دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قراءة في تاريخ الحركة النقدية في القرن التاسع عشر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: قراءة في تاريخ الحركة النقدية في القرن التاسع عشر   الإثنين مايو 09, 2011 11:25 am


قراءة في تاريخ الحركة النقدية فى القرن التاسع عشر1/3
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
============================
مع نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر أخذت ملامح الحركة النقدية فى التبلور والوضوح، ذلك أن مبادئ النقد الكلاسيكى كانت قد أخذت فى الزوال والتراجع مع نهاية القرن الثامن عشر، وسعى النقاد فى بداية القرن التاسع عشر إلى إستحداث أفكار ومفاهيم نقدية جديدة تلائم التطورات العلمية والتقنية إلى شهدها القرن الجديد.
وهكذا أخذ النقد فى التقدم فى فرنسا على وجه الخصوص وأصبحت هى معقل الثورات والتحولات الدرامية والنقدية العالمية؛ فقد وضع شاتو بريان مبادئ النقد القائم على التحليل السيكولوجى، كذلك شهد النقد الفرنسى تبلور ملامح النقد الاجتماعى والنقد الانطباعى والنقد الموضوعى والنقد النفسى وعليه نستطيع القول: إن محاولات النقاد والمؤلفين المسرحيين فى القرن التاسع عشر تمخض عنها ظهور فكرة المدارس الأدبية والنقدية التى لم تظهر طوال تاريخ الحركة الدرامية والنقدية العالمية منذ أرسطو وسوفوكليس وصولاً إلى سانت بيف وبرونتير ولانسون وشاتو بريان وأناتول فرانس وغيرهم من النقاد.

مدام دى ستال
Mme de Stael (1766-1817)
وعلم اجتماع الأدب (الوضعية)()
نشأ المسرح منذ بداياته الأولى- المسرح اليونانى معتمداً إظهار العلاقة بين المسرح والمجتمع اليونانى فى ذلك الوقت. لكن انشغال الانسان فى المجتمع اليونانى كثيراً بالقوى الغيبية والخفية وقوى ما وراء الطبيعة الميتافيزيقية، كل هذا قلل من أن تتضح جوانب المجتمع وتتبلور فى إبداعات الأدباء وكتّاب المسرح أو حتى فى آراء نقاد العصور الكلاسيكية منذ "أرسطو" و "أفلاطون" وما أتى بعدهما إلى أن أخذ كثيراً من قيم الطبقة الارستقراطية تتراجع وأصبح التركيز على كافة طوائف المجتمع وفئاته وترتب عليه أن اهتم الأدب بشكل عام والمسرح بشكل خاص بالتركيز على إبراز القضايا الاجتماعية بشكل واضح.
إن دراسة العلاقة بين الأدب بشكل عام والمسرح بشكل خاص وبين المجتمع ليست جديدة بل إنها تعود- كما سبق القول- إلى بدايات المسرح اليونانى فهذه العلاقة "قديمة قدم فكرة المحاكاة الأفلاطونية وفكرة الواقعى والمحتمل الأرسطية ولكنها دخلت فى القرن العشرين آفاقاً جديدة جعلتها مدار بحث بين كثير من المهتمين بالأدب".
إن نظرية المحاكاة الكلاسيكية التى أرسى أسسها كل من "أفلاطون" و "أرسطو" سعت إلى دراسة الأدب على أساس أنه محاكاة للطبائع وطبائع البشر خاصة لكن بداية الانتباه نحو دراسة الأدب من منطق أنه تعبير عن هذا المجتمع أخذ فى الوضوح من تراجع النظام الإقطاعى وانتهاء سيطرة الكنيسة على المجتمع وإطلاق حرية الفكر وسيطرة العقلانية والعلمانية على تفكير الإنسان، وتراجع المفهوم القديم الذى يرى أن الحياة بظواهرها إنما هى خاضعة لقوى غيبية ميتافيزيقية، وأصبح الإنسان يرى فى هذه الظواهر بقوانينها الداخلية قوانين وضعها الإنسان وليست من وضع قوى ميتافيزيقية، وعليه بدأ المجتمع يمثل البيئة التى نستطيع أن نتعرف بها فى إبداع الأدباء، وهكذا كان من الطبيعى أن "يبدأ الفلاسفة والمفكرون والأدباء منذ نهاية القرن السابع عشر فى التلميح إلى الاصداء الاجتماعية فى آداب الشعوب نجد هذا عند جميس "رايت" (1699) وعند الفيلسوف الفرنسى "لوى دى بونال" (1754-1840) وأعقبه الكاتب الفرنسى "ستندال" (فى روايته الأحمر والأسود) ثم الفيلسوف الايطالى "فيكو" فى كتابه (العلم الجديد) (1725) ذى التأثير القوى على "مونتسيكو ومادى القرن الثامن عشر.
وترتب على أقدمية العلاقة بين الأدب والمجتمع أن اهتم بعض الفلاسفة والمفكرين- كما سبق القول- بمحاولة إعادة النظر فى دراسة طبيعة العلاقة بين الإبداع الأدبى وبين المجتمع الذى ظهرت فيه ومن هؤلاء المفكر الإيطالى "فيكو" فى القرن الثامن عشر؛ حيث طرح نظريته المعروفة بنظرية الدورة التاريخية التى تلاقت بعد ذك مع نظرية "دارون" حول مفهوم النشوء والارتقاء، وأن كل كائن حى له دورة حياة ينمو ويكبر وينضج ثم يتراجع بعد أن يكون قد وضع بذرة جديدة لمن يخلفه محققاً فكرة حقيقية وهى أن الكائنات الحية لا تفنى ولكنها قبل أن تندثر تظهر فى نوعيات جديدة مثل فكرة الديناصور والزواحف هكذا الفن، ومثلما يقع على هذا الفن والأدب من مؤثرات يتشكل. وبذلك يحقق "فيكو" فى نظريته بعداً جديداً ابتعد فيه عن المفهوم السابق الذى يحلل العمل بمعطيات لاهوتية دينية. وأمام "أول محاولة منظمة للربط بين أشكال التعبير الأدبى وطبيعة الواقع الاجتماعى وهو ربط يتجاوز بكثير كل الأفكار التى سادت القرن السابع عشر عن أثر البيئة والمناخ على الشخصية القومية وعلى القومية التى تؤثر كذلك فى المؤسسات السياسية والاجتماعية".
وهكذا بدأ اهتمام الدارسين والنقاد لاحقاً بطبيعة العلاقة بين الأدب والمجتمع محققين فى نهاية البحث والدراسة منهجاً نقدياً عرف باسم منهج النقد الاجتماعى فى القرن التاسع عشر الذى سيستمر بعد ذلك ليأخذ مسميات عديدة جديدة منها ما عرف بالمنهج السيسولوجى أو منهج البنيوية التركيبية (التوليدية) أو ما عرف من قبل المذهب الوضعى، والنقد الماركسى فى القرن العشرين الذى انشغل بدراسة اجتماعية الأدب والزوايا التى ينظر منها الأديب إلى المجتمع ودراسة طبيعة العلاقة بين الأدب والمجتمع.
شهد النقد مع نهايات القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر آراء العديد من النقاد الذين شكلوا اتجاهات عرف باسم الوضعية أو النقد الاجتماعى أو كما يسمى أحياناً علم اجتماع الأدب وقد اهتم هذا النقد بإبراز العلاقات بين المؤلفات الأدبية وبين العادات والنظم الإجتماعية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد حرص الفيلسوف الألمانى "هيردر" بضرورة إنشاء علم امبيريقى للجمال يأخذ فى اعتباره البيئة التى ينشأ فيها الفن، والعوامل السيكولوجية التى تلعب دوراً فى الخبرة الجمالية".
ذلك أن التحولات التى شهدها المسرح والحياة الفكرية والثقافية كان لها تأثير كبير على الأشكال الأدبية المسرحية وعلى ما يعقب ذلك من تحول فى الفكر النقدى. وهكذا انتقلت مبادئ الرومانسية من ألمانيا إلى فرنسا وظهرت مؤلفات مدام دى ستال التى تعد فاتحة عصر أدبى ونقدى جديدين خاصة كتابها "عن الأدب فى علاقاته مع النظم الاجتماعية" الذى صدر عام 1810 وفيه تضمن وجهة نظرها المتعلقة بدراسة تأثيرات المجتمع على الأدب حيث تقول فى هذا الصدد "لقد قصدت أن أختبر مدى تأثير الدين والعادات والقوانين على الأدب، ومدى تأثير الأدب على الدين والعادات والقوانين".
ولهذا ترى مدام دى ستال من وراء هذا القول: إننا من الممكن قراءة نتاج أدبى- مسرحى يخص مرحلة ما ونستطيع من خلال هذه القراءة أن نحدد طبيعة هذا المجتمع وملامحه بما فيه من عادات وقوانين تحكم هذا المجتمع، ثم إلى أى مدى يعكس هذا الأدب صورة الدين والعادات والتقاليد الخاصة بهذا المجتمع، هذا من ناحية، من ناحية ثانية فإن سيطرة بعض الأفكار الدينية والعقائدية، وكذا بعض القوانين والعادات التى تحكم هذا المجتمع أو ذلك من السهولة أن نجد تأثيرها على توجه الأدب فى هذه المرحلة فمثلاً إذا درسنا نتاج المسرح الإغريقى أو المسرح فى العصور الوسطى وعصر النهضة نستطيع أن نحدد تأثير الدين فى المجتمع اليونانى وانعكاسه على المسرح وعلى نتاج كتّاب هذه المرحلة، كذلك مرحلة العصور الوسطى وسيطرة الكنيسة وأفكارها مما نستطيع أن نرصده فى نتاج هذه المرحلة.
وهكذا استمرت مدام دى ستال فى هذا السبيل الذى سبق وأن بدأ- من قبل- الناقد الفرنسى "دى بوس" الذى لم يهمل العقل والتقاليد بل أعطاهما حق تبرير الأحكام العفوية أو التلقائية التى يصدرها الشعور- تجاه قرّاء الشعر- وذلك بفرض شىء من التروى. وهكذا خلق "دى بوس" بعض العوامل التى أدت إلى مزيد من التقد للنقد الأدبى، وذلك بإطلاق فكرة أهمية الشعور وفكرة النسبية.
وهكذا ابتعد "دى بوس" عن النقد التقريرى الذى ساد النقد طوال القرن الثامن عشر، وسعى إلى إيجاد نقد يعتمد على المشاعر ولكن مع التركيز على مبدأ النسبية ومن ثم هيأ اللاحقين من النقاد إلى ضرورة النظر إلى المؤلفات الأدبية لا باعتبارها "انبثاقات لماهيات أزلية نسميها الملحمة أو المأساة...الخ بل باعتبارها ظواهر يمكن دراسة أسبابها ونتائجها، إنها تقود إلى الحكم على الكتب وذلك باعتبار الظروف التى ظهرت فيها لا وفق مقاييس ثابتة وعامة".
إن تراجع فكرة المعايير والمقاييس الثابتة للنقد أطلقت مكانها فكرة النسبية إلى الأمام فليس هناك أحكام نقدية تطبق على كل الأعمال- بمفهوم الكلاسيكية- ولكن هناك فرصة لقراءة هذا النتاج والتعرف بالظروف التى نشأ فيها مؤكدين على طبيعة العلاقة بين هذا النتاج وبين ظروف هذا المجتمع وقت ظهور هذا الإبداع.
وهكذا جاءت أقوال "مدام دى ستال" ممهدة للرومانسية ومتفقة معها فى ضرورة عدم التوقف أمام معطيات ومعايير ثابتة فى الأدب والنقد وعلينا أن ندعوا إلى تحرر الأدب وانطلاقه إلى آفاق رحبة، يستطيع الناقد من خلالها أن يعطى اهتماماً أكبر للعلاقة بين الإبداع وبين الظروف الاجتماعية التى ظهر فيها. وقد كانت مدام "دى ستال" هى أول من أطلق كلمة رومانسية Romantisme كما كان لها فضل الدعوة للمقارنة بين الآداب والعبقريات المختلفة للشعوب وذلك فى كتابيها De La Litterature و Det Allemagne حول الأدب وكانت من أوائل من نادوا بربط الإنتاج الأدبى بالمظاهر الإجتماعية" .
وقد طبقت مدام "دى ستال" مجمل أقوالها على الرواية التى نستطيع من خلالها أن نتعرف بطبيعة هذا المجتمع أو ذاك وترى أن "الرواية باعتبارها جنساً أدبياً يمكن أن يتطور فقط فى المجتمعات التى يكون للمرأة فيها مكانة مرموقة محترمة من جانب الأفراد والجماعات، والتى يكون فيها احترام للحياة الخاصة للناس وما تتضمنه من علاقات اجتماعية وعاطفية".
إن وجهة نظر "مدام دى ستال" وإن كانت تتجه وجهة عنصرية، لكنها تحوى الكثير من الحقيقة؛ ذلك أننا لو أردنا أن نتعرف بطبيعة الأدب فى المجتمعات الهمجية أو غير الملتزمة بقوانين أو أن أعرافها لا تتمشى مع الأعراف الدولية الأخرى المعمول بها- وإن كان هذا الأمر نسبياً وليس مطلقاً- ينظر إلى هذا الأدب على أنه لا يعطى المرأة المكانة الراقية كما أنه يعبر عن طبيعة هذه المجتمعات.
طبقت مدام "دى ستال" أفكارها على الرواية ورأت أن المجتمعات الأوروبية الشمالية هى المكان الطبيعى والأوحد الذى يعطى للمرأة مكانة مرموقة محترمة- وإن كان هذا الرأى ليس صحيحاً بحرفيته- فهى ترى مثلاً "أن الإيطاليين لا يكتبون الروايات، لأنهم- بوجه عام- مسرفون فى التحرر وعدم الالتزام بالقواعد، ولا يكنون للنساء سوى قدر ضئيل من الاحترام، على عكس الوضع فى انجلترا على سبيل المثال.
إن اهتمام مدام "دى ستال" بوضعية المرأة فى المجتمع المتقدم تختلف عنها فى المجتمعات المختلفة، وربما كانت دراساتها ومن جاء بعدها من اللاحقين هى النواة الحقيقية لما ظهر فى الربع الأخبر من القرن العشرين تحت مسمى الحركة النسوية Feminism فى فرنسا ووصولها إلى بعض دول أوروبا وأمريكا إلى أن وصلت هذه الأفكار إلى المنطقة العربية وحاولت بعض الأديبات وكاتبات المسرح بلورة هذه المفاهيم فى أعمالهن الإبداعية.
أدرجت "مدام دى ستال" فى دراستها عدداً من المصطلحات تتعلق بنظريتها فى قراءة الأدب عامة منها ما أسمته بالقراءة التعاقبية diachronigue حيث ترى أن الأدب "يتغير بتغير المجتمعات وحسب تطور الحرية، فهى تتماشى مع العلم والفكر والقوى الاجتماعية وتطورها. والأدب دوماً نقد ودعوة إلى شىء ما فى آن معاً. ولقد أكره أدب البلاط على الهجاء والمرارة لأن أفق التاريخ كان موصداً أما بعد ثورة 1789 فتغير كل شىء: لقد أصبح أدب الإخاء ممكناً وضرورياً".
إن مدام "دى ستال" فى قراءتها التعاقبية للأدب اختلفت عن المفهوم السابق للتعامل مع الأدب من مفهوم كهنوتى وانطلقت على يدها عندما كتبت كتابها "حول الأدب" De Le Litterature وعلى أيدى شاتو بريان فى "عبقرية المسيحية" واقوال "بونالد" فى جريدة "عطارد فرنسا Le Mercure de France" (1806) انطلقت ثورة جديدة فى التعامل مع الأدب حين أعلن "بونالد" قوله: إن "الأدب تعبير عن المجتمع وهكذا أعقب مصطلح القراءة التعاقبية" مصطلح القراءة المكانية والذى أشارت فيه إلى طبيعة المكان ومدى ما يتمتع به من حرية- كما سبق القول عن "أدب الشمال" فهى ترى أن تمتع الأدباء والمبدعين بالحرية ينعكس إيجاباً على طبيعة انتاجهم ومستواه فما يكتب فى فرنسا بلد الحرية يختلف عما يكتب، فى ألمانيا أو حتى فى انجلترا الملكية المحافظة فالإبداع يختلف باختلاف المكان.
إن مدام "دى ستال" استفادت كثيراً فى مجمل آرائها من آراء معاصريها أمثال "هيردر الألمانى" (1744-1803) وآراء من سبقها من المفكرين أمثال "ابن خلدون" (1332-1406) و "فيكو" الإيطالى (1668-1744) حول فكرة العلاقة بين الأدب والمجتمع وإن كان "ابن خلدون" لم يربط فى فكرته تلك بين أشكال الكتابة وأشكال التغيير الاجتماعى، لكنه اكتشف نظرية التطور الحضارى التى قامت عليها فكرة "فيكو" كما ربط بين دور الأدب ومكانته ومراحل تطور المجتمع".
وهكذا استفادت مدام "دى ستال" من أفكار سابقيها عن ارتباط الأدب وتطوره بالعصر الذى نشأ فيه متأثرة فى ذلك بأقوال "فيكو" و "ابن خلدون" لكن مدام "دى ستال" ركزت على عنصر الزمن فى قراءتها التعاقبية والمكانية للابداع الأدبى.
ب - سانت بيف (1686-1805) Sainte Beuve
اختلفت آراء النقاد المعاصرين واللاحقين حول المكانة التى احتلها "سانت بيف" وأعماله عند الشراح والمفسرين من النقاد؛ ذلك أن "بيف" يعد أهم نقاد القرن التاسع عشر الذين خالفوا السابقين فى موضوع المعايير النقدية التى اتبعت طوال رحلة تاريخ النقد، لكنه بالنسبة "لأولائكم" الذين يبتغون الجمالية والميتافيزيقيات لا يعد ناقداً على الإطلاق وإن كان بالنسبة لغيرهم أكثر النقاد إقناعاً على وجه الأرض.
إن ما حاول "سانت بيف" أداءه هو قوله بأن تذوقه الذاتى وفكره يعطيانه حق تقييم الأدب؛ فهو معلم الأدب بلا منازع وقد بدأ بالكتاب أو بالأعمال الأدبية، وليس بالنظريات ليخبرنا ماذا تعنى هذه بالنسبة له".
إن المكانة التى احتلها "بيف" بين النقاد تعود إلى اختلافه مع أسلافه جميعاً من النقاد ورفضه أن يتبع تعاليم النقاد السابقين مفضلاً أن يخضع نتاج هذا الأديب أو المسرحى لقراءة فاحصة متأنية مدققة، محققاً بذلك منهجاً نقدياً يذكرنا بالناقد "لونجينوس" يراعى فيه بيف إخراج آرائه وتقييمه من دواخل هذا العمل وليس اتباع معايير سابقة جاهزة تطبق عليه، وإن فشلت هذه المعايير فى التطبيق فمعنى هذا أن هذا الإبداع لا يرقى إلى مستوى التقييم؛ لأنه لم يتبع التعاليم المسبقة المتعارف عليها.
انطلقت طريقة "بيف" فى النقد معتمدة على قراءة هذا الإبداع معتمداً على منهج نقدى يقترب كلية من النقد العملى العلمى الذى من ورائه ينجح الناقد فى استخلاص آرائه وأفكاره دون أن يفعل مافعله "أرسطو" ومن أتى بعده من الشرّاح من الاعتماد على مجموعة معايير لابد من أن يتبعها الناقد.
استهل "بيف" حياته الأدبية بكتابة القصة والشعر فقدم قصة "Volupe" وديوانه الشعرى Joseph Deslorme جوزيف ديلورم "لكنه فشل فشلا ذريعاً على المستوى الجماهيرى وإن كان فشله فى تحقيق شعبية لقصصه وأشعاره لم يقض عليه باعتباره مبدعاً خلاقاً استطاع أن يختزن بداخله جميع مقومات كاتب القصة والشاعر، حيث استفاد من هذه "الاستعدادات المختزنة فى أعماق ذاته فى كتاباته النقدية فجعل من النقد، لأول مرة فى تاريخه، عملية خلق أدبى أخرى تقوم على علمية خلق أولى.
وهكذا نجح "بيف" باعتباره ناقداً أدبياً أكثر من نجاحه باعتباره شاعراً أو قصاصاً وقد احتل هذه المكانة النقدية المتميزة بين أقرانه من نقاد القرن التاسع عشر، بل أنه تفوق عليهم واستمرت مكانته هذه وصولاً إلى القرن العشرين، على اعتبار أنه مهد السبيل لأقرانه من نقاد القرن نظراً لأن النقد أصبح على يده "فناً أدبياً كغيره من الفنون. وبذلك لم يعد الناقد يمتهن مهنة دون وجود تخصص يحتويها، بل أصبح النقد اختصاصاً وفرعاً من فروع الأدب والفن.
إن الصلة القوية التى نشأت بين "سانت بيف" والكاتب المسرحى الفرنسى" فيكتور هوجو" كان لها أثر كبير فى تحريك اهتمامات "بيف" نحو التبشير بالرومانسية، إذ "بقى سنوات قليلة امتدت من 1824-1831 وهو نصير متحمس للحركة الرومانسية، وذلك عندما كان متأثراً – إلى حد ما- بفيكتور هوجو. ولكنه أخذ يبحث- متعمداً- فى الوصول إلى رأى موضوعى مستقل ومشروع فكان يقارن منهجه بالدراسة التحليلية التى يقوم بها العلم الطبيعى".
والواقع أن العلاقة الحميمة التى نشأت بين "بيف" و "هوجو" كان لها أثر كبير فى تأثره بشاعرية "هوجو" فى ذلك الوقت وقد قويت علاقتهما على المستوى العائلى، الأمر الذى جعل "بيف" يلازم "هوجو" سنوات طويلة استطاع من خلالها أن ينمى قدراته النقدية ونجح فى الوقت نفسه فى تعويض فشله فى مجال الشعر والقصة وهكذا استطاع "بيف" أن ينجح باعتباره ناقداً وصاحب نظرية نقدية ظلت رغباته الأولى فى أن يصبح شاعراً تقبع فى أعماق نفسه، لكنه كان يحاول فى نقده أن يحقق من ذاته ما لم يستطع كونه كاتباً أو كونه شاعراً أن يفعله. أى إنه بعد أن فشل فى الكتابة والشعر كان ملاذه هو النقد الذى رضى به لعدم تحقيق ما هو أفضل- فأتاح بذلك للكاتب والشاعر المختنقين فى أعماقه التنفس.
وهكذا اختل "بيف" هذه المكانة الهامة طوال القرن التاسع عشر؛ نظراً لما حوله من آراء أسهمت جميعهاً فى خدمة الحركة النقدية بل وأصبح للنقد أهداف وغايات جديدة لم يكن يلتفت إليها النقاد من قبل، فلقد أصبح هدف النقد بالنسبة له "التوضيح والتفسير لا التقييم وإصدار الأحكام، وكان "سانت بيف" هو الذى أطلق فكرة البحث عن المصادر واتخاذ طريقة السرد القصصى فى النقد مما يجعل القارئ يشعر وهو يقرأ بحثاً نقدياً عن كاتب ما أنه إزاء قصة لطيفة".
إن منهج "بيف" النقدى يمثل فى أحد جوانبه ضرورة البحث وراء مبدع هذا العمل أى معرفة أصله وأجواء الأسرة التى نشأ وعاش فيها أقاربه، أى إن "بيف" دعا إلى ضرورة دراسة الأدباء والمبدعين دراسة علمية تقوم هذه الدراسة على بحوث تفصيلية سردية لعلاقات هؤلاء المبدعين ودراسة أسرهم وأوطانهم وأسلوب نشأتهم وتجاربهم السابقة والمحيطين بهم من الأهل والأصدقاء، أى أنه دعا لدراسة شجرة العائلة الخاصة بهذا المبدع وأثر ذلك عليه، وإذا ما أمكننا معرفة ذلك فإنه سيسهم فى معرفة الجوانب المشتركة بين هذا المبدع وبين غيره من أقرانه من المبدعين الآخرين.
إن منهج "بيف" بذلك هو تطبيق حرفى لمنهج دراسة التاريخ الطبيعى (الفلسفة الوضعية)، ذلك أن دراسة الأدباء على هذه الشاكلة يذكرنا بدراسة أنواع النبات والحيوان على أساس أنهم فصائل وحسبما يقع عليها من مؤثرات خارجية تتشكل هذه الفضائل.
أعلن "بيف" فى أحاديث الاثنين الأولى قوله "إن ما أعمل لهو تاريخ طبيعى أدبى... أود أن تنفع كل هذه الدراسات الأدبية ذات يوم لتقيم تصنيفاً للأذهان" حقيقى أن مطامح "بيف" النقدية فيما يتعلق بالتاريخ الطبيعى للأدب أو الوضعية كما تسمى أحياناً هو أمر قد تحقق بعد ذلك بشكل كامل عند تلميذه "هيبوليت تين".
إن ماهية التاريخ الطبيعى للأدب التى شغلت "بيف" تمثلت فى سعيه إلى دراسة كل ما يحيط بالمبدع لاسيما فى اللحظة التى يبدع فيها هذا الكاتب أو ذاك هذا الإبداع لتحديد الظروف التى نشأ فيها وما يمكن أن نستكشفه من مؤثرات خارجية تتمثل فى الأصدقاء والأقارب وكل ماله صلة به من أجل التوصل إلى التعرف بالأجواء التى ظهر فيها هذا العمل.
وهكذا انشغل "بيف" فى منهجه النقدى بقضية وضع الأدباء فى فصائل وطبقات. وذلك حسب الجوانب المميزة لشخصياتهم، وهى الجوانب التى تجعل لكل منها كيانه المستقل حيث نستطيع أن نميز داخل هذه الفصائل والطبقات والفئات بين مبدع وآخر اعتماداً على الملامح الخاصة التى تميزه بين نظرائه فى عصره وبيئته.
أى إن "بيف" يرى أن كتاب المسرح برغم كثرة أعدادهم فإن بينهم ما يميز بين هذا الكاتب أو ذاك.
والكاتب لا ينظر إليه على أساس أنه فرد منعزل، بل على أنه أحد أفراد الجماعة ويقول "بيف" "إننى أحدد معنى الجماعة، لا على أساس أنها تجمع عارض وسطحى لرجال مهرة متفقين على غاية ولكن على أنه ارتباط طبيعى وتلقائى لعقول شابة ومواهب فنية، ليست متشابهة تماماً ولكنها تتمتع بالهدف والمنبع نفسهما يعملون تحت كوكب واحد، ويشعرون أنهم ولدوا بأذواق وحرف مختلفة ليؤدوا عملاً مشتركاً.
علق بعض النقاد على منهج "بيف" النقدى واختلفوا معه اختلافاً كبيراً ورأوا أن منهجه أسقط أروع ما يمتاز به المبدع من فردية وذاتية بين مجموعة الأدباء، لكننا نرى أن سعى بيف لإقامة نقد علمى اقترب به من فكرة الفصائل والجماعات ساهم بدوره فى بلورة فكرة المدارس الأدبية والنقدية فى القرن التاسع عشر حيث نشأت المدرسة الرومانسية التى كان من المؤمنين بها لكثرة تعامله مع "هوجو" ولشاعريته هو فى الأساس.
إن نظرية "بيف" النقدية متأثرة إلى حد بعيد بروح العصر عامة؛ حيث غلبت روح العلم على ذلك العصر، هذا إلى جانب تأثره بالرومانسية التى دعت إلى الثورة على القيود واطلاق الإنسان بين الغابات والجبال وعدم التقيد بما كان يتقيد به مبدع الكلاسيكية وهنا يختلف بعض النقاد فى نتاج "بيف" النقدى ويرى بعضهم أنه ليس هناك نظرية نقدية خاصة به، حقيقى أنه تمتع بمكانة كبيرة وتميز بغزارة الإنتاج لكن آثارة لا تقرأ ويرجع السبب فى ذلك "إلى أنه لم- يناقش- كبعض النقاد الرئيسيين- الأهداف العامة للأدب، أو حتى المشكلات العامة للتاريخ الأدبى والتقنية وإنما راح "سانت بيف" يركز نشاطه على كتاب معينين".
إن نظرية "بيف" النقدية ركزت جل همومها التركيز على شخصية الكاتب والاستعانة بالبيئة المحيطة به وكل الجوانب الأخرى المؤثرة فى حياته، مثل علاقاته بالأصدقاء، والأهل والأقارب، وكذا من الممكن الاستفادة من مذكرات الكاتب نفسه من أجل التعرف بالتاريخ الطبيعى لهذا الكاتب.
نظرية بيف النقدية
إن اعتماد "بيف" على البحث والتنقيب فى نتاج المبدعين دفعه فى كثير من الأحيان إلى تفضيل بعض الكتّاب ورفض البعض الآخر، ذلك أنه لم يقم بتطبيق معايير سابقة- كما سبق القول- وإنما حاول أن يستخلص صورة لهذا المبدع تشمل الجوانب النفسية والأخلاقية والأدبية، فهو حينما طبق نظريته النقدية التحليلية الاستخلاصية على "راسين" و "شاتو بريان" انتهى إلى مخالفة آراء غيره من النقاد، حتى إنه يعلنها صراحة بأن "راسين" كان "موهوباً للشعر بصفة عامة لا للمسرح بصفة خاصة وأن نعتقد أنه إذا كان قد كتب للمسرح فلأن زمانه كان على هذا المستوى فيما يختص بالمسرح. أما لو كان قد عاش فى زماننا فإن موهبته ولا ريب كانت ستخط لنفسها خطاً آخر.
إن "بيف" يسعى من وراء تحليله لأعمال "راسين" إلى وضعه فى المكانة التى يستحقها، ورغم أنه كان قاسياً فى أحكامه، لكن المبرر فى كل الأحوال كان سعيه إلى كشف الحقيقة دون الاهتمام بغيرها هدفاً انتهجه فى باقى آرائه النقدية.
ذلك أنه آثر فى بعض الأحيان رفض بعض معاصريه من المبدعين حتى إنه يعترف صراحة أن "قراءة كتاب" بول وفرجينى "تجعله يسكب الدموع... ثم، وهنا تطرح المشكلة الشهيرة للأخطاء التى ارتكبها "سانت بيف" فى الحكم على معاصريه بنوع خاص بسبب بعض التنافر فى المزاح الذى يجعله ضد الأثر أو ضد شخصية أحدهم لم يفهم مطلقاً "بلزاك"، كما رفع إلى القمة كتاباً سقطوا اليوم فى عالم النسيان".
وبذلك فإن منهج "بيف" جعل بعض النقاد المعاصرين له يرفضونه، فهو الذى أنزل "راسين" من مكانته التى احتلها فى تاريخ المسرح الفرنسى، وهو الذى أجحف بحق "شاتو بريان" إجحافاً كبيراً وأهدره حقه كمبدع وناقد من النقاد الذين تركوا بصمة فى تاريخ النقد الفرنسى.
إن حياة "بيف" الشخصية وتكوينه الجسمانى وملامح وجهه الدميم خلقت نفساً إنسانية تعانى من الرغبة فى التواصل مع الناس على المستوى العاطفى، لكنه على المستوى الحياتى يعجز عن تحقيق ذلك، حتى إن المعاصرين له شعروا بهذا النقص وتفضيله لكاتب دون الآخر وإن كنا نستطيع مما سبق أن نستخلص قولاً هاماً مفاده أن "بيف" يعد- بحق- الشخص الوحيد الذى جعل من النقد إبداعاً لم يسبقه إليه أحد تقريباً.
إن جانباً هاماً من نظرية "بيف" النقدية يتضح فى قضية اختلاف وتناقض رأى ناقدين وتناقضها تجاه عمل أدبى ما، هل يعود ذلك إلى خطأ الاثنين، أما إن مرد ذلك يعود إلى انهما لم "يركزا أفكارهما لنفس اللحظة على موضوع واحد، وعمل واحد للمؤلف موضوع البحث ونفس النص من هذا العمل، ويرجع هذا إلى أنهما لم يتناولاه ككل بل ولم يتناولاه كلياً فى نفس اللحظة، فالنظرة الأكثر دقة، والمعرفة الأوسع ستقرب الأحكام المتناقضة من بعضها وتعيدها إلى وضعها المتناسق".
وهكذا يتضح جانب هام فى نظرية "بيف" ألا وهو أنه من الطبيعى والمنطقى أن يحدث خلافاً وتناقضاً فى آراء أكثر من ناقد حول تحليل عمل ما وتقييمه وشرحه، وهذا الاختلاف لا يعنى أن هذا محق وهذا مخطئ ولكن يعود إلى الاختلاف فى أسلوب التناول لجزئيات ما من العمل، وهكذا يمنح "بيف" النقاد فرصة للاختلاف، لكنه الاختلاف الصحى، المنطقى الذى لا يجمد حركة النقد كما كان الحال من قبل فى ظل الكلاسيكية.
إن منهج "بيف" ونظريته النقدية تعكس جانباً آخر يتمثل فى أنه منهج كلاسيكى وعلمى فى الوقت نفسه، وأعظم أعماله النقدية التى كتبها فى الفترة من (1848-1869) "يمكن أن توصف بأنها خير دليل على النقد المرن، القائم على تطبيق مفهومين يقوى كل منهما الآخر ويسانده، حتى ولو كانا عصيين على الامتزاج فى تناغم نظرى كامل، وأول هذين المفهومين يتمثل فى روح الطبيعة العملية الحديثة، بما تتميز به من ميل نحو الدقة، والتساؤل التجريبى. أما المفهوم الآخر، فيتمثل فى الإنسانية الكلاسيكية والتى تتضمن- فى الحقيقة- هذه القيم نفسها ولكن بالإضافة إلى قيم الكمال الأخلاقى، والتماسك، وقيم الانفتاح الخيالى، والتناغم العاطفى".
وهكذا نخلص مما سبق إلى القول: إن بيف سعى إلى استحداث نظرية نقدية تهتم اهتماماً كبيراً بمعرفة كل ما يتعلق بالمبدع والظروف المحيطة به من حيث النشأة وكل المصادر التى تفيد فى التعرف به، وهى طريقة أسماها النقاد المعاصرون له بطريقة البوليس السرى.
- أعداء سانت بيف من النقاد -
سبق أن ذكرنا أن كثيراً من نقاد القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين يرفضون الاهتمام بقراءة نتاجه النقدى الذى اقتصر على دراسة بعض أدباء عصره دون غيرهم، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن هجوم الكثير من النقاد والدارسين عليه يعود إلى أسباب كثيرة منها أن نظريته النقدية شملت الحديث عن كثير من مبدعى القرن التاسع عشر دون أن يمجد أعمال أى من هؤلاء المبدعين حتى إنهم جميعاً "انقضوا عليه يريدون القضاء عليه وتنظيف الأرض تماماً من آثاره، وبنى بعضهم مجده على ذلك؛ ولقد كان مارسيل بروست أول من جعل ذلك هدف حياته فى كتابه المعروف الذى يحمل عنوان "ضد سانت بيف، Contre Sainte Beuve.
ولهذا انصب هجوم الكثير من النقاد على بيف محاولين إزالة كل آثاره النقدية التى أسبغها على جيل كبير من النقاد الشبان، وقد تبلورت هجمات الكثير من النقاد المحدثين على مجمل آرائه النقدية التى اعتمد فيها بشكل أساسى استكشاف مصادر هذا المبدع وإبداعه الأدبى والمسرحى وعابوا عليه أنه كان يلجأ إلى "التحليل النفسى ويهتم بالكاتب أكثر مما يهتم بالكتاب المراد نقده.
إن هجوم بعض النقاد على "سانت بيف" لا يعنى رفضاً على طول الخط، ذلك أن كثيراً من هؤلاء النقاد اللاحقين له سيحتفظون بالكثير من آرائه النقدية، وسيسير بعضهم على منواله للتعرف بالجوانب النفسية والاجتماعية للمبدع كما سيظهر ذلك عند "تين"، ومدام "دى ستال وبرونتير وفيلمان وهانكان مع شىء من التقليل والإكثار من آرائه.
ج - هيبوليت تين (1828-1893)
Hypolyte Adolphe Taine
والنقد العلمى- الموضوعى- الاجتماعى
إن أفكار "مدام دى ستال" المتعلقة بالبيئة وتأثيرها على الأدب لم تندثر، بل تبلورت وبشكل أعمق فى آراء تلميذها هيبوليت تين، الذى يعد من أهم نقاد القرن التاسع عشر الساعين إلى إحداث التمازح بين العلم والأدب، فهو يرى أن الفن باعتباره ابداعا يتم فى بيئة معينة، وأنه كان يتم على يد هذا الفنان أو ذاك فهو فى البداية ليس عملاً شخصياً محضاً، بل هو عمل تم إبداعه فى زمان ومكان معينين، وهذا العمل قد استجاب فيه المبدع لمجموعة من العوامل يراها "هيبوليت تين" المعايير الأساسية التى من خلالها ينتج أدب أية أمة وقد حددها فى العصر الجنس، والبيئة.
إن العمل الأدبى فى رأى "تين" ليس مجرد نوع من عبث الخيال الفردى ولا هو بالنزوة المعزولة لذهن مضطرب، ولكنه نقل للتقاليد المعاصرة، وتعبير عن عقل من نوع ما. فالأدب يعكس بعض الحقائق والانفعالات المحددة والقابلة للتمحيص".
وهكذا يخضع "تين" الإبداع الأدبى للدراسة والتمحيص والبحث من أجل الكشف عن حقيقته معتمدا فى ذلك على التقدم الذى شهده النصف الثانى من القرن التاسع عشر حيث نشأت نزعة النقد المعتمد على العلم مع نشأة النظرية الوضعية لصاحبها أوجست كونت August Kunt إذ يرى الوضعيون أن الموضوعية فى النقد لا تتحقق إلا بالقراءة والبحث البيوغرافى ولابد من للوصول إلى ذلك من موقف علمى يستهدف الشرح قبل التقييم، ويكشف بصفة خاصة عن العلاقة التى تربط العمل الفنى بالظروف التى نشأ فيها.
ترتب على ازدهار العلوم الطبيعية والكيميائية أن تطورت النظرة فى التعامل مع الأدب من منطلق نقاد هذه الفترة، ذلك أن منهج العلوم يعتمد بشكل أساسى على التجريب دون الاعتماد على فرض مناهج سابقة التجهيز على هذا العمل أو ذاك، الأمر الذى دفع بنقاد هذه المرحلة إلى ضرورة الإرتقاء بفنون التعبير الإنسانية التى كانت ولا تزال تدور فى فلك المثالية المفتقدة إلى جوانب علمية كثيرة، أهمها ضرورة ملاحقة التطورات الاجتماعية والنفسية والأخلاقية التى أتت بها الثورة الفرنسية، ومن ثم لابد أن يراعى الكاتب والمبدع التطورات التى شهدها ذلك العصر.
تأثر "تين" فى نظريته النقدية بآراء أستاذته مدام دى ستال و رائد الوضعية الأول فى علم الاجتماع أوجست كونت (1798-1857) وترتب على ذلك سعيه إلى "إحلال حقائق علمية جديدة للأدب بدلا من الحقائق القديمة.
ويقول فى مقدمته لمؤلفه "مقالات Essays، هناك مجال مشابه للمجال الذى يتعلق بالعلم الطبيعى قد فتح للعلم الأخلاقى.. فالتاريخ- خاصة أحداث ما وصل إلينا منه يمكن أن يكتشف قواعد كتلك التى كانت لسابقيه".
وهكذا ينطلق تبين فى نظريته النقدية المعتمدة على المنهج العام البيولوجى الذى يعتمد على مجموعة من العينات مثل الأصادف المستخرجة من الحفريات يستطيع بتحليلها أن يحدد عمرها والزمن الذى عاشت فيه، فزمنياً من الممكن إرجاعها إلى عصر محدد، كذلك الجنس الذى ننتمى إليه هذه الصدفة وذلك اعتماداً على مجموعة من الصفات الموروثة تشترك فيها هذه الصدفة مع غيرها من الصدفات الأخريات، وأخيراً يستطيع العالم البيولوجى أن يحدد البيئة بأجواءها ومناخها، فالأجواء الحارة تختلف عن الأجواء الباردة فى القطب الشمالى، وهكذا تسود هذه الأجواء بعض الصفات والميول التى تجعل صدف الجنوب يختلف عن الشمال.
تحدث د. صلاح فضل عن نظرية المحاكاة التى قال بها أرسطو من قبل وانتقلت على يد نقاد القرن التاسع عشر وكتابه إلى مصطلح جديد هو الانعكاس للتعبير عن العلاقة بين الواقع والفن معتمداً فى ذلك على الوراثة والبيئة، والزمن وبذلك نستطيع القول: إن آراء "تين" قد أسهمت فى تحديد طبيعة الظاهرة الأدبية من منطلق تأثرها بهذه العناصر ومن ثم، فلا يسع أى مؤرخ للأدب أو دارس للنقد منذ "تين"... أن يغفل على الإطلاق الظروف الخارجية للعمل الأدبى، خاصة النشاط الاجتماعى النابع منه والمتولد عنه، وبهذا تكون أهميته هى أنه أثبت بشكل لم يعد يقبل الجدل حقيقة أصبحت بفضله مسلمة وهى أن الأدب يمثل جزءاً من الواقع الفردى والاجتماعى المحسوس، وأن ظواهره لابد من تلقيها وفهمها وشرحها مثل بقية الظواهر التى نجدها فى عالمنا الذى قدر لنا أن نعيشه.
انطلقت آراء "تين" النقدية ونظريته فى دراسة الأدب من ثلاثة مصادر أرى أنها هى الأساس الذى لابد أن يعتمد عليه الناقد فى تحليل مجمل آرائه النقدية واستخراجها وهى:
1- الجنس (العرق) La race:
تأثر "تين" بدراسة الإنسان انثروبولوجيا وهى نوعية من الدراسات التى سادت القرن التاسع عشر وقد ارتكزت هذه الدراسة على عنصرى اللغة والجنس على اعتبار أنهما متداخلان.
فمثلا عندما نتحدث عن الجنس السامى ولغته العبرية نستطيع القول: إن هذه الجماعة احتفظت بمجموعة من الموروثات البيولوجية والفطرية ظلت ولا تزال تميزهم. ذلك أن "مجموعة اللغة- الإندو- أوربية:-
Indo- European التى تضمنت غالبية اللغات الأوروبية وكذلك السانكريتية- Sankrit- والفارسية Persian كانت تعتبر لغة جنس واحد وهو الجنس الآرى. ولأن تين كان يعتقد فى صحة هذا، فقد استطاع أن يؤكد أن اليونايين القدامى ومعظم الأوربيين الجدد يتمتعون فيما بينهم بتكوين عقلى يجعلهم يختلفون عن الصينيين والساميين Semites".
ذلك أن أية أمة تنحدر من أصول بعيدة تتمتع ببعض الموروثات التى تميزها عن غيرها من الأمم الأخرى، فمثلا أبناء البادية فى منطقة الجزيرة العربية يتمتعون ببعض الموروثات السيكولوجية الفطرية التى تميزهم وتميز ملامحهم وكذا الحال بالنسبة للهجاتهم عن غيرهم من أبناء الجهة المقابلة للجزيرة العربية داخل قارة آسيا من شعوب الهند والصين فهم يتمتعون أيضاً بما يجعلهم يختلفون عن السابقين، ومن ثم نستطيع القول: إن ما أسماه "تين" بالجنس أو العرق يقصد به مجموعة استعدادات سيكولوجية فطرية وراثية، تضاف إلى ميزات تتأثر بالمزاج والبنية الجسمية" .
أى إنه يرى أن هذا العصر ثابت أزلى يطبع شعب هذه المنطقة ببعض الصفات تظل باقية وإن تراجع بعض منها بفعل عوامل التقدم الحضارى، لكن الطابع الكلى الثابت الذى يميز شعوب الهند أو الصين، أو شعوب أفريقيا لا يزال متحققا إلى وقتنا هذا.
إن عنصر الجنس (العرق) La race الذى تشكله مجموعة من الاستعدادات الفطرية الموروثة يضاف إليها بعض الخصائص الفسيولوجية مشكلة فى النهاية هذا التكوين الجسمانى الذى يميز هذا الشعب والجنس عن ذاك يعد فى رأى "تين" "أقوى العوامل تأثيراً فى الإنتاج الفكرى، ذلك أنه يمثل خلاصة الزمن الطويل الذى تكونت فيه مقومات الجنس وصفاته المكتسبة التى أصبحت غريزية لا سبيل إلى إزالتها والتخلص منها".
وهكذا يتبلور عنصر الجنس من خلال نتاج هذا الكاتب أو ذاك ويبدو لنا كما لو كنا نتفحص شجرة برتقال تتمتع بمجموعة من الصفات الوراثية المكتسبة التى تظل تعمل ولا تفنى ولكن يحدث ما يسمى بالاحلال عن طريق تواصل جنس هذه الشجرة وبقائه.
إن اهتمام "تين" بعنصر الجنس (العرق) أتى متفقاً مع اهتمام معاصره "اميل زولا" (1840-1902) بالعناصر الوراثية لأن الجنس عند "تين" تخطى مرحلة العناصر الوراثية ليصل إلى التركيز على "المزاج الانفعالى والتفاعل المتبادل بين القسمات الجسمية والسمات النفسية، فضلا عن الدوافع الغريزية والنزعات الدفينة التى تلعب دوراً مهماً فى صياغة الفعل الإنسانى وتطويره، وكل هذه الأبعاد التى أوجزها فى مفهومه عن العرق تلعب دوراً حيوياً فى مسألة التعبير الأدبى، التى لا تنفصل بأى حال من الأحوال عن العناصر الذاتية من ناحية، ولا عن العناصر الموضوعية (البيئة) من ناحية أخرى".
علق الدكتور شوقى ضيف على قوانين "تين" الثلاثة". ورأى أن القانون الأول المتلعق بالجنس (العرق) هو فكرة قد تحققت قبل "تين" بكثير ليس فقط على مستوى الغرب. ولكن على مستوى الشرق فقد تحدث الجاحظ أيضاً عن فكرة الأجناس فى بعض رسائله، وهى ماثلة عند ابن خلدون فى مقدمته؛ إذ يتحدث عن الجنس العربى وأثره فى حياته السياسية.
2- البيئة
(الوسط La Milieu)
قصد "تين" بعنصر البيئة مجموعة الاجواء والظروف التى ينشأ فيها أبناء هذا الشعب أو ذاك ويترتب على نشأة الإنسان فى أجواء حارة ميول تختلف عمن نشأ فى جو بارد صقيع، فمثلا شعوب أوروبا برغم انتمائها إلى بيئة واحدة لكن بينها اختلافات فى بيئة كل شعب من هذه الشعوب "ولأن الإنسان لا يعيش بمفرده فى هذا العالم، فالطبيعة تحوطه، ولا يحوطه إخوانه من بنى البشر، وتسود الميول العرضية والثانوية ميوله الفطرية "كل هذا يؤثر عليه، فالمناخ على سبيل المثال له أثره: فالمناخ الضبابى الكئيب للشمال ينتج نوعاً واحداً من المجتمع، بينما سواحل الجنوب المشرقة والمشمسة تنتج نوعاً آخر.
إن عنصر البيئة يصدق أيضاً على عمل الكاتب المبدع جنباً إلى جنب مع عنصر الجنس الذى يميز هذا المبدع ببعض الموروثات الفطرية والفسيولوجية، مع ظروف بيئية حارة تجعل المبدع فى جنوب أفريقيا يختلف عنه فى شمالها، وهكذا ينشأ مجموعة من الكتّاب الذين يتفقون معاً فى إبداعهم من منطلق انتمائهم إلى جنس واحد يعيشون معاً فى بيئة واحدة، ومن ثم تعمل البيئة وتؤثر فى الجنس من الخارج فى حين ينبعث تأثير الجنس فى الأفراد من داخلهم والكتّاب الذين ينتمون لجنس واحد وبيئة واحدة تجد بينهم ولا ريب عوامل تربطهم جميعاً: فالكتّاب الفرنسيون يرتبطون جميعاً بعوامل مشتركة يسهل على القارئ الذكى تبينها. ويضرب تين المثل ببوالو وراسين وبيوسويه وما بينهم من تشابه رغم اختلاف الحقول التى عملوا فيها".
إن كتاب المسرح فى مصر وسوريا والكويت أو المغرب- مثلاً- يتحدثون جميعاً اللغة العربية لكننا إذا قرأنا مسرحية لهذا الكتاب أو ذاك نستطيع بسهولة أن نميز بين الكاتب المصرى أو الخليجى برغم أن عامل اللغة واحد يربطهم جميعاً، لكن هناك بعض الظروف البيئية وبعض الموروثات الفطرية التى تجعل هناك اختلافاً كبيراً بين هذا وذاك برغم أنهم يتكلمون لغة واحدة.
مما سبق نستطيع القول: إن البيئة (الوسيط) هى "موئل الإنسان وعالمه الذى يتشكل فيه وبه. وتعنى البيئة لدى "تين" كلاً من المناخ الجغرافى والاجتماعى على السواء، ومن هنا فإنها لا تسهم فى تشكيل الذات المبدعة فى تطورها ونموها فحسب وإنما تشارك أيضاً فى صياغة المادة أو العالم الذى يتخلق فى العمل الأدبى ومن خلاله".
ومن ثم نستطيع أن نحدد أهمية البيئة باعتبارها وسيطا جغرافيا واجتماعيا لهما تأثير كبير على إبداع هذا الكاتب، حيث نستطيع أن نرصد مجمل العادات والتقاليد والاخلاق المشتركة التى تميز هذا المجتمع أو ذاك من خلال قراءة هذه المسرحية أو تلك. يرى د. شوقى ضيف أن هذا القانون الثانى المتعلق بالبيئة متحقق أيضاً عند "ابن خلدون فى مقدمته، إذ يتحدث مراراً عن أثر المناخ فى الأمة ونراه يقول إن أهل السودان فى أمزجتهم من الحرارة بمقدار نسبتها فى إقليمهم. ونرى قبل ذلك عند الجاحظ فى بيانه عن اختلاف لغة الشاعر باختلاف بداوته وحضارته. وهو قانون صحيح ولكن يجب أخذه بالحيطة". ذلك أننا سنتعرف ببعض سلبيات نظرية تين النقدية فيما يتعلق بكيفية تطبيق هذه القوانين الثلاثة واستخدامها فى قراءة نتاج هذا الكاتب أو ذلك.
3- العصر (الزمن Le Moment):
يعد عنصر الزمن أو الفترة الواحدة التى يعيش فيها هؤلاء المبدعون عاملاً هاماً فى استكمال الثالوث الذى ابتدعه "تين" لقراءة الإبداع، حيث إنه يرى أن عنصر الزمن الذى يجمع مجموعة من الكتّاب يتمتعون فى ظل هذا العصر بقدر من الحرية ويسود مجتمعهم مجموعة من الظروف السياسية والثقافية والفنية التى تشكل ملامح هذا العصر، فعلى سبيل المثال إذ قرأنا نتاج كتّاب المسرح والقصة والرواية والشعر فى مرحلة هزيمة 1967 فى الوطن العربى فإنك تستطيع أن تتلمس كيف أن هذا العصر بمعطياته شكل نتاج هذه الفترة، فكان هدف كل كاتب أن يتخطى مرحلة الهزيمة وكان الإنسان هو النموذج الأمثل الذى يرتكز عليه الكتّاب لتحقيق مرحلة الإنتصار واجتياز مرحلة الهزيمة، وإذا قارنا بين هذه الفترة وفترة عصر ما بعد الانفتاح الاقتصادى فى كثير من البلدان العربية ندرك إلى أى مدى اختلف نتاج هذا العصر مقارنة بالفترة السابقة أقصد هزيمة 1967.
إن عنصر العصر (الزمن) يقصد به مجموعة الظروف التى تميز هذا المجتمع الذى يتمتع بقدر من حرية التعبير فى ظل ظروف سياسية وثقافية تحفز على الإبداع وهو ما يجعل هذه الظروف مثل الماء والهواء والغذاء بالنسبة للشجر من النبات فبقدر ما تتمتع به من ماء وهواء وغذاء تنمو هذه الشجرة وتتشكل بملامح تختلف عن الأخرى التى منحت مجموعة من الظروف المختلفة.
إن اللحظة التاريخية التى يعيش فيها هذا الكاتب تعد ذات أهمية قصوى لو أدركنا ماهية هذه اللحظة، ذلك أن "تين" يجعل مفهوم البيئة" مفهوما دينامياً متحركاً وليس مفهوماً ساكناً أو جامداً فالعصر أوسع بكثير من مفهوم المرحلة أو الفترة لأنه يشمل كل ما تعرفه بروح العصر التى يصوغها الفعل الإنسانى والتراث الإنسانى كما تعيها وتمارسها هذه اللحظة التاريخية".
وهو ما أدركه د.شوقى ضيف ورآه قد تحقق من قبل عند ابن خلدون الذى ركز من خلال مؤلفه المعروف باسم "أحوال العمران" أو "علم العمران البشرى" على عنصر الزمن أو العصر وقصد به "مجموعة الظروف السياسية والثقافية والفنية والبيئة التى تشكل هذا المجتمع وتميزه فى فترة ما تجعل نتاج هذا الأديب يختلف عن زميله الذى عاش ظروفا مغايرة فى زمن وعصر آخر.
النظرة الجمالية عند تين:
أثارت اهتمامات "تين" كثيراً بالنواحى الفلسفية- مؤلفه المعروف بفلسفة الفن 1882 وأطروحته عن لافونتين 1852 وهو فى ذك متأثر بأساتذته فى الفلسفة أمثال سبينوزا وهيجل، وكذا اهتمامه بالنواحى السيكولوجية- مقال عن تين 1856- حيث سعى من أجل أن يضع قواعد لنقد يهتم بالجذور النفسية للعمل الأدبى- وأيضاً اهتمامه بالنواحى الاجتماعية متمثلة فى وضعه الخطوط الأولى لنشأة علم اجتماع أدبى تاريخى يركز فى قراءة الأدب على عناصر ثلاثة هى العرق، والبيئة، والزمان، أثارت كل هذه الاهتمامات حيرة المعاصرين له من النقاد والدارسين فى حقيقة آراء تين النقدية ومصداقيتها.
إن اهتمامات تين بالعامل الاجتماعى والفلسفى والتاريخى والسيكولوجي لم يمكنه من تحقيق نظرية نقدية مبررة ومقنعة لمن حوله، ذلك أنه يربط "العامل الاجتماعى والتاريخى بالعامل السيكولوجى، وبما أن العامل السيكولوجى يتحدد بالموهبة الرئيسية سواءاً كانت فردية أم جماعية، فإن نقده ينتهى إلى تعميمات حدسية وفرضيات مبدعة. والحتمية الضيقة التى ينادى بها تنتهى إلى رؤية مجردة للفكر.
ذلك أن "تين" عندما أثار العامل الاجتماعى والتاريخى والسيكولوجى كان يهدف من وراء ذلك أن يضع أسس نقد علمى موضوعى اجتماعى يعتمد على مجموعة من المعايير الموضوعية، لا على مجموعة من القواعد المسبقة- كما كان حال النقد من قبل- لكنه فى رحلته هذه ظل ناقداً مثالياً مولعاً بالتجريد، ولم يقدر على الملاحظة الدقيقة المثابرة، وإذا تعمق الباحث فى نقده لا يجد فيه بالرغم مما قد يبدو ظاهرياً، أية فكرة جادة عن البيئة الاجتماعية أو النفسية، ولكنه رسم الخطوط الأولى لعلم الاجتماع التاريخى فيما يختص بالأدب، ولا شك أنه مهد السبيل إلى النقد السوسيولوجى أى النقد القائم على علم الاجتماع وبذلك نستطيع القول: إن "تين" لم يتخلص نهائياً من التعميم والتجريد كما أنه ظل بذلك انطباعياً بعيداً عن الموضوعية التى سعى إلى تحقيقها حتى إن آراءه النقدية جاءت مثالية بعيدة كل البعد عن الناحية العملية والتطبيقية.
وبرغم ما يوجه من نقد إلى آراء "تين" النقدية فإن فضله يعود إلى اهتمامه بتبنى نظريته الجمالية "التى استقى أصولها من الفيلسوف الألمانى "هيجل"، والتى ترى أن "الجمال هو التجلى الحسى للفكرة.
إن الفن هو ترجمة للطبيعة يجعل معنى الواقع حسياً، وذلك بإبراز طابع،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قراءة في تاريخ الحركة النقدية في القرن التاسع عشر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: