دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 هوراس وأراؤه في كتاب فن الشعر .. بين النقد ونظرية الدراما

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: هوراس وأراؤه في كتاب فن الشعر .. بين النقد ونظرية الدراما    الأحد أبريل 10, 2011 11:16 am


هوارس وآراؤه
فى كتابه "فن الشعر" ()
بين النقد ونظرية الدراما
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
========================
يتضمن كتابه فن الشعر Arspocticaثلاثة موضوعات هى:
1- وظيفة الشعر.
2- الدراما.
3- الصناعة والالهام.
الموضوع الأول: وظيفة الشعر (65-8 ق.م)(أراؤه النقدية )
ولد :"هوارس" سنة 65 ق.م ( ) لأب قروى بسيط أعتق أبوه قبل مولده من العبودية، لكنه ظل يعانى الكثير على ألسنة معيرية وأقلامهم فى صدر حياته.
تحدث الكثير من النقاد عن كتابه "فن الشعر" وقالوا: إن هذا المقال به كثير من القضايا التى تعتبر من أخطر أحكام النقد الأدبى على الإطلاق حتى أن الناقد المحترف ليحار فى تحديد موقفه من الشاعر المراوغ ومن قصيدته كثيرة المزالق. ثم إن فى إنشاء المقال ظاهرة تسترعى الانتباه. ألا وهى التفكك الشديد بين أجزائه، مما يدل على أنه نظم فى فترات متباعدة: فهو يبدأ الكلام من عناصر الأدب، ثم ينتقل إلى مشكلة اللغة والإشتقاق، ثم يقفز إلى مسألة من مسائل العروض عرضت له، ثم يعود وينتقل إلى الدراما وأصولها ثم يعود بك إلى شعر الملاحم، ثم يرجع إلى منشأ الدراما مرة أخرى ثم يعرج على مشكلة الفن والإلهام، ثم يتراجع إلى الدراما من جديد، ثم يتناول وظيفة الشعر، ثم يعود إلى مشكلة الفن والإلهام وهكذا تغلب على هذا المقال هذه الصفة.
الوحدة العضوية (وحدة الفعل):
كانت للشعر وظيفة، وكانت تلك الوظيفة هى التعليم، وإلى عهد أريستوفانيس كان مقام الشاعر فى المجتمع هو مقام المعلم، نجد هذا مفصلاً فى كوميديا الضفادع، كما وجدنا ما يدل على شيوع هذا الرأى عند الاغريق هو تكراره على يد هوميروس وغيرهم، حيث لم يقتصر هذا الرأى على المآسى، بل تعداها إلى الكوميديا. فنحن نجد ما يدلل على صحة رأينا عند أريستوفانيس فى كوميدياته ( ).
ولكن وظيفة التعليم هذه التى نسبها القدماء للشعر لم نجد لها مفسراً أصدق من أرسطو. ففى الكاثارسيس التى بسطها أرسطو نجد لها شرحاً دقيقاً فى كتابه "فن الشعر" وللطريقة التى تفعل بها المآسى فى قلوب الناس.
2- هوارس ومقاله حول "فن الشعر"
تعرض هوارس فى مقاله عن "فن الشعر" لهذه المسألة- أقصد وظيفة الشعر- لكننا نجد ضحالة علم هوارس ومراوغته فى تقديم آرائه فى وظيفة الشعر.
أما عن الضحالة فتتضح فى سياق نص المقال، إذ يقول معدداً آثار الشعر والموسيقى فى آن واحد، لما كان الناس خائفين متوحشين، روعهم أورفيوس المقدس، ترجمان الآلهة، من سفك الدماء ومن سوء الحياة التى يحيونها، لذا قيل عنه أنه روض النمور والسباع الكاسرة إلى غير ذلك من الوصف الذى يحاول أن يفرق بين شئون الجماعة وشئون الفرد فبعضها يحفز قلوب الشجعان للمعارك والبعض الآخر يستجدى عطف الملوك فى قصائد من ربات الشعر وبرغم ذلك، وبرغم ما فى هذا التعداد من جمال وإنتعاش ومحاولة ساذجة للحصر والإفادة، فإنه لا يشهد بغزارة علم هوارس وخصوبة تفكيره.
أما الرغبة فى المراوغة فتتمثل الوسيلة التى توسل بها ليتجنب وقوع آرائه فى منطقة الشك من قبل الناس، لذا فإنه ليس هناك من سبيل إلى الإحتجاج بأن هوارس إنما ينسج شعراً ولا يسوق حججاً، لأنه قد أثبت فى مواضع أخرى من مقاله أنه جاد كل الحد متوخ تحقيق المفكر وعدالة المؤرخ. وهى بالجملة ألعوبة اعتاد أن يحتال بها على تحاشى الصعاب، لا تقل بشاعة عن ألعوبته الأخرى وهى الجزم بالقضايا التى تحتمل ألف مطعن جزماً يوهم قارئه أنها من المسلمات. فإذا أضفنا إلى فقرته السابقة عبارة أخرى شردت منه فى مكان آخر، حيث أعلن أن "غاية الشعر" إما الإفادة أو إثارة اللذة وشرح عبر الحياة فى آن واحد فقد حصرنا ما تفضل هوارس به علينا فى باب خطير كباب وظيفة الشعر.
3- ما هى طبيعة ووظيفة الشعر عند هوارس
نضج البحث فى وظيفة الشعر قبل هوارس بقرون، فماذا كان حظه من هذا كله؟.
اكتفى هوارس بسرد الوجوه المختلفة التى أمكن للشعر قديماً أن يسترضى عامة الناس بها ويتدخل فى تنظيم حياتهم، على صورة موجزة، ولم يتعرض للوسائل الفنية التى تتوسل بها الفنون لذلك. وهو يقرر أن الشعراء قد اكتسبوا بين الناس مكانة الحكماء والنبيين من جراء توسطهم فى حل مشاكل الخلق، وهى فكرة قديمة شائعة إلى حد جعل الرومان ينحتون لفظة تشير إلى الشاعر والنبى كأنهما شىء واحد، وهى كلمة فاتيس الوظيفة الاجتماعية التى أثبتها هوراس للشعر فى إجمال شديد توطئة لذلك ليست إلا حصراً ساذجاً لعلاقاته بالجماعة إلى نشأ فيها، فوضع "شراء الحياة الزوجية" و "النهى عن الحب الدنس" و "سن القوانين على ألواح خشبية" وإن كانت جميعاً من الصفات التى أثرت على الشعر فى الزمن الماضى، لكنها بطلت اليوم بطلاناً كاملاً، فما بالك ببناء المدائن، لقد أسلمت الجماعة رقابها فى عصر الفردية والاستقلال للشعراء ونصوصهم وتعاويذهم لأنهم كانوا قادة الفكر فيها، فبعد أن دخلت المدينة فى طور التكوين وبدأ الناس يحسون أن تنظيم العلاقات، بين الفرد والبيئة التى يعيشون فيها هى أول ما ينبغى البت فيه تنازل الشعراء راضين أو كارهين عن قيادة الفلاسفة، فبعد أن رسخت الحضارة وتوطدت أركان الدولة على المدينة الكثيرة سقط الزمام فى أيدى رجال السيف وهلم جرا.
4- استمرار وظيفة الشعر بعد هوارس
ان وظيفة الشعر عاشت كذلك عصوراً متأخرة لا بالمعنى الذى أجمله هوراس فى مقاله، بل بعد أن شكلت وتلطفت حسبما اقتضت روح الانتقال الزمنى وطبيعة الثقافات المتعاقبة حتى فقدت كل صلة بينها وبين حالها القديم- فدانتى وشكسبير وجيته لم يعيشوا عبثا، ولم يكتبوا بغير هدف. لكن المدارس كثرت بانتشار الوعى وتقدم العرفان. فواحدة تجزم بأن الغاية من الفنون كذا، وأخرى تجزم بأنها كيت وثالثة تقول بأن الخوض فى الوسائل والغايات عقيم وتؤثر أن تقول أن الشعر فى صمت وتسليم بلون من الجبرية ورابعة تستفهم فى استنكار: هل الشعر وظيفة؟ كأن العالم لم يقل شعراً قبل أن جاءت هى إلى الأرض ببرامجها، وهكذا حتى يضيع الحق إلى أن يصل الأدب إلى اندريه بريتون وأتباعه من السيرياليين.


1- أثر آراء هوراس وظيفة الشعر على الكتاب اللاحقين
لا يستطيع أحد أن ينكر آراء هوراس عن وظيفة الشعر على اللاحقين ذلك أن ما ذكره هوراس عن إنشاد النبوة أو الألوهية أو ما هو منها إلى شعراء العصر الذهبى قد أوحى إلى كثير من النقاد المحدثين بما كتبوه فى هذا الشأن. بل أنت ترى قصة "الفاتيس" أى النبوة أو الحكمة للشعراء- التى مر تفصيلها فى أعمال كتاب عصر النهضة ومن جاءوا فى أعقابهم سواء نقاد العصر الحديث أو المعاصر، ونعطى لذلك مثالاً يتمثل فى آراء "سيرفيليب سيدنى حيث يردد الحكاية القديمة فى حماسه وإصرار قل نظيرهما فى تاريخ العقائد والآراء عام 1595 قائلاً إن الشاعر "كان يلقب بين الرومان بالفاتيس وهو الكاهن أو الرسول أو النبى. مثل هذا اللقب السماوى جاد به ذلك الشعب المجيد على ذلك الفن الذى يأسر القلب. ولقد بلغ إعجابهم به مبلغاً خالوا معه أن فى أمثال هذه الأشعار تكهنات بما سينالهم من أحداث، لأن منها ما كان يتحقق عن طريق المصادفة.
إذن يقتصد الكثير من هؤلاء النقاد- كرلايل- شلى- أن الشعراء هم الكهنة الذين يترجمون وحياً لا يدركون معناه، هم المرايا التى تعكس الظلال الماردة التى يرمى بها الغد على الحاضر، هم الكلمات التى تفصح عما لا يفقهون، هم الأبواق التى تنشد فى المعركة بشىء مما توحيه للنفوس، هم الأثر الذى يحرك ولا يتحرك. الشعراء هم شراع العالم الذين لا يعترف بهم إنسان.
ومما سبق نستطيع القول: إنه عسير على الإنسان أن يقرأ هذا كله دون أن يهتز له ويؤمن به. هكذا تأرجح الشعر بين الزراية والتقديس، هكذا طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته وهكذا أسلمهم هوراس ومن نحوا نحوه مقاليد الزعامة والتشريع.

6- نقصان التعريف الكامل لوظيفة الشعر عند هوراس
فى كلام هوراس عن وظيفة الشعر ذكر قولاً نعتقد أنه عفوى إذ قال " إن غاية الشعراء إما الإفادة أو الامتاع، أو إثارة اللذة وشرح عبر الحياة فى أن واحد "ولقد أثار هذا الرأى الكثير من الاختلاف والاتفاق عبر القرن التاسع عشر، وإن كان الحق فيه مازال ضائعاً.
فإن كان المراد من عبارة هوراس مجرد تقرير لحال الشعر والأدب عامة فهى صحيحة وساذجة؛ لأن قارئ الأدب لا يجد صعوبة فى الوصول إلى النتيجة نفسها بمجهوده الشخصى، فمن الواضح أن الأدب ألوان:
‌أ- لون طبيعته الإفادة على صورة رئيسة كما هو الحال فى "جمهورية أفلاطون" ومحاوراته" و "ألفية ابن مالك" وكتاب "داروين" فى أصل الأنواع.
‌ب- لون طبيعته الإمتاع أساساً كما هو الشأن فى أعمال أوسكار وايلد، ومسرحيات شكسبير التى وضعت قبل عام 1595.
‌ج- ولون طبيعته الإفادة والإمتاع جميعاً يلتمس فى "الإلياذة" و "الكوميديا الإلهية" والكثرة الغالبة من مسرحيات شكسبير التى نظمت بعد "تاجر البندقية" و "فاوست لجوته، و "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم.
7- هوراس لا ينظر إلى الشعر ككائن عضوى
إن البحث فى وظائف الفنون لا يتأتى إلا بالنظر إليها نظرك إلى كائن عضوى، وهوراس لم يفطن إلى هذا. قرأ هوراس "الإلياذة" و "أوديب ملكاً" و"أفيجنيا" كما قرأ النتف "الشذرات- البقايا" التى وصلت إلى يده من "ألكايوس" و "سافو" و "بندار" فمال إلى التعميم، واستخلص القضية التى وردت فى مقاله، فكان شأنه فى ذلك شأن المعلم الأول عندما أراد أن يبت فى مشاكل الدراما على ضوء إسخيلوس وسوفوكليس. إن للفنون طبيعة دينامية لأنها إحياء والثابت علامة الموت أو الذبول. وهذا ما جعل طريقة أرسطو تحليلية بخلاف هوراس الذى تعد تقديراته تعسفية.
وإذا أردنا الحصر المنطقى- لوظيفة الشعر عند هوراس- على وجه تقديرى فإن قضية هوراس مانعة غير جامعة؛ ذلك لأن الحصر المنطقى يقتضى رد التراث الأدبى المعروف حتى اليوم إلى أربعة صنوف غايتها على التعاقب الإفادة أو الإمتاع أو كلاهما. وهذه الضروب الثلاثة الأولى سبق أن أشرنا إليها.
أما الضرب الرابع فليس فرضاً منطقياً كما يتوهم البعض، بل مذهباً كان ظهوره فى القرن التاسع عشر وهو المذهب الذاتى، (أى الفن للفن) وهو مذهب يعتبر الشعر إفرازاً وهذا فى ألطف درجاته، وفى أخطرها ينفى مسئولية الشاعر عن الإيصال.
8- ما قيم الشعر كما حددها هوراس؟
أثبت هوراس للشعر ثلاث قيم:- قيمة عرفانية، وقيمة جمالة وقيمة "عرفانية جمالية" فتفادى عامداً أو غير عامد- الزج بنفسه فى جدل لا ينتهى. فلو أنه أغفل أن يسند إلى الشعر إحدى هذه الوظائف لما سلم من ملامة الفريق المضاد لرأيه، أياً كانت صفة هذا الفريق ولكنه بهذا الحصر المانع قد أمن الزلل وسد على غيره سبل النقد فحق علينا أن نعترف له بسداد التفكير فى هذا الباب.

2- الدراما
هوراس والمسرحية الرومانية

1- حال النقد المسرحى بعد أرسطو
تأتى بعد أرسطو فترة طويلة خالية من النقد المسرحى وكأنما كان مقدراً لهذا النقد أن يرتكز لسنوات طويلة على أحكام أرسطو وإلى أن نصل إلى هوراس، عندئذ تبدأ مرحلة جديدة من الممكن أن نسميها النظرية الأدبية الكلاسيكية الحديثة. لقد كانت طريقة أرسطو طريقة تحليلية إلى حد بعيد؛ حيث كان يتناول المسرحية تلو المسرحية فيحلل كلاً منها جزءاً جزءاً، ثم يعطى رأيه فى آخر الأمر فى سماتها المميزة الرئيسة جميعاً.

الاختلاف بين أسلوب هوراس وأرسطو
أشرنا فى الفقرة السابقة إلى أن أسلوب أرسطو وطريقته يعتمدان على التحليل ليصل إلى إصدار حكمه ورأيه وهذا ما مكنه فى وضع قانونه الخالد من خلال كتابه "فن الشعر لكنه لم يضعه بتلك الطريقة التعسفية، بل هو لم يضعه إلا بعد إمعانه النظر بنفسه إمعاناً دقيقاً فى أعمال مسرحية بذاتها . وهو أسلوب يختلف عن هوراس.
"تختلف طريقة هوراس عن طريقة أرسطو اختلافاً كبيراً؛ فتقريراته تقريرات تعسفية كل التعسف، ونحن نشعر كأنها لم تمحص- فى كثير من الأحيان- التمحيص الواجب. ففى كتابه "رسالة إلى البيسوس" i60S نجده يرسل آراءه فى أشد ما يمكن من الإيجاز المختصر. وقد تقررت أنماط الشعر هنا بصورة نهائية، وتحدد لكل منها، على ما يقول هوراس بصورة تقريرية، وزن خاص.
وإذا أردنا التعرف بآراء هوراس فى مجال الدراما فلابد قبل أن نعرضها، أن نعى جيداً أنه لم يدرس هذه الآراء ولم يمحصها بل جاءت- كما أكد الكثير من الشراح والنقاد- وكأنها من البديهيات التى لا تحتاج إلى إقامة الدليل وهى بطبيعة الحال ليست من ابتكاره بل مستعارة جملة من كتاب أرسطو "فن الشعر" مستفيداً فى ذلك من أساليب كتاب المسرح الذين سبقوه والذين عاصروه. فمثلاً تحدث هوراس عن المحاكاة فوجدها تعنى بالنسبة لأفلاطون وأرسطو محاكاة الطبيعة، لكنها بدأت تعنى بالنسبة لهوراس محاكاة الكتاب الآخرين" ، وهى النظرة التى سوف تسيطر على آراء النقاد اللاحقين وعلى كتاب المسرح فى عصر النهضة إذ عليهم محاكاة الكتاب الآخرين.
آراء هوراس فى مجال الدراما (نظرية التراجيديا الرومانية)
1-حرّم مشاهد العنف والقتل (بخلاف أرسطو الذى سمح بذلك). يقول هوراس سطر (182-88) "يجب عليك ألا تدفع إلى خشبة المسرح ما كان طبيعيا أن يتم وراء الكواليس، وأن تحجب عن أعيننا أموراً شتى هى من اختصاص الممثل أن يرويها فى حضرتنا عندما يأتى حينها. فلا تدع ميديا تذبح بنيها أمام النظارة، أو أتريوس يطهو اللحم الآدمى، أو بروكنية تستحيل إلى طائر أو كاوموسى إلى أفعى: فإنى لأبغض كل ما ترينيه من هذا القبيل لأنه جاوز حد التصور.
إن تعليمات هوراس هذه لم تلق قبولاً على طول الخط من كتّاب المسرح الرومانى؛ إذ أننا بقراءتنا لمسرحيات سينيكا العشر نكتشف أن أوضح الصدمات لمسرح سينيكا على عصر النهضة تتمثل فى شيوع "مسرح الدم" أو "تراجيديا الانتقام" فهو المسئول الأول عن مناظر الرعب والفظائع المريعة التى تعد وصمة فى جبين المسرح الليزابيثى".
وهكذا نجد هوراس يقضى فى أمر من أمور الدراما فيما يختص بمشاهد العنف والدم أو تحول بعض الشخصيات إلى طيور وحيوانات حيث أنه يعلن رفض هذه المشاهد فى صورة وأسلوب لا يقبل الجدل كما لو كان يقدم رأياً نهائياً غير قابل للتفنيد والنقاش، على أن رأيه القاطع والنهائى هذا يفيد فى شيئين:-
1- إن الوسيلة التى اتبعها هوراس للوصول إلى قضيته ونتيجته هى استقراء لأعمال كتّاب المسرح الأغريقى وعليه لجأ بعد ذلك إلى التعميم.
2- كل ما يسوقه هوراس من أحكام هو أمر لا يقبل الجدل "إنه لا يدع مجالاً لأى لون من ألوان الابتكار أو التجديد، إلا التجديد فى الصياغة الكلامية. ولعل روما لهذا السبب لم تظفر بمثل تلك المسرحيات التى ظفرت بها اليونان".
كيف نقيم الحكم على المسرحيات الرومانية ولم تصلنا إلا شذرات؟
يترتب على الجزئية الأولى التى عرضناها قبل أن نمضى بعد ذلك لنعرض باقى وجهات نظر هوراس فى مجال الدراما أن نقول بداية "إنه من العسير علينا أن نحكم على المسرحية الرومانية، وكيف نحكم عليها وهؤلاء الشعراء المسرحيون الرومان الذين اشتهروا فى وقت واحد، وهم إنيوس (229- 169 ق.م)، باكيفيوس (220-130 ق.م) لم تصلنا من مسرحياتهم إلا شذرات قليلة؟ ولم يسلم من يد البلى والهلاك سوى مآسى سينيكا العشر من بين المسرحيات اللاتينية الجديدة .
ولا نعتقد أن هؤلاء الكتّاب قد التزموا تعاليم هوراس، ذلك أنه من الممكن أن يتأثر هؤلاء الكتّاب بآراء أرسطوطاليس، وما الذى يمنع ذلك وقد نقل كتّاب المسرح الرومانى جميع مضامين مسرحياتهم من المسرح الأغريقى هذا من ناحية، من ناحية ثانية فمن يدعى أن سينيكا قد ألتزم تعاليم هوراس، وكما نعلم فلابد أن يفعل هوراس ما فعله أرسطو من قبل بقراءته لميراث أعمال كتّاب المسرح الأغريقى قراءة تحليلية ثم إصداره لكتابه فن الشعر، وإن كان البعض يعتقد أن هوراس فعل ذلك فإن سينيكا أحد أعظم كتاب المسرح الرومانى قد خالف ما قاله هوراس بضرورة أن تكون المسرحية من خمسة فصول إذ نلاحظ أن هذا "الدرامى الشهير سينيكا والذى ترجم أعماله عن اليونانية قد أهمل تقسيم هوراس للتراجيديا إلى خمسة فصول .
2- آراء هوراس فى الشخصيات المسرحية وعدد الفصول
نتيجة عرض هوراس لفكرة استبعاد مشاهد العنف والقتل والدم؛ لأنها تثير لدى المشاهد شعور التفرز، هذا إلى جانب أنها بعيدة كل البعد عن التصور فيما يحدث فى الحياة اليومية ترتب على ذلك أن يكون لهوراس موقفاً من الشخصيات المسرحية وعدد الفصول، حقيقى أن الأمر يبدو هنا غريباً وأعنى بكلامى أن الأغريق الذين ارتكز فنهم على الخرافة والأساطير يرفضون أن تقدم مشاهد العنف والقسوة.
على أن هذا المذهب كان له أثر بالغ فى توجيه النقد المسرحى وقواعد القصص التمثيلى عند بعض المتأخرين، فلم يستبعدوا من الدراما أعمال العنف جميعاً واعتمدوا فى تجسيد المواقف على مشاهد العنف والقسوة كما حدث عند سينيكا وشكسبير من بعده.
ذلك أن سينيكا الذى قدّم عدداً من التراجيديا القريبة من دراما الصالونات التى تعتمد على القراءة أكثر من التجسيد على خشبة المسرح وهى قريبة من كونها تدريبات على فن الخطابة نظراً لكون سينيكا من أحد قادة الرواقيين وأستاذا للإمبراطور نيرون ضمنها مشاهد من الأشباح والجرائم الدامية معتمداً فى وضعها على أسلوب السرد.
أما عن النقطة الثانية التى أثارها هوراس فى آرائه عن الدراما فتتمثل فى أنه نهى عن ظهور عدد من أشخاص المسرحية يزيد عن ثلاثة فى وقت واحد، وقرر فى برود المطمئن إلى صواب نتائجه بقوله: إنه ينبغى أن يشترك فى الحوار ممثل رابع، فجرى بعض الناس على سنته. كما أعلن وقضى بأن من شروط نجاح المسرحية ألا تتجاوز أو تقل عن خمسة فصول.
إن حديث هوراس السابق الذى يشبه الفرمان النهائى غير القابل للنقاش لا يعد صحيحاً؛ ذلك أن قضية عدد الشخصيات فى المسرحية وضرورة ألا تزيد عن ثلاث شخصيات فى موقف درامى وأنه غير مسموح للشخصية الرابعة أن تظهر على خشبة المسرح وتشارك فى الحوار فى داخل هذا المشهد لهو أمر غير صحيح. ذلك أن شكسبير لم يلتفت إلى آراء الأقدمين وحشد فى مسرحية "هاملت" ستة وعشرين شخصاً بين رجل وأمرأة عدا من استخدمهم من رجال البلاط والممثلين والرسل والجند والملاحين. ودفع بأثنى عشر منهم إلى المسرح معاً فى المنظر الثانى من الفصل الثالث.
وعليه نقول: هل عندما فعل شكسبير ذلك سنرد عليه ونقول "ليس ما كتب تمثيلاً ولا مسرحاً لأن مسرحية "أوديب ملكاً" لا تشتمل إلا على تسع شخصيات لم يجتمع منها فى زمن ومكان واحد غير ثلاث- والنقطة الأخرى فى النقطة الثانية فتتمثل فى شروط نجاح المسرحية ألا تزيد أو تتجاوز أو تقل عن خمسة فصول لكى يكتب لها النجاح أثبتت الأعمال المسرحية التالية لهوراس أن فى الإمكان أن تتكون المسرحية من ثلاث فصول أو أربعة أو خمسة فصول كما حدث عند شكسبير ولم يتقدم أحد ليعلن أن ما كتبه لا يعد مسرحاً لأن الأقدمين تمسكوا بأن تكتب المسرحية فى ثلاثة فصول فقط ومن يجتاز هذا الخط سيعنى هذا أن ما كتب لا يعد مسرحاً.
إن ما أعلنه هوراس فيما يتعلق بعدد الشخصيات على خشبة المسرح وتحديدها بثلاث وفصول المسرحية التى حددها بخمسة فصول أمور لم يتقيد بها أى من كتّاب المسرح وهى أمور تثير الحيرة، إذ كيف يقبل هوراس الكثير من المسلمات التى قال بها أرسطو ويخالفه فى بعضها الآخر فهو الذى نادى بضرورة أن "نقلد المؤلفين الأغريق" أى أن هوراس راعى ضرورة أن يأخذ الكتّاب الرومان موضوعات مسرحياتهم عن الأقدمين إذ يقول "ينبغى ألا تغيب النماذج اليونانية عن بالنا مطلقاً، ليلاً أو نهاراً".
وفى موضع آخر نكتشف أن هوراس الذى اتفق مع بعض آراء أرسطو وخالفه فى البعض الآخر يرفض هو الآخر من قبل سينيكا ذلك أن "هوراس وضع التقسيم إلى خمسة فصول لكن تطبيقات سينيكا لنظريات هوراس هى التى كانت لها أكبر الأثر، لأن تقسيمه الحدث الدرامى فى تراجيدياته إلى خمسة أجزاء (أو فصول) تفصل بينها أغانى الجوقة هو الذى أخذت به التراجيديا الأوربية إبان عصر النهضة .
دور الكورس فى المسرحية ووظيفته
أدركنا من قبل أن وظيفة الكورس فى المسرح اليونانى تخطت دورها كشخصية ممثل ومعلق وشارح ومفسر وضمير الأمة وضمير المؤلف ويرفه عن الجمهور بين الفصول وغير ذلك من الوظائف التى أثرت دوره.
أما هوراس فيعلن أنه لابد وأن تنفصل وظيفة الكورس فى سير الرواية. وأعنى بذلك أنه حرّم على الكورس أن يغنى بين الفصول ما لم مقامه تماماً وفرض عليه جمله أن يؤدى مهمة ممثل فى سياق المسرحية ومشاهد يعلق عليها فى آن واحد، إن طبيعة دور الكورس ووظيفته فى المسرحية الرومانية قد تبلورت فى مسرح سينيكا الذى خالف طبيعه دور الكورس فى المسرح الأغريقى كما أنه أكد طبيعة دوره الذى نادى به هوراس حيث أصبح يقتصر "على تقديم الفقرات القصيرة التى تفرق بين فصول المسرحية" ولم يعد الكورس يمثل الكيان الأساسى للمسرحية مثلما نشأت عند الأغريق.
الوحدات الثلاث وموقف من خلف هوراس منها
تحدث هوراس أيضاً عن الوحدات الثلاث، وحدة الزمان، ووحدة المكان، ووحدة الموضوع، واعتقد هوراس أن هذه القواعد ملزمة أيضاً لكتاب المسرح لكى يلتزموا بها وأن على المؤلف ألا يتعدى فى زمان المسرحية دورة شمس واحدة، وأن ترتكز الأحداث، لتتم فى مكان واحد وألا تتعدد موضوعات المسرحية.
إذا أردنا أن نتعرف بمدى صحة ما ذكره هوراس من قواعد ملزمة على الكتّاب من بعده نجد أن شكسبير عقد للمسرحية أكثر من عقده فى كل مسرحياته، وبذلك خالف السابقين عليه الذين عمدوا إلى وحدة الحدث، كما سحب شكسبير أزمان مسرحياته على جملة سنين مخالفاً الأقدمين الذين قصروا أزمان مسرحياتهم على أربع وعشرين ساعة؟ نقل شكسبير مكان الحدث من الإسكندرية إلى روما إلى سوريا إلى أثينا، أفننكر عليه شرف الخلق لأن الأقدمين أو فريقاً منهم ثبتوا فى مكان واحد؟ إن شكسبير اختلف مع الاقدمين فى أصول الدراما عندهم واختلف معهم فى وظيفة الفن وطبيعته وعناصره، وفى موقف الشاعر من الفن وأثبت أن جميع الأصول التى وضعها من سبقوه ما هى إلا قواعد لا لزوم لها وقيود من صنع الخيال الضيق والمنطق الطائش.
وبذلك نستطيع التأكيد على مخالفة شكسبير لآراء هوراس وهذه مخالفة مقنعة ومنطقية؛ إذ إنه من أين يأتى الابتكار والتجديد لو أن شكسبير التزم حرفياً بآراء هوراس الذى طالما نصح بضرورة الالتزام "بالتقاليد؛ وترى أن ابتكاراتك ملائمة. ومن الأمن لك أن تلتزم بالتقاليد ومفخرتك ستكون أعظم إذا تناولت بأسلوب جديد أفكاراً استهلك استعمالها بدلاً من محاولة الابتكار .
ومن ثم نستطيع القول: إن هوراس اتفق مع أرسطو فى بعض الأمور وخالفه فى كثير فيما "يرى أرسطو أن المسرحية يجب أن تكون من الطول بحيث تؤدى ما عمدت إليه، وبالنسبة لهوراس يرى أنها يجب أن تكون من خمسة فصول، ولقد حلت قاعدة هوراس هذه المشكلة بإتقان ما لم يكن ذلك جازماً والمسرحيات من الآن فصاعداً يجب أن تكون من خمس فصول. لقد أصبح الذوق الاجتماعى أكثر أهمية من الدراما، وهوراس على وجه خاص يمنع الشاعر من عدم التقيد بقواعد الفن".
أهمية كتاب هوراس
إن أهمية هوراس باعتباره ناقداً هى أهمية تاريخية أكثر منها شىء آخر، فقد استمد النقد فى عصر النهضة كثيراً من أفكاره.وأهم من هذا أنه استمد منه هذا الميل نحو صياغة القواعد، وهكذا عدل النقاد عما كان يذهب إليه أرسطو من الطريقة التحليلية التى كانت تغلب عليها الصبغة العلمية.
إن آراء هوراس التى هاجم فيها آراء أرسطو واعترض عليها قد استمرت فى بعضها بعد أرسطو، يحث وجدنا كثيراً من الكتّاب، بل وحركة النقد فى العصور الوسطى وعصر النهضة تعتمد على استخدام الكثير من أفكاره؛ لأنها أصبحت أفكاراً من الطبيعى اعتناقها والعمل بها. على أن هذا لا يعنى أن هوراس قد أتى بجديد، ذلك أنه اعتمد على آراء أرسطو واستنبط منها الكثير من آرائه على ذلك فهى أفكار ومقترحات كانت فى وقتها تمتلك قوة الفرمان الذى لا يناقش، لكنها بعد ذلك تحققت فلم تعد المسرحية تعتمد على الوحدات، ولم يعد للجوقة مكان بالمسرحية، وكذا الحال مع عدد شخصيات المسرحية فلم يعد يلتزم الكتّاب بآراء الأقدمين وحشدت بالمسرحية الكثير من الشخصيات.
إن هذا النقاش واللغو لإثبات ما هو ثابت فى تاريخ النقد المسرحى أمر يرفضه البعض؛ لأن آراء أرسطو وهوراس كانت صحيحة بمعطيات وقتها كما أن آراء من خالفوهم صحيحة هى الأخرى طبقاً للوقت الذى وضعت فيه وعليه أرى أن آراء هوراس هذه وإن كانت فى وقتها صحيحة لكن التطور الذى لحق بحركة المسرح أفرز آراء أخرى جاءت هى الأخرى صحيحة وعليه ليست هذه الآراء السابقة خاطئة كما أن الآراء الجديدة ليست خاطئة أيضاً ولكن يعاب على كتاب هوراس أن آراءه جاءت تعسفية بعيدة عن التمحيص الواجب بخلاف آراء أرسطو المعتمدة على إمعان النظر والتحليل والتمحيص لينتهى إلى رأى من الآراء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
amr



المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 21/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: هوراس وأراؤه في كتاب فن الشعر .. بين النقد ونظرية الدراما    الخميس أبريل 21, 2011 1:41 pm

احمد صقر كتب:

هوارس وآراؤه
فى كتابه "فن الشعر" ()
بين النقد ونظرية الدراما
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
========================
يتضمن كتابه فن الشعر Arspocticaثلاثة موضوعات هى:
1- وظيفة الشعر.
2- الدراما.
3- الصناعة والالهام.
الموضوع الأول: وظيفة الشعر (65-8 ق.م)(أراؤه النقدية )
ولد :"هوارس" سنة 65 ق.م ( ) لأب قروى بسيط أعتق أبوه قبل مولده من العبودية، لكنه ظل يعانى الكثير على ألسنة معيرية وأقلامهم فى صدر حياته.
تحدث الكثير من النقاد عن كتابه "فن الشعر" وقالوا: إن هذا المقال به كثير من القضايا التى تعتبر من أخطر أحكام النقد الأدبى على الإطلاق حتى أن الناقد المحترف ليحار فى تحديد موقفه من الشاعر المراوغ ومن قصيدته كثيرة المزالق. ثم إن فى إنشاء المقال ظاهرة تسترعى الانتباه. ألا وهى التفكك الشديد بين أجزائه، مما يدل على أنه نظم فى فترات متباعدة: فهو يبدأ الكلام من عناصر الأدب، ثم ينتقل إلى مشكلة اللغة والإشتقاق، ثم يقفز إلى مسألة من مسائل العروض عرضت له، ثم يعود وينتقل إلى الدراما وأصولها ثم يعود بك إلى شعر الملاحم، ثم يرجع إلى منشأ الدراما مرة أخرى ثم يعرج على مشكلة الفن والإلهام، ثم يتراجع إلى الدراما من جديد، ثم يتناول وظيفة الشعر، ثم يعود إلى مشكلة الفن والإلهام وهكذا تغلب على هذا المقال هذه الصفة.
الوحدة العضوية (وحدة الفعل):
كانت للشعر وظيفة، وكانت تلك الوظيفة هى التعليم، وإلى عهد أريستوفانيس كان مقام الشاعر فى المجتمع هو مقام المعلم، نجد هذا مفصلاً فى كوميديا الضفادع، كما وجدنا ما يدل على شيوع هذا الرأى عند الاغريق هو تكراره على يد هوميروس وغيرهم، حيث لم يقتصر هذا الرأى على المآسى، بل تعداها إلى الكوميديا. فنحن نجد ما يدلل على صحة رأينا عند أريستوفانيس فى كوميدياته ( ).
ولكن وظيفة التعليم هذه التى نسبها القدماء للشعر لم نجد لها مفسراً أصدق من أرسطو. ففى الكاثارسيس التى بسطها أرسطو نجد لها شرحاً دقيقاً فى كتابه "فن الشعر" وللطريقة التى تفعل بها المآسى فى قلوب الناس.
2- هوارس ومقاله حول "فن الشعر"
تعرض هوارس فى مقاله عن "فن الشعر" لهذه المسألة- أقصد وظيفة الشعر- لكننا نجد ضحالة علم هوارس ومراوغته فى تقديم آرائه فى وظيفة الشعر.
أما عن الضحالة فتتضح فى سياق نص المقال، إذ يقول معدداً آثار الشعر والموسيقى فى آن واحد، لما كان الناس خائفين متوحشين، روعهم أورفيوس المقدس، ترجمان الآلهة، من سفك الدماء ومن سوء الحياة التى يحيونها، لذا قيل عنه أنه روض النمور والسباع الكاسرة إلى غير ذلك من الوصف الذى يحاول أن يفرق بين شئون الجماعة وشئون الفرد فبعضها يحفز قلوب الشجعان للمعارك والبعض الآخر يستجدى عطف الملوك فى قصائد من ربات الشعر وبرغم ذلك، وبرغم ما فى هذا التعداد من جمال وإنتعاش ومحاولة ساذجة للحصر والإفادة، فإنه لا يشهد بغزارة علم هوارس وخصوبة تفكيره.
أما الرغبة فى المراوغة فتتمثل الوسيلة التى توسل بها ليتجنب وقوع آرائه فى منطقة الشك من قبل الناس، لذا فإنه ليس هناك من سبيل إلى الإحتجاج بأن هوارس إنما ينسج شعراً ولا يسوق حججاً، لأنه قد أثبت فى مواضع أخرى من مقاله أنه جاد كل الحد متوخ تحقيق المفكر وعدالة المؤرخ. وهى بالجملة ألعوبة اعتاد أن يحتال بها على تحاشى الصعاب، لا تقل بشاعة عن ألعوبته الأخرى وهى الجزم بالقضايا التى تحتمل ألف مطعن جزماً يوهم قارئه أنها من المسلمات. فإذا أضفنا إلى فقرته السابقة عبارة أخرى شردت منه فى مكان آخر، حيث أعلن أن "غاية الشعر" إما الإفادة أو إثارة اللذة وشرح عبر الحياة فى آن واحد فقد حصرنا ما تفضل هوارس به علينا فى باب خطير كباب وظيفة الشعر.
3- ما هى طبيعة ووظيفة الشعر عند هوارس
نضج البحث فى وظيفة الشعر قبل هوارس بقرون، فماذا كان حظه من هذا كله؟.
اكتفى هوارس بسرد الوجوه المختلفة التى أمكن للشعر قديماً أن يسترضى عامة الناس بها ويتدخل فى تنظيم حياتهم، على صورة موجزة، ولم يتعرض للوسائل الفنية التى تتوسل بها الفنون لذلك. وهو يقرر أن الشعراء قد اكتسبوا بين الناس مكانة الحكماء والنبيين من جراء توسطهم فى حل مشاكل الخلق، وهى فكرة قديمة شائعة إلى حد جعل الرومان ينحتون لفظة تشير إلى الشاعر والنبى كأنهما شىء واحد، وهى كلمة فاتيس الوظيفة الاجتماعية التى أثبتها هوراس للشعر فى إجمال شديد توطئة لذلك ليست إلا حصراً ساذجاً لعلاقاته بالجماعة إلى نشأ فيها، فوضع "شراء الحياة الزوجية" و "النهى عن الحب الدنس" و "سن القوانين على ألواح خشبية" وإن كانت جميعاً من الصفات التى أثرت على الشعر فى الزمن الماضى، لكنها بطلت اليوم بطلاناً كاملاً، فما بالك ببناء المدائن، لقد أسلمت الجماعة رقابها فى عصر الفردية والاستقلال للشعراء ونصوصهم وتعاويذهم لأنهم كانوا قادة الفكر فيها، فبعد أن دخلت المدينة فى طور التكوين وبدأ الناس يحسون أن تنظيم العلاقات، بين الفرد والبيئة التى يعيشون فيها هى أول ما ينبغى البت فيه تنازل الشعراء راضين أو كارهين عن قيادة الفلاسفة، فبعد أن رسخت الحضارة وتوطدت أركان الدولة على المدينة الكثيرة سقط الزمام فى أيدى رجال السيف وهلم جرا.
4- استمرار وظيفة الشعر بعد هوارس
ان وظيفة الشعر عاشت كذلك عصوراً متأخرة لا بالمعنى الذى أجمله هوراس فى مقاله، بل بعد أن شكلت وتلطفت حسبما اقتضت روح الانتقال الزمنى وطبيعة الثقافات المتعاقبة حتى فقدت كل صلة بينها وبين حالها القديم- فدانتى وشكسبير وجيته لم يعيشوا عبثا، ولم يكتبوا بغير هدف. لكن المدارس كثرت بانتشار الوعى وتقدم العرفان. فواحدة تجزم بأن الغاية من الفنون كذا، وأخرى تجزم بأنها كيت وثالثة تقول بأن الخوض فى الوسائل والغايات عقيم وتؤثر أن تقول أن الشعر فى صمت وتسليم بلون من الجبرية ورابعة تستفهم فى استنكار: هل الشعر وظيفة؟ كأن العالم لم يقل شعراً قبل أن جاءت هى إلى الأرض ببرامجها، وهكذا حتى يضيع الحق إلى أن يصل الأدب إلى اندريه بريتون وأتباعه من السيرياليين.


1- أثر آراء هوراس وظيفة الشعر على الكتاب اللاحقين
لا يستطيع أحد أن ينكر آراء هوراس عن وظيفة الشعر على اللاحقين ذلك أن ما ذكره هوراس عن إنشاد النبوة أو الألوهية أو ما هو منها إلى شعراء العصر الذهبى قد أوحى إلى كثير من النقاد المحدثين بما كتبوه فى هذا الشأن. بل أنت ترى قصة "الفاتيس" أى النبوة أو الحكمة للشعراء- التى مر تفصيلها فى أعمال كتاب عصر النهضة ومن جاءوا فى أعقابهم سواء نقاد العصر الحديث أو المعاصر، ونعطى لذلك مثالاً يتمثل فى آراء "سيرفيليب سيدنى حيث يردد الحكاية القديمة فى حماسه وإصرار قل نظيرهما فى تاريخ العقائد والآراء عام 1595 قائلاً إن الشاعر "كان يلقب بين الرومان بالفاتيس وهو الكاهن أو الرسول أو النبى. مثل هذا اللقب السماوى جاد به ذلك الشعب المجيد على ذلك الفن الذى يأسر القلب. ولقد بلغ إعجابهم به مبلغاً خالوا معه أن فى أمثال هذه الأشعار تكهنات بما سينالهم من أحداث، لأن منها ما كان يتحقق عن طريق المصادفة.
إذن يقتصد الكثير من هؤلاء النقاد- كرلايل- شلى- أن الشعراء هم الكهنة الذين يترجمون وحياً لا يدركون معناه، هم المرايا التى تعكس الظلال الماردة التى يرمى بها الغد على الحاضر، هم الكلمات التى تفصح عما لا يفقهون، هم الأبواق التى تنشد فى المعركة بشىء مما توحيه للنفوس، هم الأثر الذى يحرك ولا يتحرك. الشعراء هم شراع العالم الذين لا يعترف بهم إنسان.
ومما سبق نستطيع القول: إنه عسير على الإنسان أن يقرأ هذا كله دون أن يهتز له ويؤمن به. هكذا تأرجح الشعر بين الزراية والتقديس، هكذا طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته وهكذا أسلمهم هوراس ومن نحوا نحوه مقاليد الزعامة والتشريع.

6- نقصان التعريف الكامل لوظيفة الشعر عند هوراس
فى كلام هوراس عن وظيفة الشعر ذكر قولاً نعتقد أنه عفوى إذ قال " إن غاية الشعراء إما الإفادة أو الامتاع، أو إثارة اللذة وشرح عبر الحياة فى أن واحد "ولقد أثار هذا الرأى الكثير من الاختلاف والاتفاق عبر القرن التاسع عشر، وإن كان الحق فيه مازال ضائعاً.
فإن كان المراد من عبارة هوراس مجرد تقرير لحال الشعر والأدب عامة فهى صحيحة وساذجة؛ لأن قارئ الأدب لا يجد صعوبة فى الوصول إلى النتيجة نفسها بمجهوده الشخصى، فمن الواضح أن الأدب ألوان:
‌أ- لون طبيعته الإفادة على صورة رئيسة كما هو الحال فى "جمهورية أفلاطون" ومحاوراته" و "ألفية ابن مالك" وكتاب "داروين" فى أصل الأنواع.
‌ب- لون طبيعته الإمتاع أساساً كما هو الشأن فى أعمال أوسكار وايلد، ومسرحيات شكسبير التى وضعت قبل عام 1595.
‌ج- ولون طبيعته الإفادة والإمتاع جميعاً يلتمس فى "الإلياذة" و "الكوميديا الإلهية" والكثرة الغالبة من مسرحيات شكسبير التى نظمت بعد "تاجر البندقية" و "فاوست لجوته، و "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم.
7- هوراس لا ينظر إلى الشعر ككائن عضوى
إن البحث فى وظائف الفنون لا يتأتى إلا بالنظر إليها نظرك إلى كائن عضوى، وهوراس لم يفطن إلى هذا. قرأ هوراس "الإلياذة" و "أوديب ملكاً" و"أفيجنيا" كما قرأ النتف "الشذرات- البقايا" التى وصلت إلى يده من "ألكايوس" و "سافو" و "بندار" فمال إلى التعميم، واستخلص القضية التى وردت فى مقاله، فكان شأنه فى ذلك شأن المعلم الأول عندما أراد أن يبت فى مشاكل الدراما على ضوء إسخيلوس وسوفوكليس. إن للفنون طبيعة دينامية لأنها إحياء والثابت علامة الموت أو الذبول. وهذا ما جعل طريقة أرسطو تحليلية بخلاف هوراس الذى تعد تقديراته تعسفية.
وإذا أردنا الحصر المنطقى- لوظيفة الشعر عند هوراس- على وجه تقديرى فإن قضية هوراس مانعة غير جامعة؛ ذلك لأن الحصر المنطقى يقتضى رد التراث الأدبى المعروف حتى اليوم إلى أربعة صنوف غايتها على التعاقب الإفادة أو الإمتاع أو كلاهما. وهذه الضروب الثلاثة الأولى سبق أن أشرنا إليها.
أما الضرب الرابع فليس فرضاً منطقياً كما يتوهم البعض، بل مذهباً كان ظهوره فى القرن التاسع عشر وهو المذهب الذاتى، (أى الفن للفن) وهو مذهب يعتبر الشعر إفرازاً وهذا فى ألطف درجاته، وفى أخطرها ينفى مسئولية الشاعر عن الإيصال.
8- ما قيم الشعر كما حددها هوراس؟
أثبت هوراس للشعر ثلاث قيم:- قيمة عرفانية، وقيمة جمالة وقيمة "عرفانية جمالية" فتفادى عامداً أو غير عامد- الزج بنفسه فى جدل لا ينتهى. فلو أنه أغفل أن يسند إلى الشعر إحدى هذه الوظائف لما سلم من ملامة الفريق المضاد لرأيه، أياً كانت صفة هذا الفريق ولكنه بهذا الحصر المانع قد أمن الزلل وسد على غيره سبل النقد فحق علينا أن نعترف له بسداد التفكير فى هذا الباب.

2- الدراما
هوراس والمسرحية الرومانية

1- حال النقد المسرحى بعد أرسطو
تأتى بعد أرسطو فترة طويلة خالية من النقد المسرحى وكأنما كان مقدراً لهذا النقد أن يرتكز لسنوات طويلة على أحكام أرسطو وإلى أن نصل إلى هوراس، عندئذ تبدأ مرحلة جديدة من الممكن أن نسميها النظرية الأدبية الكلاسيكية الحديثة. لقد كانت طريقة أرسطو طريقة تحليلية إلى حد بعيد؛ حيث كان يتناول المسرحية تلو المسرحية فيحلل كلاً منها جزءاً جزءاً، ثم يعطى رأيه فى آخر الأمر فى سماتها المميزة الرئيسة جميعاً.

الاختلاف بين أسلوب هوراس وأرسطو
أشرنا فى الفقرة السابقة إلى أن أسلوب أرسطو وطريقته يعتمدان على التحليل ليصل إلى إصدار حكمه ورأيه وهذا ما مكنه فى وضع قانونه الخالد من خلال كتابه "فن الشعر لكنه لم يضعه بتلك الطريقة التعسفية، بل هو لم يضعه إلا بعد إمعانه النظر بنفسه إمعاناً دقيقاً فى أعمال مسرحية بذاتها . وهو أسلوب يختلف عن هوراس.
"تختلف طريقة هوراس عن طريقة أرسطو اختلافاً كبيراً؛ فتقريراته تقريرات تعسفية كل التعسف، ونحن نشعر كأنها لم تمحص- فى كثير من الأحيان- التمحيص الواجب. ففى كتابه "رسالة إلى البيسوس" i60S نجده يرسل آراءه فى أشد ما يمكن من الإيجاز المختصر. وقد تقررت أنماط الشعر هنا بصورة نهائية، وتحدد لكل منها، على ما يقول هوراس بصورة تقريرية، وزن خاص.
وإذا أردنا التعرف بآراء هوراس فى مجال الدراما فلابد قبل أن نعرضها، أن نعى جيداً أنه لم يدرس هذه الآراء ولم يمحصها بل جاءت- كما أكد الكثير من الشراح والنقاد- وكأنها من البديهيات التى لا تحتاج إلى إقامة الدليل وهى بطبيعة الحال ليست من ابتكاره بل مستعارة جملة من كتاب أرسطو "فن الشعر" مستفيداً فى ذلك من أساليب كتاب المسرح الذين سبقوه والذين عاصروه. فمثلاً تحدث هوراس عن المحاكاة فوجدها تعنى بالنسبة لأفلاطون وأرسطو محاكاة الطبيعة، لكنها بدأت تعنى بالنسبة لهوراس محاكاة الكتاب الآخرين" ، وهى النظرة التى سوف تسيطر على آراء النقاد اللاحقين وعلى كتاب المسرح فى عصر النهضة إذ عليهم محاكاة الكتاب الآخرين.
آراء هوراس فى مجال الدراما (نظرية التراجيديا الرومانية)
1-حرّم مشاهد العنف والقتل (بخلاف أرسطو الذى سمح بذلك). يقول هوراس سطر (182-88) "يجب عليك ألا تدفع إلى خشبة المسرح ما كان طبيعيا أن يتم وراء الكواليس، وأن تحجب عن أعيننا أموراً شتى هى من اختصاص الممثل أن يرويها فى حضرتنا عندما يأتى حينها. فلا تدع ميديا تذبح بنيها أمام النظارة، أو أتريوس يطهو اللحم الآدمى، أو بروكنية تستحيل إلى طائر أو كاوموسى إلى أفعى: فإنى لأبغض كل ما ترينيه من هذا القبيل لأنه جاوز حد التصور.
إن تعليمات هوراس هذه لم تلق قبولاً على طول الخط من كتّاب المسرح الرومانى؛ إذ أننا بقراءتنا لمسرحيات سينيكا العشر نكتشف أن أوضح الصدمات لمسرح سينيكا على عصر النهضة تتمثل فى شيوع "مسرح الدم" أو "تراجيديا الانتقام" فهو المسئول الأول عن مناظر الرعب والفظائع المريعة التى تعد وصمة فى جبين المسرح الليزابيثى".
وهكذا نجد هوراس يقضى فى أمر من أمور الدراما فيما يختص بمشاهد العنف والدم أو تحول بعض الشخصيات إلى طيور وحيوانات حيث أنه يعلن رفض هذه المشاهد فى صورة وأسلوب لا يقبل الجدل كما لو كان يقدم رأياً نهائياً غير قابل للتفنيد والنقاش، على أن رأيه القاطع والنهائى هذا يفيد فى شيئين:-
1- إن الوسيلة التى اتبعها هوراس للوصول إلى قضيته ونتيجته هى استقراء لأعمال كتّاب المسرح الأغريقى وعليه لجأ بعد ذلك إلى التعميم.
2- كل ما يسوقه هوراس من أحكام هو أمر لا يقبل الجدل "إنه لا يدع مجالاً لأى لون من ألوان الابتكار أو التجديد، إلا التجديد فى الصياغة الكلامية. ولعل روما لهذا السبب لم تظفر بمثل تلك المسرحيات التى ظفرت بها اليونان".
كيف نقيم الحكم على المسرحيات الرومانية ولم تصلنا إلا شذرات؟
يترتب على الجزئية الأولى التى عرضناها قبل أن نمضى بعد ذلك لنعرض باقى وجهات نظر هوراس فى مجال الدراما أن نقول بداية "إنه من العسير علينا أن نحكم على المسرحية الرومانية، وكيف نحكم عليها وهؤلاء الشعراء المسرحيون الرومان الذين اشتهروا فى وقت واحد، وهم إنيوس (229- 169 ق.م)، باكيفيوس (220-130 ق.م) لم تصلنا من مسرحياتهم إلا شذرات قليلة؟ ولم يسلم من يد البلى والهلاك سوى مآسى سينيكا العشر من بين المسرحيات اللاتينية الجديدة .
ولا نعتقد أن هؤلاء الكتّاب قد التزموا تعاليم هوراس، ذلك أنه من الممكن أن يتأثر هؤلاء الكتّاب بآراء أرسطوطاليس، وما الذى يمنع ذلك وقد نقل كتّاب المسرح الرومانى جميع مضامين مسرحياتهم من المسرح الأغريقى هذا من ناحية، من ناحية ثانية فمن يدعى أن سينيكا قد ألتزم تعاليم هوراس، وكما نعلم فلابد أن يفعل هوراس ما فعله أرسطو من قبل بقراءته لميراث أعمال كتّاب المسرح الأغريقى قراءة تحليلية ثم إصداره لكتابه فن الشعر، وإن كان البعض يعتقد أن هوراس فعل ذلك فإن سينيكا أحد أعظم كتاب المسرح الرومانى قد خالف ما قاله هوراس بضرورة أن تكون المسرحية من خمسة فصول إذ نلاحظ أن هذا "الدرامى الشهير سينيكا والذى ترجم أعماله عن اليونانية قد أهمل تقسيم هوراس للتراجيديا إلى خمسة فصول .
2- آراء هوراس فى الشخصيات المسرحية وعدد الفصول
نتيجة عرض هوراس لفكرة استبعاد مشاهد العنف والقتل والدم؛ لأنها تثير لدى المشاهد شعور التفرز، هذا إلى جانب أنها بعيدة كل البعد عن التصور فيما يحدث فى الحياة اليومية ترتب على ذلك أن يكون لهوراس موقفاً من الشخصيات المسرحية وعدد الفصول، حقيقى أن الأمر يبدو هنا غريباً وأعنى بكلامى أن الأغريق الذين ارتكز فنهم على الخرافة والأساطير يرفضون أن تقدم مشاهد العنف والقسوة.
على أن هذا المذهب كان له أثر بالغ فى توجيه النقد المسرحى وقواعد القصص التمثيلى عند بعض المتأخرين، فلم يستبعدوا من الدراما أعمال العنف جميعاً واعتمدوا فى تجسيد المواقف على مشاهد العنف والقسوة كما حدث عند سينيكا وشكسبير من بعده.
ذلك أن سينيكا الذى قدّم عدداً من التراجيديا القريبة من دراما الصالونات التى تعتمد على القراءة أكثر من التجسيد على خشبة المسرح وهى قريبة من كونها تدريبات على فن الخطابة نظراً لكون سينيكا من أحد قادة الرواقيين وأستاذا للإمبراطور نيرون ضمنها مشاهد من الأشباح والجرائم الدامية معتمداً فى وضعها على أسلوب السرد.
أما عن النقطة الثانية التى أثارها هوراس فى آرائه عن الدراما فتتمثل فى أنه نهى عن ظهور عدد من أشخاص المسرحية يزيد عن ثلاثة فى وقت واحد، وقرر فى برود المطمئن إلى صواب نتائجه بقوله: إنه ينبغى أن يشترك فى الحوار ممثل رابع، فجرى بعض الناس على سنته. كما أعلن وقضى بأن من شروط نجاح المسرحية ألا تتجاوز أو تقل عن خمسة فصول.
إن حديث هوراس السابق الذى يشبه الفرمان النهائى غير القابل للنقاش لا يعد صحيحاً؛ ذلك أن قضية عدد الشخصيات فى المسرحية وضرورة ألا تزيد عن ثلاث شخصيات فى موقف درامى وأنه غير مسموح للشخصية الرابعة أن تظهر على خشبة المسرح وتشارك فى الحوار فى داخل هذا المشهد لهو أمر غير صحيح. ذلك أن شكسبير لم يلتفت إلى آراء الأقدمين وحشد فى مسرحية "هاملت" ستة وعشرين شخصاً بين رجل وأمرأة عدا من استخدمهم من رجال البلاط والممثلين والرسل والجند والملاحين. ودفع بأثنى عشر منهم إلى المسرح معاً فى المنظر الثانى من الفصل الثالث.
وعليه نقول: هل عندما فعل شكسبير ذلك سنرد عليه ونقول "ليس ما كتب تمثيلاً ولا مسرحاً لأن مسرحية "أوديب ملكاً" لا تشتمل إلا على تسع شخصيات لم يجتمع منها فى زمن ومكان واحد غير ثلاث- والنقطة الأخرى فى النقطة الثانية فتتمثل فى شروط نجاح المسرحية ألا تزيد أو تتجاوز أو تقل عن خمسة فصول لكى يكتب لها النجاح أثبتت الأعمال المسرحية التالية لهوراس أن فى الإمكان أن تتكون المسرحية من ثلاث فصول أو أربعة أو خمسة فصول كما حدث عند شكسبير ولم يتقدم أحد ليعلن أن ما كتبه لا يعد مسرحاً لأن الأقدمين تمسكوا بأن تكتب المسرحية فى ثلاثة فصول فقط ومن يجتاز هذا الخط سيعنى هذا أن ما كتب لا يعد مسرحاً.
إن ما أعلنه هوراس فيما يتعلق بعدد الشخصيات على خشبة المسرح وتحديدها بثلاث وفصول المسرحية التى حددها بخمسة فصول أمور لم يتقيد بها أى من كتّاب المسرح وهى أمور تثير الحيرة، إذ كيف يقبل هوراس الكثير من المسلمات التى قال بها أرسطو ويخالفه فى بعضها الآخر فهو الذى نادى بضرورة أن "نقلد المؤلفين الأغريق" أى أن هوراس راعى ضرورة أن يأخذ الكتّاب الرومان موضوعات مسرحياتهم عن الأقدمين إذ يقول "ينبغى ألا تغيب النماذج اليونانية عن بالنا مطلقاً، ليلاً أو نهاراً".
وفى موضع آخر نكتشف أن هوراس الذى اتفق مع بعض آراء أرسطو وخالفه فى البعض الآخر يرفض هو الآخر من قبل سينيكا ذلك أن "هوراس وضع التقسيم إلى خمسة فصول لكن تطبيقات سينيكا لنظريات هوراس هى التى كانت لها أكبر الأثر، لأن تقسيمه الحدث الدرامى فى تراجيدياته إلى خمسة أجزاء (أو فصول) تفصل بينها أغانى الجوقة هو الذى أخذت به التراجيديا الأوربية إبان عصر النهضة .
دور الكورس فى المسرحية ووظيفته
أدركنا من قبل أن وظيفة الكورس فى المسرح اليونانى تخطت دورها كشخصية ممثل ومعلق وشارح ومفسر وضمير الأمة وضمير المؤلف ويرفه عن الجمهور بين الفصول وغير ذلك من الوظائف التى أثرت دوره.
أما هوراس فيعلن أنه لابد وأن تنفصل وظيفة الكورس فى سير الرواية. وأعنى بذلك أنه حرّم على الكورس أن يغنى بين الفصول ما لم مقامه تماماً وفرض عليه جمله أن يؤدى مهمة ممثل فى سياق المسرحية ومشاهد يعلق عليها فى آن واحد، إن طبيعة دور الكورس ووظيفته فى المسرحية الرومانية قد تبلورت فى مسرح سينيكا الذى خالف طبيعه دور الكورس فى المسرح الأغريقى كما أنه أكد طبيعة دوره الذى نادى به هوراس حيث أصبح يقتصر "على تقديم الفقرات القصيرة التى تفرق بين فصول المسرحية" ولم يعد الكورس يمثل الكيان الأساسى للمسرحية مثلما نشأت عند الأغريق.
الوحدات الثلاث وموقف من خلف هوراس منها
تحدث هوراس أيضاً عن الوحدات الثلاث، وحدة الزمان، ووحدة المكان، ووحدة الموضوع، واعتقد هوراس أن هذه القواعد ملزمة أيضاً لكتاب المسرح لكى يلتزموا بها وأن على المؤلف ألا يتعدى فى زمان المسرحية دورة شمس واحدة، وأن ترتكز الأحداث، لتتم فى مكان واحد وألا تتعدد موضوعات المسرحية.
إذا أردنا أن نتعرف بمدى صحة ما ذكره هوراس من قواعد ملزمة على الكتّاب من بعده نجد أن شكسبير عقد للمسرحية أكثر من عقده فى كل مسرحياته، وبذلك خالف السابقين عليه الذين عمدوا إلى وحدة الحدث، كما سحب شكسبير أزمان مسرحياته على جملة سنين مخالفاً الأقدمين الذين قصروا أزمان مسرحياتهم على أربع وعشرين ساعة؟ نقل شكسبير مكان الحدث من الإسكندرية إلى روما إلى سوريا إلى أثينا، أفننكر عليه شرف الخلق لأن الأقدمين أو فريقاً منهم ثبتوا فى مكان واحد؟ إن شكسبير اختلف مع الاقدمين فى أصول الدراما عندهم واختلف معهم فى وظيفة الفن وطبيعته وعناصره، وفى موقف الشاعر من الفن وأثبت أن جميع الأصول التى وضعها من سبقوه ما هى إلا قواعد لا لزوم لها وقيود من صنع الخيال الضيق والمنطق الطائش.
وبذلك نستطيع التأكيد على مخالفة شكسبير لآراء هوراس وهذه مخالفة مقنعة ومنطقية؛ إذ إنه من أين يأتى الابتكار والتجديد لو أن شكسبير التزم حرفياً بآراء هوراس الذى طالما نصح بضرورة الالتزام "بالتقاليد؛ وترى أن ابتكاراتك ملائمة. ومن الأمن لك أن تلتزم بالتقاليد ومفخرتك ستكون أعظم إذا تناولت بأسلوب جديد أفكاراً استهلك استعمالها بدلاً من محاولة الابتكار .
ومن ثم نستطيع القول: إن هوراس اتفق مع أرسطو فى بعض الأمور وخالفه فى كثير فيما "يرى أرسطو أن المسرحية يجب أن تكون من الطول بحيث تؤدى ما عمدت إليه، وبالنسبة لهوراس يرى أنها يجب أن تكون من خمسة فصول، ولقد حلت قاعدة هوراس هذه المشكلة بإتقان ما لم يكن ذلك جازماً والمسرحيات من الآن فصاعداً يجب أن تكون من خمس فصول. لقد أصبح الذوق الاجتماعى أكثر أهمية من الدراما، وهوراس على وجه خاص يمنع الشاعر من عدم التقيد بقواعد الفن".
أهمية كتاب هوراس
إن أهمية هوراس باعتباره ناقداً هى أهمية تاريخية أكثر منها شىء آخر، فقد استمد النقد فى عصر النهضة كثيراً من أفكاره.وأهم من هذا أنه استمد منه هذا الميل نحو صياغة القواعد، وهكذا عدل النقاد عما كان يذهب إليه أرسطو من الطريقة التحليلية التى كانت تغلب عليها الصبغة العلمية.
إن آراء هوراس التى هاجم فيها آراء أرسطو واعترض عليها قد استمرت فى بعضها بعد أرسطو، يحث وجدنا كثيراً من الكتّاب، بل وحركة النقد فى العصور الوسطى وعصر النهضة تعتمد على استخدام الكثير من أفكاره؛ لأنها أصبحت أفكاراً من الطبيعى اعتناقها والعمل بها. على أن هذا لا يعنى أن هوراس قد أتى بجديد، ذلك أنه اعتمد على آراء أرسطو واستنبط منها الكثير من آرائه على ذلك فهى أفكار ومقترحات كانت فى وقتها تمتلك قوة الفرمان الذى لا يناقش، لكنها بعد ذلك تحققت فلم تعد المسرحية تعتمد على الوحدات، ولم يعد للجوقة مكان بالمسرحية، وكذا الحال مع عدد شخصيات المسرحية فلم يعد يلتزم الكتّاب بآراء الأقدمين وحشدت بالمسرحية الكثير من الشخصيات.
إن هذا النقاش واللغو لإثبات ما هو ثابت فى تاريخ النقد المسرحى أمر يرفضه البعض؛ لأن آراء أرسطو وهوراس كانت صحيحة بمعطيات وقتها كما أن آراء من خالفوهم صحيحة هى الأخرى طبقاً للوقت الذى وضعت فيه وعليه أرى أن آراء هوراس هذه وإن كانت فى وقتها صحيحة لكن التطور الذى لحق بحركة المسرح أفرز آراء أخرى جاءت هى الأخرى صحيحة وعليه ليست هذه الآراء السابقة خاطئة كما أن الآراء الجديدة ليست خاطئة أيضاً ولكن يعاب على كتاب هوراس أن آراءه جاءت تعسفية بعيدة عن التمحيص الواجب بخلاف آراء أرسطو المعتمدة على إمعان النظر والتحليل والتمحيص لينتهى إلى رأى من الآراء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
amr



المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 21/04/2011

مُساهمةموضوع: amr01227@yahoo.com   الخميس أبريل 21, 2011 1:45 pm

احمد صقر كتب:

هوارس وآراؤه
فى كتابه "فن الشعر" ()
بين النقد ونظرية الدراما
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
========================
يتضمن كتابه فن الشعر Arspocticaثلاثة موضوعات هى:
1- وظيفة الشعر.
2- الدراما.
3- الصناعة والالهام.
الموضوع الأول: وظيفة الشعر (65-8 ق.م)(أراؤه النقدية )
ولد :"هوارس" سنة 65 ق.م ( ) لأب قروى بسيط أعتق أبوه قبل مولده من العبودية، لكنه ظل يعانى الكثير على ألسنة معيرية وأقلامهم فى صدر حياته.
تحدث الكثير من النقاد عن كتابه "فن الشعر" وقالوا: إن هذا المقال به كثير من القضايا التى تعتبر من أخطر أحكام النقد الأدبى على الإطلاق حتى أن الناقد المحترف ليحار فى تحديد موقفه من الشاعر المراوغ ومن قصيدته كثيرة المزالق. ثم إن فى إنشاء المقال ظاهرة تسترعى الانتباه. ألا وهى التفكك الشديد بين أجزائه، مما يدل على أنه نظم فى فترات متباعدة: فهو يبدأ الكلام من عناصر الأدب، ثم ينتقل إلى مشكلة اللغة والإشتقاق، ثم يقفز إلى مسألة من مسائل العروض عرضت له، ثم يعود وينتقل إلى الدراما وأصولها ثم يعود بك إلى شعر الملاحم، ثم يرجع إلى منشأ الدراما مرة أخرى ثم يعرج على مشكلة الفن والإلهام، ثم يتراجع إلى الدراما من جديد، ثم يتناول وظيفة الشعر، ثم يعود إلى مشكلة الفن والإلهام وهكذا تغلب على هذا المقال هذه الصفة.
الوحدة العضوية (وحدة الفعل):
كانت للشعر وظيفة، وكانت تلك الوظيفة هى التعليم، وإلى عهد أريستوفانيس كان مقام الشاعر فى المجتمع هو مقام المعلم، نجد هذا مفصلاً فى كوميديا الضفادع، كما وجدنا ما يدل على شيوع هذا الرأى عند الاغريق هو تكراره على يد هوميروس وغيرهم، حيث لم يقتصر هذا الرأى على المآسى، بل تعداها إلى الكوميديا. فنحن نجد ما يدلل على صحة رأينا عند أريستوفانيس فى كوميدياته ( ).
ولكن وظيفة التعليم هذه التى نسبها القدماء للشعر لم نجد لها مفسراً أصدق من أرسطو. ففى الكاثارسيس التى بسطها أرسطو نجد لها شرحاً دقيقاً فى كتابه "فن الشعر" وللطريقة التى تفعل بها المآسى فى قلوب الناس.
2- هوارس ومقاله حول "فن الشعر"
تعرض هوارس فى مقاله عن "فن الشعر" لهذه المسألة- أقصد وظيفة الشعر- لكننا نجد ضحالة علم هوارس ومراوغته فى تقديم آرائه فى وظيفة الشعر.
أما عن الضحالة فتتضح فى سياق نص المقال، إذ يقول معدداً آثار الشعر والموسيقى فى آن واحد، لما كان الناس خائفين متوحشين، روعهم أورفيوس المقدس، ترجمان الآلهة، من سفك الدماء ومن سوء الحياة التى يحيونها، لذا قيل عنه أنه روض النمور والسباع الكاسرة إلى غير ذلك من الوصف الذى يحاول أن يفرق بين شئون الجماعة وشئون الفرد فبعضها يحفز قلوب الشجعان للمعارك والبعض الآخر يستجدى عطف الملوك فى قصائد من ربات الشعر وبرغم ذلك، وبرغم ما فى هذا التعداد من جمال وإنتعاش ومحاولة ساذجة للحصر والإفادة، فإنه لا يشهد بغزارة علم هوارس وخصوبة تفكيره.
أما الرغبة فى المراوغة فتتمثل الوسيلة التى توسل بها ليتجنب وقوع آرائه فى منطقة الشك من قبل الناس، لذا فإنه ليس هناك من سبيل إلى الإحتجاج بأن هوارس إنما ينسج شعراً ولا يسوق حججاً، لأنه قد أثبت فى مواضع أخرى من مقاله أنه جاد كل الحد متوخ تحقيق المفكر وعدالة المؤرخ. وهى بالجملة ألعوبة اعتاد أن يحتال بها على تحاشى الصعاب، لا تقل بشاعة عن ألعوبته الأخرى وهى الجزم بالقضايا التى تحتمل ألف مطعن جزماً يوهم قارئه أنها من المسلمات. فإذا أضفنا إلى فقرته السابقة عبارة أخرى شردت منه فى مكان آخر، حيث أعلن أن "غاية الشعر" إما الإفادة أو إثارة اللذة وشرح عبر الحياة فى آن واحد فقد حصرنا ما تفضل هوارس به علينا فى باب خطير كباب وظيفة الشعر.
3- ما هى طبيعة ووظيفة الشعر عند هوارس
نضج البحث فى وظيفة الشعر قبل هوارس بقرون، فماذا كان حظه من هذا كله؟.
اكتفى هوارس بسرد الوجوه المختلفة التى أمكن للشعر قديماً أن يسترضى عامة الناس بها ويتدخل فى تنظيم حياتهم، على صورة موجزة، ولم يتعرض للوسائل الفنية التى تتوسل بها الفنون لذلك. وهو يقرر أن الشعراء قد اكتسبوا بين الناس مكانة الحكماء والنبيين من جراء توسطهم فى حل مشاكل الخلق، وهى فكرة قديمة شائعة إلى حد جعل الرومان ينحتون لفظة تشير إلى الشاعر والنبى كأنهما شىء واحد، وهى كلمة فاتيس الوظيفة الاجتماعية التى أثبتها هوراس للشعر فى إجمال شديد توطئة لذلك ليست إلا حصراً ساذجاً لعلاقاته بالجماعة إلى نشأ فيها، فوضع "شراء الحياة الزوجية" و "النهى عن الحب الدنس" و "سن القوانين على ألواح خشبية" وإن كانت جميعاً من الصفات التى أثرت على الشعر فى الزمن الماضى، لكنها بطلت اليوم بطلاناً كاملاً، فما بالك ببناء المدائن، لقد أسلمت الجماعة رقابها فى عصر الفردية والاستقلال للشعراء ونصوصهم وتعاويذهم لأنهم كانوا قادة الفكر فيها، فبعد أن دخلت المدينة فى طور التكوين وبدأ الناس يحسون أن تنظيم العلاقات، بين الفرد والبيئة التى يعيشون فيها هى أول ما ينبغى البت فيه تنازل الشعراء راضين أو كارهين عن قيادة الفلاسفة، فبعد أن رسخت الحضارة وتوطدت أركان الدولة على المدينة الكثيرة سقط الزمام فى أيدى رجال السيف وهلم جرا.
4- استمرار وظيفة الشعر بعد هوارس
ان وظيفة الشعر عاشت كذلك عصوراً متأخرة لا بالمعنى الذى أجمله هوراس فى مقاله، بل بعد أن شكلت وتلطفت حسبما اقتضت روح الانتقال الزمنى وطبيعة الثقافات المتعاقبة حتى فقدت كل صلة بينها وبين حالها القديم- فدانتى وشكسبير وجيته لم يعيشوا عبثا، ولم يكتبوا بغير هدف. لكن المدارس كثرت بانتشار الوعى وتقدم العرفان. فواحدة تجزم بأن الغاية من الفنون كذا، وأخرى تجزم بأنها كيت وثالثة تقول بأن الخوض فى الوسائل والغايات عقيم وتؤثر أن تقول أن الشعر فى صمت وتسليم بلون من الجبرية ورابعة تستفهم فى استنكار: هل الشعر وظيفة؟ كأن العالم لم يقل شعراً قبل أن جاءت هى إلى الأرض ببرامجها، وهكذا حتى يضيع الحق إلى أن يصل الأدب إلى اندريه بريتون وأتباعه من السيرياليين.


1- أثر آراء هوراس وظيفة الشعر على الكتاب اللاحقين
لا يستطيع أحد أن ينكر آراء هوراس عن وظيفة الشعر على اللاحقين ذلك أن ما ذكره هوراس عن إنشاد النبوة أو الألوهية أو ما هو منها إلى شعراء العصر الذهبى قد أوحى إلى كثير من النقاد المحدثين بما كتبوه فى هذا الشأن. بل أنت ترى قصة "الفاتيس" أى النبوة أو الحكمة للشعراء- التى مر تفصيلها فى أعمال كتاب عصر النهضة ومن جاءوا فى أعقابهم سواء نقاد العصر الحديث أو المعاصر، ونعطى لذلك مثالاً يتمثل فى آراء "سيرفيليب سيدنى حيث يردد الحكاية القديمة فى حماسه وإصرار قل نظيرهما فى تاريخ العقائد والآراء عام 1595 قائلاً إن الشاعر "كان يلقب بين الرومان بالفاتيس وهو الكاهن أو الرسول أو النبى. مثل هذا اللقب السماوى جاد به ذلك الشعب المجيد على ذلك الفن الذى يأسر القلب. ولقد بلغ إعجابهم به مبلغاً خالوا معه أن فى أمثال هذه الأشعار تكهنات بما سينالهم من أحداث، لأن منها ما كان يتحقق عن طريق المصادفة.
إذن يقتصد الكثير من هؤلاء النقاد- كرلايل- شلى- أن الشعراء هم الكهنة الذين يترجمون وحياً لا يدركون معناه، هم المرايا التى تعكس الظلال الماردة التى يرمى بها الغد على الحاضر، هم الكلمات التى تفصح عما لا يفقهون، هم الأبواق التى تنشد فى المعركة بشىء مما توحيه للنفوس، هم الأثر الذى يحرك ولا يتحرك. الشعراء هم شراع العالم الذين لا يعترف بهم إنسان.
ومما سبق نستطيع القول: إنه عسير على الإنسان أن يقرأ هذا كله دون أن يهتز له ويؤمن به. هكذا تأرجح الشعر بين الزراية والتقديس، هكذا طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته وهكذا أسلمهم هوراس ومن نحوا نحوه مقاليد الزعامة والتشريع.

6- نقصان التعريف الكامل لوظيفة الشعر عند هوراس
فى كلام هوراس عن وظيفة الشعر ذكر قولاً نعتقد أنه عفوى إذ قال " إن غاية الشعراء إما الإفادة أو الامتاع، أو إثارة اللذة وشرح عبر الحياة فى أن واحد "ولقد أثار هذا الرأى الكثير من الاختلاف والاتفاق عبر القرن التاسع عشر، وإن كان الحق فيه مازال ضائعاً.
فإن كان المراد من عبارة هوراس مجرد تقرير لحال الشعر والأدب عامة فهى صحيحة وساذجة؛ لأن قارئ الأدب لا يجد صعوبة فى الوصول إلى النتيجة نفسها بمجهوده الشخصى، فمن الواضح أن الأدب ألوان:
‌أ- لون طبيعته الإفادة على صورة رئيسة كما هو الحال فى "جمهورية أفلاطون" ومحاوراته" و "ألفية ابن مالك" وكتاب "داروين" فى أصل الأنواع.
‌ب- لون طبيعته الإمتاع أساساً كما هو الشأن فى أعمال أوسكار وايلد، ومسرحيات شكسبير التى وضعت قبل عام 1595.
‌ج- ولون طبيعته الإفادة والإمتاع جميعاً يلتمس فى "الإلياذة" و "الكوميديا الإلهية" والكثرة الغالبة من مسرحيات شكسبير التى نظمت بعد "تاجر البندقية" و "فاوست لجوته، و "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم.
7- هوراس لا ينظر إلى الشعر ككائن عضوى
إن البحث فى وظائف الفنون لا يتأتى إلا بالنظر إليها نظرك إلى كائن عضوى، وهوراس لم يفطن إلى هذا. قرأ هوراس "الإلياذة" و "أوديب ملكاً" و"أفيجنيا" كما قرأ النتف "الشذرات- البقايا" التى وصلت إلى يده من "ألكايوس" و "سافو" و "بندار" فمال إلى التعميم، واستخلص القضية التى وردت فى مقاله، فكان شأنه فى ذلك شأن المعلم الأول عندما أراد أن يبت فى مشاكل الدراما على ضوء إسخيلوس وسوفوكليس. إن للفنون طبيعة دينامية لأنها إحياء والثابت علامة الموت أو الذبول. وهذا ما جعل طريقة أرسطو تحليلية بخلاف هوراس الذى تعد تقديراته تعسفية.
وإذا أردنا الحصر المنطقى- لوظيفة الشعر عند هوراس- على وجه تقديرى فإن قضية هوراس مانعة غير جامعة؛ ذلك لأن الحصر المنطقى يقتضى رد التراث الأدبى المعروف حتى اليوم إلى أربعة صنوف غايتها على التعاقب الإفادة أو الإمتاع أو كلاهما. وهذه الضروب الثلاثة الأولى سبق أن أشرنا إليها.
أما الضرب الرابع فليس فرضاً منطقياً كما يتوهم البعض، بل مذهباً كان ظهوره فى القرن التاسع عشر وهو المذهب الذاتى، (أى الفن للفن) وهو مذهب يعتبر الشعر إفرازاً وهذا فى ألطف درجاته، وفى أخطرها ينفى مسئولية الشاعر عن الإيصال.
8- ما قيم الشعر كما حددها هوراس؟
أثبت هوراس للشعر ثلاث قيم:- قيمة عرفانية، وقيمة جمالة وقيمة "عرفانية جمالية" فتفادى عامداً أو غير عامد- الزج بنفسه فى جدل لا ينتهى. فلو أنه أغفل أن يسند إلى الشعر إحدى هذه الوظائف لما سلم من ملامة الفريق المضاد لرأيه، أياً كانت صفة هذا الفريق ولكنه بهذا الحصر المانع قد أمن الزلل وسد على غيره سبل النقد فحق علينا أن نعترف له بسداد التفكير فى هذا الباب.

2- الدراما
هوراس والمسرحية الرومانية

1- حال النقد المسرحى بعد أرسطو
تأتى بعد أرسطو فترة طويلة خالية من النقد المسرحى وكأنما كان مقدراً لهذا النقد أن يرتكز لسنوات طويلة على أحكام أرسطو وإلى أن نصل إلى هوراس، عندئذ تبدأ مرحلة جديدة من الممكن أن نسميها النظرية الأدبية الكلاسيكية الحديثة. لقد كانت طريقة أرسطو طريقة تحليلية إلى حد بعيد؛ حيث كان يتناول المسرحية تلو المسرحية فيحلل كلاً منها جزءاً جزءاً، ثم يعطى رأيه فى آخر الأمر فى سماتها المميزة الرئيسة جميعاً.

الاختلاف بين أسلوب هوراس وأرسطو
أشرنا فى الفقرة السابقة إلى أن أسلوب أرسطو وطريقته يعتمدان على التحليل ليصل إلى إصدار حكمه ورأيه وهذا ما مكنه فى وضع قانونه الخالد من خلال كتابه "فن الشعر لكنه لم يضعه بتلك الطريقة التعسفية، بل هو لم يضعه إلا بعد إمعانه النظر بنفسه إمعاناً دقيقاً فى أعمال مسرحية بذاتها . وهو أسلوب يختلف عن هوراس.
"تختلف طريقة هوراس عن طريقة أرسطو اختلافاً كبيراً؛ فتقريراته تقريرات تعسفية كل التعسف، ونحن نشعر كأنها لم تمحص- فى كثير من الأحيان- التمحيص الواجب. ففى كتابه "رسالة إلى البيسوس" i60S نجده يرسل آراءه فى أشد ما يمكن من الإيجاز المختصر. وقد تقررت أنماط الشعر هنا بصورة نهائية، وتحدد لكل منها، على ما يقول هوراس بصورة تقريرية، وزن خاص.
وإذا أردنا التعرف بآراء هوراس فى مجال الدراما فلابد قبل أن نعرضها، أن نعى جيداً أنه لم يدرس هذه الآراء ولم يمحصها بل جاءت- كما أكد الكثير من الشراح والنقاد- وكأنها من البديهيات التى لا تحتاج إلى إقامة الدليل وهى بطبيعة الحال ليست من ابتكاره بل مستعارة جملة من كتاب أرسطو "فن الشعر" مستفيداً فى ذلك من أساليب كتاب المسرح الذين سبقوه والذين عاصروه. فمثلاً تحدث هوراس عن المحاكاة فوجدها تعنى بالنسبة لأفلاطون وأرسطو محاكاة الطبيعة، لكنها بدأت تعنى بالنسبة لهوراس محاكاة الكتاب الآخرين" ، وهى النظرة التى سوف تسيطر على آراء النقاد اللاحقين وعلى كتاب المسرح فى عصر النهضة إذ عليهم محاكاة الكتاب الآخرين.
آراء هوراس فى مجال الدراما (نظرية التراجيديا الرومانية)
1-حرّم مشاهد العنف والقتل (بخلاف أرسطو الذى سمح بذلك). يقول هوراس سطر (182-88) "يجب عليك ألا تدفع إلى خشبة المسرح ما كان طبيعيا أن يتم وراء الكواليس، وأن تحجب عن أعيننا أموراً شتى هى من اختصاص الممثل أن يرويها فى حضرتنا عندما يأتى حينها. فلا تدع ميديا تذبح بنيها أمام النظارة، أو أتريوس يطهو اللحم الآدمى، أو بروكنية تستحيل إلى طائر أو كاوموسى إلى أفعى: فإنى لأبغض كل ما ترينيه من هذا القبيل لأنه جاوز حد التصور.
إن تعليمات هوراس هذه لم تلق قبولاً على طول الخط من كتّاب المسرح الرومانى؛ إذ أننا بقراءتنا لمسرحيات سينيكا العشر نكتشف أن أوضح الصدمات لمسرح سينيكا على عصر النهضة تتمثل فى شيوع "مسرح الدم" أو "تراجيديا الانتقام" فهو المسئول الأول عن مناظر الرعب والفظائع المريعة التى تعد وصمة فى جبين المسرح الليزابيثى".
وهكذا نجد هوراس يقضى فى أمر من أمور الدراما فيما يختص بمشاهد العنف والدم أو تحول بعض الشخصيات إلى طيور وحيوانات حيث أنه يعلن رفض هذه المشاهد فى صورة وأسلوب لا يقبل الجدل كما لو كان يقدم رأياً نهائياً غير قابل للتفنيد والنقاش، على أن رأيه القاطع والنهائى هذا يفيد فى شيئين:-
1- إن الوسيلة التى اتبعها هوراس للوصول إلى قضيته ونتيجته هى استقراء لأعمال كتّاب المسرح الأغريقى وعليه لجأ بعد ذلك إلى التعميم.
2- كل ما يسوقه هوراس من أحكام هو أمر لا يقبل الجدل "إنه لا يدع مجالاً لأى لون من ألوان الابتكار أو التجديد، إلا التجديد فى الصياغة الكلامية. ولعل روما لهذا السبب لم تظفر بمثل تلك المسرحيات التى ظفرت بها اليونان".
كيف نقيم الحكم على المسرحيات الرومانية ولم تصلنا إلا شذرات؟
يترتب على الجزئية الأولى التى عرضناها قبل أن نمضى بعد ذلك لنعرض باقى وجهات نظر هوراس فى مجال الدراما أن نقول بداية "إنه من العسير علينا أن نحكم على المسرحية الرومانية، وكيف نحكم عليها وهؤلاء الشعراء المسرحيون الرومان الذين اشتهروا فى وقت واحد، وهم إنيوس (229- 169 ق.م)، باكيفيوس (220-130 ق.م) لم تصلنا من مسرحياتهم إلا شذرات قليلة؟ ولم يسلم من يد البلى والهلاك سوى مآسى سينيكا العشر من بين المسرحيات اللاتينية الجديدة .
ولا نعتقد أن هؤلاء الكتّاب قد التزموا تعاليم هوراس، ذلك أنه من الممكن أن يتأثر هؤلاء الكتّاب بآراء أرسطوطاليس، وما الذى يمنع ذلك وقد نقل كتّاب المسرح الرومانى جميع مضامين مسرحياتهم من المسرح الأغريقى هذا من ناحية، من ناحية ثانية فمن يدعى أن سينيكا قد ألتزم تعاليم هوراس، وكما نعلم فلابد أن يفعل هوراس ما فعله أرسطو من قبل بقراءته لميراث أعمال كتّاب المسرح الأغريقى قراءة تحليلية ثم إصداره لكتابه فن الشعر، وإن كان البعض يعتقد أن هوراس فعل ذلك فإن سينيكا أحد أعظم كتاب المسرح الرومانى قد خالف ما قاله هوراس بضرورة أن تكون المسرحية من خمسة فصول إذ نلاحظ أن هذا "الدرامى الشهير سينيكا والذى ترجم أعماله عن اليونانية قد أهمل تقسيم هوراس للتراجيديا إلى خمسة فصول .
2- آراء هوراس فى الشخصيات المسرحية وعدد الفصول
نتيجة عرض هوراس لفكرة استبعاد مشاهد العنف والقتل والدم؛ لأنها تثير لدى المشاهد شعور التفرز، هذا إلى جانب أنها بعيدة كل البعد عن التصور فيما يحدث فى الحياة اليومية ترتب على ذلك أن يكون لهوراس موقفاً من الشخصيات المسرحية وعدد الفصول، حقيقى أن الأمر يبدو هنا غريباً وأعنى بكلامى أن الأغريق الذين ارتكز فنهم على الخرافة والأساطير يرفضون أن تقدم مشاهد العنف والقسوة.
على أن هذا المذهب كان له أثر بالغ فى توجيه النقد المسرحى وقواعد القصص التمثيلى عند بعض المتأخرين، فلم يستبعدوا من الدراما أعمال العنف جميعاً واعتمدوا فى تجسيد المواقف على مشاهد العنف والقسوة كما حدث عند سينيكا وشكسبير من بعده.
ذلك أن سينيكا الذى قدّم عدداً من التراجيديا القريبة من دراما الصالونات التى تعتمد على القراءة أكثر من التجسيد على خشبة المسرح وهى قريبة من كونها تدريبات على فن الخطابة نظراً لكون سينيكا من أحد قادة الرواقيين وأستاذا للإمبراطور نيرون ضمنها مشاهد من الأشباح والجرائم الدامية معتمداً فى وضعها على أسلوب السرد.
أما عن النقطة الثانية التى أثارها هوراس فى آرائه عن الدراما فتتمثل فى أنه نهى عن ظهور عدد من أشخاص المسرحية يزيد عن ثلاثة فى وقت واحد، وقرر فى برود المطمئن إلى صواب نتائجه بقوله: إنه ينبغى أن يشترك فى الحوار ممثل رابع، فجرى بعض الناس على سنته. كما أعلن وقضى بأن من شروط نجاح المسرحية ألا تتجاوز أو تقل عن خمسة فصول.
إن حديث هوراس السابق الذى يشبه الفرمان النهائى غير القابل للنقاش لا يعد صحيحاً؛ ذلك أن قضية عدد الشخصيات فى المسرحية وضرورة ألا تزيد عن ثلاث شخصيات فى موقف درامى وأنه غير مسموح للشخصية الرابعة أن تظهر على خشبة المسرح وتشارك فى الحوار فى داخل هذا المشهد لهو أمر غير صحيح. ذلك أن شكسبير لم يلتفت إلى آراء الأقدمين وحشد فى مسرحية "هاملت" ستة وعشرين شخصاً بين رجل وأمرأة عدا من استخدمهم من رجال البلاط والممثلين والرسل والجند والملاحين. ودفع بأثنى عشر منهم إلى المسرح معاً فى المنظر الثانى من الفصل الثالث.
وعليه نقول: هل عندما فعل شكسبير ذلك سنرد عليه ونقول "ليس ما كتب تمثيلاً ولا مسرحاً لأن مسرحية "أوديب ملكاً" لا تشتمل إلا على تسع شخصيات لم يجتمع منها فى زمن ومكان واحد غير ثلاث- والنقطة الأخرى فى النقطة الثانية فتتمثل فى شروط نجاح المسرحية ألا تزيد أو تتجاوز أو تقل عن خمسة فصول لكى يكتب لها النجاح أثبتت الأعمال المسرحية التالية لهوراس أن فى الإمكان أن تتكون المسرحية من ثلاث فصول أو أربعة أو خمسة فصول كما حدث عند شكسبير ولم يتقدم أحد ليعلن أن ما كتبه لا يعد مسرحاً لأن الأقدمين تمسكوا بأن تكتب المسرحية فى ثلاثة فصول فقط ومن يجتاز هذا الخط سيعنى هذا أن ما كتب لا يعد مسرحاً.
إن ما أعلنه هوراس فيما يتعلق بعدد الشخصيات على خشبة المسرح وتحديدها بثلاث وفصول المسرحية التى حددها بخمسة فصول أمور لم يتقيد بها أى من كتّاب المسرح وهى أمور تثير الحيرة، إذ كيف يقبل هوراس الكثير من المسلمات التى قال بها أرسطو ويخالفه فى بعضها الآخر فهو الذى نادى بضرورة أن "نقلد المؤلفين الأغريق" أى أن هوراس راعى ضرورة أن يأخذ الكتّاب الرومان موضوعات مسرحياتهم عن الأقدمين إذ يقول "ينبغى ألا تغيب النماذج اليونانية عن بالنا مطلقاً، ليلاً أو نهاراً".
وفى موضع آخر نكتشف أن هوراس الذى اتفق مع بعض آراء أرسطو وخالفه فى البعض الآخر يرفض هو الآخر من قبل سينيكا ذلك أن "هوراس وضع التقسيم إلى خمسة فصول لكن تطبيقات سينيكا لنظريات هوراس هى التى كانت لها أكبر الأثر، لأن تقسيمه الحدث الدرامى فى تراجيدياته إلى خمسة أجزاء (أو فصول) تفصل بينها أغانى الجوقة هو الذى أخذت به التراجيديا الأوربية إبان عصر النهضة .
دور الكورس فى المسرحية ووظيفته
أدركنا من قبل أن وظيفة الكورس فى المسرح اليونانى تخطت دورها كشخصية ممثل ومعلق وشارح ومفسر وضمير الأمة وضمير المؤلف ويرفه عن الجمهور بين الفصول وغير ذلك من الوظائف التى أثرت دوره.
أما هوراس فيعلن أنه لابد وأن تنفصل وظيفة الكورس فى سير الرواية. وأعنى بذلك أنه حرّم على الكورس أن يغنى بين الفصول ما لم مقامه تماماً وفرض عليه جمله أن يؤدى مهمة ممثل فى سياق المسرحية ومشاهد يعلق عليها فى آن واحد، إن طبيعة دور الكورس ووظيفته فى المسرحية الرومانية قد تبلورت فى مسرح سينيكا الذى خالف طبيعه دور الكورس فى المسرح الأغريقى كما أنه أكد طبيعة دوره الذى نادى به هوراس حيث أصبح يقتصر "على تقديم الفقرات القصيرة التى تفرق بين فصول المسرحية" ولم يعد الكورس يمثل الكيان الأساسى للمسرحية مثلما نشأت عند الأغريق.
الوحدات الثلاث وموقف من خلف هوراس منها
تحدث هوراس أيضاً عن الوحدات الثلاث، وحدة الزمان، ووحدة المكان، ووحدة الموضوع، واعتقد هوراس أن هذه القواعد ملزمة أيضاً لكتاب المسرح لكى يلتزموا بها وأن على المؤلف ألا يتعدى فى زمان المسرحية دورة شمس واحدة، وأن ترتكز الأحداث، لتتم فى مكان واحد وألا تتعدد موضوعات المسرحية.
إذا أردنا أن نتعرف بمدى صحة ما ذكره هوراس من قواعد ملزمة على الكتّاب من بعده نجد أن شكسبير عقد للمسرحية أكثر من عقده فى كل مسرحياته، وبذلك خالف السابقين عليه الذين عمدوا إلى وحدة الحدث، كما سحب شكسبير أزمان مسرحياته على جملة سنين مخالفاً الأقدمين الذين قصروا أزمان مسرحياتهم على أربع وعشرين ساعة؟ نقل شكسبير مكان الحدث من الإسكندرية إلى روما إلى سوريا إلى أثينا، أفننكر عليه شرف الخلق لأن الأقدمين أو فريقاً منهم ثبتوا فى مكان واحد؟ إن شكسبير اختلف مع الاقدمين فى أصول الدراما عندهم واختلف معهم فى وظيفة الفن وطبيعته وعناصره، وفى موقف الشاعر من الفن وأثبت أن جميع الأصول التى وضعها من سبقوه ما هى إلا قواعد لا لزوم لها وقيود من صنع الخيال الضيق والمنطق الطائش.
وبذلك نستطيع التأكيد على مخالفة شكسبير لآراء هوراس وهذه مخالفة مقنعة ومنطقية؛ إذ إنه من أين يأتى الابتكار والتجديد لو أن شكسبير التزم حرفياً بآراء هوراس الذى طالما نصح بضرورة الالتزام "بالتقاليد؛ وترى أن ابتكاراتك ملائمة. ومن الأمن لك أن تلتزم بالتقاليد ومفخرتك ستكون أعظم إذا تناولت بأسلوب جديد أفكاراً استهلك استعمالها بدلاً من محاولة الابتكار .
ومن ثم نستطيع القول: إن هوراس اتفق مع أرسطو فى بعض الأمور وخالفه فى كثير فيما "يرى أرسطو أن المسرحية يجب أن تكون من الطول بحيث تؤدى ما عمدت إليه، وبالنسبة لهوراس يرى أنها يجب أن تكون من خمسة فصول، ولقد حلت قاعدة هوراس هذه المشكلة بإتقان ما لم يكن ذلك جازماً والمسرحيات من الآن فصاعداً يجب أن تكون من خمس فصول. لقد أصبح الذوق الاجتماعى أكثر أهمية من الدراما، وهوراس على وجه خاص يمنع الشاعر من عدم التقيد بقواعد الفن".
أهمية كتاب هوراس
إن أهمية هوراس باعتباره ناقداً هى أهمية تاريخية أكثر منها شىء آخر، فقد استمد النقد فى عصر النهضة كثيراً من أفكاره.وأهم من هذا أنه استمد منه هذا الميل نحو صياغة القواعد، وهكذا عدل النقاد عما كان يذهب إليه أرسطو من الطريقة التحليلية التى كانت تغلب عليها الصبغة العلمية.
إن آراء هوراس التى هاجم فيها آراء أرسطو واعترض عليها قد استمرت فى بعضها بعد أرسطو، يحث وجدنا كثيراً من الكتّاب، بل وحركة النقد فى العصور الوسطى وعصر النهضة تعتمد على استخدام الكثير من أفكاره؛ لأنها أصبحت أفكاراً من الطبيعى اعتناقها والعمل بها. على أن هذا لا يعنى أن هوراس قد أتى بجديد، ذلك أنه اعتمد على آراء أرسطو واستنبط منها الكثير من آرائه على ذلك فهى أفكار ومقترحات كانت فى وقتها تمتلك قوة الفرمان الذى لا يناقش، لكنها بعد ذلك تحققت فلم تعد المسرحية تعتمد على الوحدات، ولم يعد للجوقة مكان بالمسرحية، وكذا الحال مع عدد شخصيات المسرحية فلم يعد يلتزم الكتّاب بآراء الأقدمين وحشدت بالمسرحية الكثير من الشخصيات.
إن هذا النقاش واللغو لإثبات ما هو ثابت فى تاريخ النقد المسرحى أمر يرفضه البعض؛ لأن آراء أرسطو وهوراس كانت صحيحة بمعطيات وقتها كما أن آراء من خالفوهم صحيحة هى الأخرى طبقاً للوقت الذى وضعت فيه وعليه أرى أن آراء هوراس هذه وإن كانت فى وقتها صحيحة لكن التطور الذى لحق بحركة المسرح أفرز آراء أخرى جاءت هى الأخرى صحيحة وعليه ليست هذه الآراء السابقة خاطئة كما أن الآراء الجديدة ليست خاطئة أيضاً ولكن يعاب على كتاب هوراس أن آراءه جاءت تعسفية بعيدة عن التمحيص الواجب بخلاف آراء أرسطو المعتمدة على إمعان النظر والتحليل والتمحيص لينتهى إلى رأى من الآراء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
هوراس وأراؤه في كتاب فن الشعر .. بين النقد ونظرية الدراما
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: