذه الأشعار، أى أربعة كتب عبارة عن أربع وأربعين أغنية نصر فى الألعاب الأوليمبية والبثينية والإسثمية والنيمية وأحدى عشرة أغنية لأهل جزيرة إيجنيا المكان الذى شعر فيه بالراحة أكثر من غيره. أما أهل صقلية فقد فازوا من بنداروس بست وعشرين أغنية.
تميزت أشعار بنداروس بأنها حققت بعض السمات والملامح الفنية التى صادف أن ورد بعضها عند هيسيودوس وهوميروس من قبل وهو ما سيتضح بعد ذلك عند "أرسطو" فى كتابه "فن الشعر"، تعكس أشعار بنداروس سيطرة الطابع الدينى مما جعل هذه الأشعار- إلى جانب ما ذكرنا- تهدف إلى المدح والثناء، لكن الشاعر لا يغفل الجانب الدينى، وهو ملمح يؤكد على الرواية التى تحكى عنه وهو صغير، "إذ تروى أنه فى طفولته الأولى جاءت مجموعة من النحل وحطت على فمه وهو نائم وأخذت تفرز عليه رحيقها، فكانت هذه بشارة إليه بأنه سيخرج الشهد من هاتين الشفتين" هذا من ناحية.
من ناحية أخرى فقد برع هوميروس وهيسيودوس من قبل فى توظيف الأسطورة فى إبداعاتها الشعرية. ورغم تفاوت مساحات التعامل مع الأسطورة بين هذا وذاك، فإن شاعرنا بنداروس لم يبتعد عن هذا السبيل ولكنه تميز بأنه عندما يعود إلى الأساطير، فهو لا يبقى فى جو الماضى السحيق، بل نجده ينتقل إلى الحاضر فيربط بذلك بينه وبين الماضى وهو ما يذكرنا بعد ذلك ببعض كتاب المسرح الذين عادوا إلى الأساطير والتاريخ ثم أسقطوا على الواقع مما خلق جواً من التجديد فى توظيف الأساطير أو التاريخ فى المسرح.
إذا كان هوميروس وهيسيودوس قد أشارا من قبل إلى صفة الإلهام فى الإبداع الشعرى وأنه إنما يوحى إليهما من عند آلهة جبل الأولمبوس الأثنى عشر، فإننا لا نجد بنداروس ابن الطبقة الارستقراطية قد ابتعد عن وظيفة الشعر التى حددها بأنها. "إلهام من الآلهة" إنه هدية من السماء له، فضلته به على غيره. ولكنه كان يرى أيضاً أن عليه أن يكثف جهوده ويحسن استغلال ما وهبته ربات الفنون. إنه يطلق على نفسه لقب "نبى ربات الفنون" أى المتحدث باسمهن".
إن بنداروس بذلك يحيى وظيفة الشعر الذى ذكرها من قبل هوميروس وتلاه بعدها هيسيودوس، لكنه لا يكتفى بالإلهام. فيما يتعلق بوظيفته ومنابعه وإن أكد على صفة هامة طالما نادى بها وأعدها خاصية هامة بدونها يفقد إبداعه الصدق، وأقصد بها الصدق فى أشعاره فقد عاب على من قبله خاصة هوميروس وهيسيودوس أنهما ضمنا أشعارهما حكايات وروايات بعيدة عن الصدق وهو ما جعله يستنكر أقوالهما بتكذيب الآلهة، أنها تفعل ما يفعله بنو البشر من الكذب والظلم والخداع وغير ذلك.
2- النقد لدى السفسطائيين (النقد قبل افلاطون):
وجدت قبل أفلاطون وأرسطو محاولات غير منهجية متفرقة فى النقد اليونانى، تمثل أقدمها فى المسابقات التى كانت تنظمها حكومة أثينا فى أعيادها الدينية، وكان عدد المحكمين الذين يكلفون بالحكم هو عشرة أعضاء خاضعين فى تحديدهم لنظام الاقتراع، بمجموعة من المعايير على أساسها يحدد الفائز فى المسابقة، وكانت تمنح الجوائز للفائزين من بين الأعضاء العشرة على أساس الاقتراع، ولم تكن هذه الأحكام الأدبية مسببة معللة من الناحية الفنية. وكان "يقلل من قيمتها فى النقد العام الاقتراع الخاضعة له، على أن الجمهور بصيحاتهم وضوضائهم كان لهم دوراً إيجابياً أو سلبياً فى التأثير على المحكمين، ومن الثابت تاريخياً أن الرشوة كانت تقدم أحياناً إلى هؤلاء المحكمين. ولهذا لم تكن لهذه الأحكام العامة قيمة كبيرة فى تاريخ النقد.
ظهور السفسطائيين فى الحياة الأدبية والفكرية:
اتفقت الآراء على أن القرن السادس قبل الميلاد يعد بداية ظهور السفسطائيين فى مجال الحياة الفكرية والأدبية ذلك أن هذه المرحلة شهدت تحولاً واكتمالاً لمجموعة من الفلاسفة الأيونيين الذين أرادوا أن يكملوا مشوار السابقين من الشعراء والذين حاولوا- هيسيودوس على سبيل المثال- أن يشرحوا وجهة نظرهم تجاه الكون وتاريخ أنساب الآلهة، مما ترتب عليه أن إدراك الفلاسفة أنه لابد وأن يعتمدوا على النثر، وهو ما تم بعد ذلك حيث تحول الفلاسفة إلى لغة النثر ليبدعوا تراثاً أدبياً فلسفياَ، حاولوا به أن يفرضوه على الاثينين.
إن ظهور السفسطائيين ومحاولتهم أن يفرضوا آراءهم على جمهور الاثينيين قد تمثل فى أنهم سموا أنفسهم المعلمين وادعوا أنهم معلموا الحكمة. وكانوا يرون أن العلم اليقينى مستحيل وأن إدراك الحقيقة العلمية غير ممكن، فالخطباء والبلغاء فى نظرهم هم الأجدر بأن يسموا علماء ما داموا يستطيعون أن يقرروا ما ليس مقررا فى الواقع، وما داموا يستطيعون أن يثبتوا أصولاً وقواعد لا أساس لها. وبذلك يكون العلماء من وجهة نظرهم هم صناع الكلام ومهندسوا الجمل والعبارات، وهم الخطباء والبلغاء وحدهم، وكل ما يسميه العلماء حقائق إنما هو مظاهر لا حقيقة من وراءها.
وهكذا ازدهرت السسفسطائية باعتبارها حركة فكرة ارتبطت بتطور النثر مما ترتب عليه أن دخلت فى كافة مجالات المعرفة والإبداع إلى أن نصل إلى سقراط معلم الإنسانية الأول لطريقة الجدل وأسلوب الاستجواب الذى لم يكتب كلمة واحدة. انتشرت حركة السفسطائيين وبشكل واسع بوصولنا إلى أواسط القرن الخامس قبل الميلاد حيث لاح السبيل إلى تحقيق الفضيلة والحكمة.
إن كلمة سوفيستيس is تعنى فى اليونانية الماهر فى حرفته والبارع فى صنعته، ومن ثم تدوول هذا المصطلح وأصبح يطلق على الشخص "المحنك" فى أمور الدنيا الخبير بفن الحياة أى "الحكيم" ومنذ أواخر القرن الخامس قبل الميلاد صارت تطلق على هؤلاء المعلمين المتجولين الذين كانوا يعلمون النحو والبلاغة والخطابة والسياسة، وغير ذلك من ألوان الشعر والموسيقى" وقد سعى الناس من أجل الاستفادة من المعلم السقسطائى لكى يحققوا النجاح فى تقلد المناصب العامة، وبذلك أصبح الجدل والكلام مهنة وصنعة يمتهنها الكثير من الناس الساعين إلى تحقيق النجاح والمجد. لكنه مع مرور الوقت اكتسبت كلمة سفسطائى معنى معيباً فأصبحت تعنى المراوغة والتضليل والخداع وهو ما سبب هجوم سقراط وأفلاطون فى حملات ضدهم متهمين السقسطائين بمحاولة نشر التعليم والبلاغة بين الناس مهتمين فى ذلك بصور وأشكال التعبير دون الاهتمام بجوهر المعرفة.

ارستوفانيس وأولى محاولات النقد الجدية
كثر الحديث عن ارستوفانيس بوصفه رائداً للكوميديا على المستوى العالمى لدرجة أن كثيرا من النقاد يرى أنه وبرناردشو قد احتلا مكانة راقية فى مجال الكوميديا. على أن بعض الدارسين ينكر أهمية أرستوفانيس فى مجال النقد الأدبى وإسهاماته فى مجال تطوير فنية بناء المسرحية.
يقول الدكتور محمد صقر خفاجة فى كتابه المعنون "دراسات فى المسرحية اليونانية" "إن الكوميديا القديمة التى ارتقت على يديه- يقصد أرستوفانيس- بدأت تضعف وتسير إلى زوال وظهرت مكانها الملهاة المتوسطة عام 400 قبل الميلاد، ولم تكن هذه شيئاً مذكوراً؛ فقد انصرفت عن إصلاح المجتمع ومعالجة الأساطير والتهكم بأبطالها ولجأت إلى دراسة الفلسفة والنقد الأدبى وهكذا أدرك الدكتور خفاجة وبعض من المتخصصين فى مجالات الدراسات الكلاسيكية أهمية ما قدمه أرستوفانيس من آراء هامة فى مجال النقد الأدبى".
إن إرستوفانيس من خلال مسرحية "الضفادع" يحدد وظيفة الكاتب المسرحى ودوره، كما يوضح ويؤكد أيضاً على أسلوب الناقد ووظيفته فى "موازانته بين شاعرين من خلال معالجة درامية تجعل المتأمل فيها يستخلص من بين نسيجها العناصر المختلفة لأدوات الناقد فى تناوله بالنقد المقارن نتاجاً شعرياً، لشاعرين مختلفى الأسلوب شكلاً ومضموناً". فمن خلال مسرحية "الضفادع" نتعرف بموت شاعر التراجيديا يوربيدس وبذلك فقد رحل جيل شعراء التراجيديا الكبار، ومن ثم يبحث أرسطوفانيس من خلال هذه المسرحية عن كاتب تراجيديى جديد حيث يظهر الإله ديونيسوس الذى تنكر فى زى البطل هيراكليس ويقرر النزول إلى العالم السفلى لإحضار كاتب تراجيدى إلى أثينا بعد أن فقدت أثينا شعراءها الكبار. يزور البطل هيراكليس ليدله على أقصر الطرق إلى عالم هاديس، وبعد أن كان أرستوفانيس قد سخر من شاعر المآسى يوربيدس، وبالفعل ففى أثناء مقابلة شعراء التراجيديا تدور مناظرة أدبية بين الشاعرين اليونانيين يوربيدس وإسخيلوس، وفى هذه المناظرة ذات الطابع الهزلى يتضح لنا المضمون الجدى الذى يسعى أرستوفانيس إلى تحقيقه وذلك من خلال كشف بعض عيوب يوربيدس فى مجال الكتابة المسرحية أهمها أنه قوض مبادئ الدين والخلق التقليدية التى نادى بها اسخيلوس وهدمها. وهكذا "تظهر هذه المساجلة الأدبية التى يهاجم فيها كل شاعر زميله وينقد مسرحياته، براعة أرستوفانيس فى النقد الأدبى، وحسه الفنى المرهف، فزعم أن بعض أوجه النقد كانت على سبيل الفكاهة، لكنها تدل على حس فنى عالٍ، ودقة بالغة فى النقد الأدبى".
وهكذا تصبح هذه المسرحية وثيقة نقدية الملامح التى لابد وأن تتوافر بالمسرحية على مستوى المضمون والشكل ولعل نهاية المسرحية تأتى طبيعية فبرغم مكانة يوربيديس الفنية فى مجال المسرح وقدراته الإبداعية العالية يقرر ارستوفانيس أن أثينا بحاجة فى هذا الوقت إلى شاعر يتمتع بقدر من المحافظة على التقاليد الدينية لكى نواجه السفسطائين وعليه فإن هذه العيوب الفنية والخلقية ربما حالت بين يوربيدس وبين اعتلاء منصة الريادة للمسرحية الاغريقية فى وقت استدعى شاعراً ملتزماً تجاه مشكلات مجتمعه الأخلاقية والاجتماعية وهو ما سوف يتجلى بعد ذلك فى فلسفة أفلاطون وأرسطو من بعده.
وهكذا تؤكد هذه المسرحية أن معايير النقد التى سيسجلها "أرسطو" فى كتابه "فن الشعر" قد تبلور بعض منها قبله بكثير فقد أدركنا كيف استطاع أرستوفانيس أن يعقد هذه الموازنة بين الشاعرين وهو بطبيعة الحال شاعر يتمتع بقدرات فنية عالية هذا من ناحية، من ناحية ثانية فقد نجح أرستوفانيس فى التماس المبررات الفنية لكل منهما مؤكداً أن المجتمع اليونانى تمتع بمكانة عالية راقية فيما يتعلق بمسائل الفن والفنانين فقد بين لنا أرستوفانيس أن "وظيفة الناقد تتجلى فى بناء أحكامه على أسس جمالية، وعليه أن يتبع فى نقده منهجاً علمياً سليماً، فيدرس النص الأدبى دراسة مفصلة ويحلله تحليلاً دقيقاً واضعاً نصب عينيه ظروف الأديب وحياته وأثر ذلك على عمله الأدبى من حيث بنية هذا العمل وتركيبته المعتمدتين على صياغة الأثر الأدبى لفظاً وتصويراً مجازياً".
لكن الكثير من الدارسين والمتخصصين فى الدراسات المسرحية القديمة منها والحديثة يرى فى مجمل آراء أرستوفانيس التى طرحها من خلال مسرحيته الضفادع ما يجعلها لا ترقى لتكون نظرية نقدية ذلك أنه "لم يكن هناك قبل أفلاطون نقد أدبى حقيقى بمفهوم النظريات الأدبية عدا ما احتوته كلمات الشعراء من سطر أو اثنين وبعض المقتطفات اليسيرة التى تضمنتها الموضوعات الفلسفية، وحتى بالنسبة للأحكام التقديرية الأدبية المشرقة التى طرحها أرستوفانيس فى كوميدياته فإنها تعد تطبيقية أكثر منها نظرية ذلك أن الأحكام النظرية الحقة التى اعتمد عليها كثير من الشراح والمنظرين تمثلت فى أحكام أفلاطون" وأفكاره هذا من ناحية.
من ناحية ثانية فإن ما يتعلق بالنقد التطبيقى أو بمعنى أدق التنظير للنقد التطبيقى المتعلق بالنص المسرحى وتقديمه على خشبة المسرح فهى قضية سنعرض لها مؤكدين على أهمية تناول هذه الإبداعات التى تركها كتاب المسرح اليونانى باعتبارها عروضا مسرحية تخضع للتقنين وتصلح لأن نطبق عليها العديد من المناهج النقدية عبر مراحل تطور المسرح.
إن المناظرة التى عقدها أرستوفانيس بين شعراء التراجيديا اليونانية ليكشف لنا- كما سبق القول- كيف ينظر أرستوفانيس إلى حالة المأساة وما أصابها وفى السطور التالية نورد نص المناظرة الأدبية.
إسخيلوس، وسوفوكليس، ويوربيدس، كما يراهم أرستوفانيس:
يوربيدس: أريد قبل كل شىء أن أتهم هذا الرجل (إسخيلوس) بالغش والكذب، وأبين الحيل التى كان يهزأ بفضلها المتفرجين الأغبياء الذين اعتادوا مسرحيات مرينيكوس: أولاً كان يجلس شخصية ما، شخصية واحدة، تكون أخيل، وقد تكون ثيوبية، من غير أن يظهر وجهها أو يجعلها تنطق بكلمة واحدة وكأنها "كومبارس" فى إحدى المآسى.
ديونيزوس: لا، بحق زيوس، لا.
يوربيدس: كان الكورس يلقى أربع مجموعات من الأغانى دفعة واحدة وبلا انقطاع، فى حين تظل الشخصية صامتة.
ديونيزوس: كنت أحب هذا الصمت، وأجد فيه متعة تفوق بكثير تلك التى أجدها فى ثرثرة اليوم.
يوربيدس: ذلك لأنك مجرد أبله، ليكن فى علمك هذا.
ديونيزوس: هذا رأى أنا أيضا. لكن لماذا كان يفعل ذلك.
يوربيدس: رغبة منه فى الخداع، حتى ينتظر المتفرج، من غير أن يتحرك، أن تنطق الشخصية- ثيوبية مثلاً- بشىء وكانت المسرحية تسير.
ديونيزوس: يا له من محتال حقاً: ولكم خدعنى (اسخيلوس). لما هذا التلوى، والحركات الدالة على نفاد الصبر؟.
يوربيدس: وبعد هذه الترهات. عندما كانت تبلغ المسرحية منتصفها، كانت الشخصية تنطق "بدستة" كلمات بحجم الأبقار. مزوقة عالمية المعنى، كلمات هى نوع غريب من "خيال المقاته" لا يعرفه المتفرجون.
اسخيلوس: الويل لى.
ديونيزوس: اسكت.
يوربيدس: لكنها لا تنطق بكلمة واحدة واضحة المعنى.
ديونيزوس: (إلى اسخيلوس) لا ترتعد هكذا.
يوربيدس: كان كل شىء عنده عبارة عن أنهار مقدسة، وخنادق، ونسور وعقبان نحاسية مطروقة على الدروع، وكلمات مطهمة لا يتيسر فهمها.. ومنذ اللحظة التى تسلمت فيها منك المأساة المكتظة بالألفاظ الفخمة والكلمات الثقيلة، عملت قبل كل شىء، على التقليل من وزنها وتخفيفها ببعض الأشعار الوجيزة، والاستطراد فى القول... والسلق الأبيض، معطيا إياها بعض الحماقات المغلية التى كنت استخلصها من الكتب. ثم ارتقيت بها بإضافة "المونولوج Monodies وبعض ما كتب سيفبزوفون فضلاً عن أننى لم أكن أخلط فى القول جزافاً أو أهجم على خشبة المسرح، مفسداً كل شىء بل كانت الشخصية الأولى عندى تبدأ فى الحال بعرض أصل المسرحية.
ديونيزوس: (جانبا) هذا أفضل لك فعلاً من عرض أصلك أنت.
يوربيدس: وبعدها، كنت لا أدع شيئاً بلا حركة، ابتداء من الأبيات الأولى، كنت اجعل المرأة والعبد يتكلمان بنفس القدر، والسيد والابنة والعجوز، إذا لزم الأمر.
اسخيلوس: ولا تستحق الموت من أجل جرأتك هذه؟
يوربيدس: لا بحق أبولو، فقد كان ما فعلته شيئاً ديمقراطياً.
دينوزوس: (إلى يوربيدس، بصوت منخفض): دعك من هذا يا عزيزى فالحديث عن هذه النقطة قد لا ينفعك كثيراً.
يوربيدس: ويعدها (يشير إلى المتفرجين) علمت هؤلاء الثرثرة ... وتطبيق القواعد الدقيقة، وقياس الأبيات بالمسطرة والتفكير، والرؤيا، والفهم، وحب الالتفات، والتآمر، وإحداث الشر، والنظر بعين الاعتبار إلى كل الأمور... وذلك لأننى قدمت الأمور المنزلية التى اعتدناها على خشبة المسرح كانت هذه الأمور تعرضنى للنقد؛ لأن المتفرجين كان بوسعهم أن ينتقدوا فنى من خلال الأحداث، لكنى ابتعدت عن كل أسلوب يثير الضجة.
اسخيلوس: حتى لا يقول إننى نسيت ما قصد قوله (إلى يوربيدس) أجبنى ماذا يعجب المرء فى الشاعر؟
يوربيدس: يعجبه ذكاؤه وعتابه، لأننا نجعل سكان المدن أفضل مما هم عليه.
اسخيلوس: وإذا كنت لم تفعل ذلك، بل أفسدت تماماً أناسا شرفاء كراماً، فما هو العقاب الذى تستحقه؟.
ديونيزوس: الموت. ما هو بالشخص الذى ينبغى أن تسأله عن ذلك.
اسخيلوس: انظر إذن أى رجال تلقى منى فى البداية، رجالاً بواسل طول الواحد منهم أربع أذرع، لا مواطنيين هاربين، أو متسكعين فى الميادين العامة، أو مهرجين كما هو الحال اليوم- أو دساسين رجالاً كانوا لا يظهرون إلا بالحراب والرماح، والقبعات ذات الريش الأبيض، والخوذ والقلوب التى تلفها سبع طبقات من جلد الأبقار.
يوربيدس: حسن ها هى دى الليلة قادمة سيرهقنى مرة أخرى بالحديث عن خوذة.
ديونيزوس: وأنت ماذا فعلت كى تعلمهم البسالة تكلم يا أسخيلوس ولا تمعن فى الغضب المتعالى.
اسخيلوس: أية مسرحية يحتلها الإله أرس.
ديونيزوس: ألفت مسرحية.
اسخيلوس: "سبعة ضد ثيبة" كل من رآها تحرق شوقاً إلى القتال.
ديونيزوس: وشرا فعلت لأنك زدت من شجاعة الثيبين فى الحرب خذ هذا مكافأة لك (يتظاهر بضرب اسخيلوس).
اسخيلوس: إيه ما كان عليكم إلا أن تتدربوا لكنكم لم تدأبوا على الأمر بعد ذلك. مجدت مفخرة رائعة عندما قدمت مسرحية "الفرس" التى قلت فيها "إن التطلع الدائم إلى هزيمة العدو أمر ضرورى".
ديونيزوس: لقد خلبت لبى، على أية حال عندما استهلك رثاؤك للملك داريوس الراحل فى الحال أخذ "الكورس" يصفق هكذا صائحا يوه، أوه.
اسخيلوس: تلك هى فعلا الموضوعات التى لابد للشاعر من معالجتها انظر كيف استفاد الناس منذ البداية، ممن لهم نفس نبيلة من الشعراء، أطلعنا أورفيوس على الأسرار. وعلمنا الامتناع عن القتل وحدثنا موزيه عن علاج الأمراض وعلم الغيب، ودلنا هيزيود على الفلاحة، وفصول جنى الثمار. والحرث. وهوميروس العظيم، من أين أتى بالمجد والشهرة، إن لم يكن من تلقينه الناس بعض الأشياء المفيدة تنظيم المعارك، والصفات الحربية، وتسليح الرجال.
نقد سقراط
عند التحدث عن آراء سقراط عامة. ومنها ما يتعلق بالحياة الأدبية والفكرية خاصة أنه كثير ما يعاود الدارسون قراءة إنتاج أفلاطون تلميذ سقراط ومن بعده أرسطو حفيد سقراط، إذ يمثل الثلاثة أعلام الفكر والفلسفة اليونانية، ذلك أن ازدهار الحياة الأدبية فى بلاد اليونان ترتب عليه نهضة فكرية وتقويمية لهذا النتاج تمثلت فى المحاولات النقدية التى تنسب إلى سقراط ومن جاء بعده وصولاً إلى أرسطو.
عاش سقراط فى فترة انتعاش أثينا الأدبى والفكرى والفنى فى أثناء القرن الخامس قبل الميلاد (469-399ق.م) وهى فترة منحته الفرصة للمشاركة ومتابعة انتعاش الشعر الملحمى والشعر التعليمى والشعر الغنائى هذا إلى جانب الثراء المسرحى المتمثل فى أعمال شعراء التراجيديا جنباً إلى جنب مع شعراء الكوميديا، هذا من ناحية.
من ناحية ثانية فقد سبق أن تحدثنا عن انتعاش فن الخطابة عند السفسطائيين مما ساعد سقراط على المشاركة وإبداء الرأى فيما يسمعه ويراه، خاصة إذا وضعنا فى حساباتنا ما ارتبط به من محاورات ومناقشات ارتبطت باسمه وأودت بحياته فى نهاية الأمر.
تحدث سقراط عن الشعراء أمام القضاة وفرق بينهم وبين رجال السياسة فقد قرأ مسرحيات شعراء بلاد اليونان وعلى الفور أعلن أن "الشعراء لا يصدرون فى الشعر عن حكمة ولكنه ضرب من النبوغ والإلهام، وإنهم كالقديسين أو المتنبئين الذين ينطقون بالآيات الرائعات، وهم لا يفقهون معناها. هكذا رأيت الشعراء، ورأيت فوق ذلك أنهم يعتقدون فى أنفسهم الحكمة فيما لا يملكون فيه شيئاً استناداً إلى شاعريتهم القوية وعليه نستطيع القول إن من بين ما ذكره سقراط عن الشعر والشعراء جانب الإلهام وهو ما يعد أيضا اتفاقاً مع من سبقه من الشعراء أمثال هوميروس وهيسيودوس وبنداروس الذى زاد على الإلهام صفة الصدق فيما يقوله الشاعر المسرحى، وعليه تعد فكرة الإلهام فى الشعر والفنون فكرة لا تنسب إلى أفلاطون أو أرسطو من بعد فقد قالها الشعراء السابقون من قبل وهم بذلك يقفون ضد من يقول: إن الشعر فن وصناعة، ومن لا يعرف جيداً أصول هذه الصنعة ومكوناتها الفنية لن يبدع أبداً.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الحركة النقدية الإغريقية قبل أرسطو ( الإرهاصات النقدية الأولي التي يمكن استخلاصها من أشعار هوميروس -هيسيودوس - بنداروس )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: