دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قراءة في تاريخ الحركة النقدية في القرن التاسع عشر2/3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: قراءة في تاريخ الحركة النقدية في القرن التاسع عشر2/3   الإثنين مايو 09, 2011 11:33 am

قراءة في تاريخ الحركة النقدية في القرن التاسع عشر2/3
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
==============================
د – فرديناند برونتير (1849-1906)
Ferdinand Bruntiere
رائد الإتجاهات الوضعية فى النقد
شغل كثير من المفكرين والباحثين والأدباء بنظرية النشوء والإرتقاء والتطور" التى سادت العالم الغربى منذ النصف الثانى من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين فلم يستطيع أى من مفكرى هذا القرن الابتعاد عن تأثير هذه النظرية، ومع ذلك فليس هناك "ناقد أدبى" تجاسر إلى حد أن يكون دارونياً جديداً بالمعنى التام طالما أن ذلك يتطلب تأييد الاعتقاد بأن الأدب يتطور إلى الأفضل وفقاً لتطور النوع البشرى".
حرص الناقد "برونتير"() على ضرورة السعى إلى استحداث آراء نقدية تعيد للناقد مكانته التى ميزته طوال فترة زمنية كان للناقد فيها السلطة المطلقة فى التقييم والحكم على الأدب معتمداً فى ذلك على استخدام قواعد الكلاسيكية الجديدة، لكن "برونتير" أدرك أن التطور العلمى الذى ساد القرن التاسع عشر سيحول بينه وبين العودة إلى هذه القواعد.
لذا أدرك أن نظرية التطور "لدارون" هى أنسب النظريات اتفاقاً مع منهجه النقدى، حيث أفرد فى كتابه "نظرية نشوء الأنواع فى تاريخ الأدب The Evolution of Genresin- The History of Literature (1890) مجمل آرائه النقدية. إذا اعتقد أن "بإمكانه إعادة صياغة قوانين لكل نموذج من نماذج لا تكون- مثل قواعد الكلاسيكية الجديدة- موضوعاً للنقد على أنها قواعد مستبدة ويصر "برونتير" على أن القوانين التى استنبطها تنبع من طبيعة الأشكال الأدبية نفسها".
انطلقت نظرية "برونتير" فى النقد من فكرة الفصائل، وأعنى أن النباتات والحيوانات تنقسم إلى فصائل وكل نوع فيها ينمو ويتوالد ويتكاثر، من هذا التكاثر تتطور الأنواع ليحل بعضها محلها وهكذا تتلاشى فصائل الحيوان والنبات فى أنواع أخرى جديدة حملت كثيراً من صفات هذا النوع لكنها تختلف عنه فى بعضها الآخر.
سعى "برونتير" بذلك لإقامة نقد علمى على أسس موضوعية- وإن كان البعض سيؤكد أن نقده لم يبتعد كثيراً عن الانطباعية والعقائدية- معتمداً فى ذلك على استخدام "بعض المفاهيم البيولوجية الصرفة من "الدورانية" إلى الأدب. فاعتقد أن لأنواع الأدبية لها وجود فى الواقع كوجود الأنواع البيولوجية"
وهكذا تخطى "برونتير" أفكار أستاذه "هيبوليت تين" فلم يقف عند حدود تأثير البيئة والجنس واللحظة على تطور الأدب، وإنما أدرك أن التاريخ الأدبى يتحقق اعتماداً على نظرية دارون.
إن غاية النقد بالنسبة إلى "برونتير" اختلفت عن "تين"، فهدف النقد عند الأول الشرح وليس التقييم، ويتحقق ذلك باعتماده على عناصره الثلاثة، لكن منهجه برغم ذلك جاء قريباً من التجريد بعيداً عن التجريب، وهو ما جعله يوصف بأن نقده مثالى بعيد عن النص الأدبى.
أما "برونتير" فهدف النقد عنده هو قبل كل شىء "أن يحكم على أثر، وأن يحكم عليه باعتباره ينقل جوهراً، هو الجوهر "الأدبى ولكن لا ينتج عن ذلك ألا يكون النقد "موضوعياً" بل على العكس، إن هدف "برونتير" على وجه الدقة أن يعارض النقد الانطباعى و "الذوق الفردى" وذلك بإقامة "علم نقدى" ذى أسس موضوعية".
إن "برونتير" بذلك لم يلغ ما قال به "تين" من علاقة الإبداع الأدبى بالمجتمع وبالظروف التى نشأ فيها لكنه أراد أن يتبع تطور الأدب من مجتمع إلى آخر، فالأنواع الأدبية تتطور وفق قوانين معينة، رآها "برونتير" تمثل تاريخ التراجيديا الفرنسية التى " ولدت مع "جوديل"، ونضجت مع "كورنى" وشاخت مع "فولتير"، ثم ماتت مع "هوجو".
وهكذا فإن "برونتير" يرصد تطور النوع الأدبى المسمى بالتراجيديا محققاً بذلك نظرية دارون فى نشوءها على "يد جوديل"، ثم نصجها وتطورها على "يد كورنى"، ثم وصولها إلى سن الشيخوخة أو ما قبل الموت وإحلالها فى جنس ونوع آخر من الأجناس الأدبية على يد "فولتير"، ثم تموت التراجيديا الفرنسية وتفنى على يد "هوجو"، ليظهر نوع أدبى جديد هو الرومانسية.
إن التشبيه الذى ساقه "برونتير" لا يصمد كما يرى رينية ويليك" إن أخضعناه للبحث والتدقيق فمثلاً الخطابة الوعظية الفرنسية التى نجدها فى القرنين السابع عشر والثامن عشر تحولت إلى القصائد الغنائية التى أنتجتها الحركة الرومانسية.
إن أقصى ما يمكن أن يقال هو إن الخطب الوعظية تعبر عن المشاعر نفسها وأنها تقوم بالوظائف الاجتماعية نفسها لكن أحداً لن يصدق أن أياً من الأنواع الأدبية قد تحول إلى سواه.

أتباع فرديناند برونتير

تحدث برونتير فى مقاله "قانون الدراما" The Law of Drama الذى نشر باعتباره مقدمه لكتابه "تاريخ المسرح والموسيقى" 1894The Annals of the theatre & Music على الأسس والمعايير التى تمكن الناقد من أن يصنف الأنواع الدرامية القديمة اعتماداً على توافر مجموعة من الشروط فى حال تحققها نستطيع أن نسمى هذا النوع من الدراما بأنه كذا وضرب مثالاً على ذلك بالتراجيديا الكلاسيكية التى تتمتع فيها مشيئة الآلهة وقوانين الطبيعة (الميتافيزيقا) والقدر بمكانة كبيرة، هنا يكون نتيجة ذلك أن تسمى هذا النوع بأنه تراجيديا.
إن نظرية برونتير عن الأنواع الأدبية أعطت مساحة كبرة جداً للمهتمين من النقاد والكتّاب ومنحت الاهتمام الأكبر بعد ذلك بالنسبة "للأثر الذى تتركه الأعمال الأدبية من النمط نفسه فى فترات سابقة- على الكاتب الذى يكتب وبالطريقة نفسها وحتى بالنسبة لهؤلاء الذين لا يقبلون نظريته كلية قد وجدوا فى هذا تأكيداً مثمراً".
فقد أسهب تلاميذه فى سعيهم لتحقيق ميول برونتير أكثر من أسهامهم فى تحقيق اتجاهاته العلمية التى وصفها كثير من النقاد بالغموض والعقائدية والانطباعية أكثر من كونها علمية وقد نظر لويس ميجرون فى كتابه "الرواية التاريخية 1898" وريكاردو فى كتابه "النقد الأدبى" 1896 وافتتحه بدراسة ورنيه دوميك فى كتابه عن دراسات فى الأدب الفرنسى عن برونتير "فضح فيها معايب النقد العلمى، ثم حلل مطولاً إمكانية النقد العقائدى وقواعده". وأخذ ريكاردو ينفذ آراء برونتير وأحكامه.
سلبيات نظرية برونتير
إن نظرية برونتير التى ترى إمكانية تقسيم الأدب إلى فصائل كفصائل النبات والحيوان والمتأثرة بنظرية دارون عن النشوة والإرتقاء والتطور التى طبقها برونتير فى مجال المسرح- على أعمال كتّاب المسرح الفرنسى أمثال كورنى وراسين وهوجو- والنقد الأدبى- من خلال دراساته عن الأدب الفرنسى وتطور النقد- وأخيراً طبقها على الشعر الغنائى. ونستطيع أن نحدد بعض جوانبها الإيجابية والسلبية انطلاقاً من رغبته فى إقامة نقد أدبى هو فى الأساس تمرين رياضى يجعل معايير النقد علمية بعيدة عن الانطباعية وبذلك لا يسعى إلى تحقيق الجمال الذى نشده سانت بيف من منهجه النقدى.
كذلك نظرية برونتير عن تطور الألوان الأدبية والمستندة إلى نظرية النشوء والارتقاء ما هى "إلا ادعاء غير ممكن التطبيق لم يذهب أبداً مذهب التنفيذ أو التطبيق العلمى فقد خطر له يوماً أن يطلق فكرة أن الألوان الأدبية قد نشأت ونمت وتطورت من عصر إلى عصر حسب عوامل البيئة والزمن، وتولد عنها ألوان أخرى كما يحدث تماماً للفصائل الحيوانية والبشرية" .
إن الهجوم على نظرية برونتير تركز فى أنه هو شخصياً لم يقم باختيار مصداقية هذه النظرية وأنه اكتفى بتسجيل الملاحظات دون تفنيدها فى مجال المسرح أو النقد أو الشعر تطبيقاً يباعد بين هذه الآراء وبين الآراء النقدية المطلقة التعسفية التى فرضها نقاد الكلاسيكية.
إن سلبيات منهج برونتير تمثلت فى فرضه لمجموعة من الأحكام المشبعة بالوضعية التى جعلته فى كثير من أحكامه يعمد إلى فرضها دون إعطاء فرصة لتنفيذها وربما يكون سعى برونتير لإقامة نقد علمى يعارض فيه أهداف النقد الانطباعى والذوق الفردى هو من بين الأسباب التى جعلت الكثير من النقاد يدركون أنه كان "يتلاعب بالمعنى المبهم لكلمة موضوعى وأن نقده كى لا يكون ذاتياً لا يبلغ درجة النقد العلمى، وأنه تحت أبهة الفلسفة الوضعية، يموه فلسفة عقائدية مسهبة فى التقليدية" .
إن نظرية برونتير فى النقد والمعتمدة على التطورية الدارونية لم تحقق ما يهدف إليه الناقد الساعى إلى تطبيقها على الأدب، ذلك أن برونتير لم يشغل كثيراً بإمكانية اختيار آرائه وتمحيصها عن طريق التجريب والتطبيق، الأمر الذى دفع رينية ويليك إلى اتهام نظرية دارون، ومن ثم من طبقها أمثال برونتير بأنها "نظرية فاسدة فى حال تطبيقها على الأدب، لأن الأدب لا يضم أنواعاً ثابتة شبيهة بالأنواع البيولوجية التى تشكل الطبقات التحتية للتطور. وليس هناك نمو وإنقراض حتميان ولا تحول من نوع إلى نوع، ولا صراع حقيقى من أجل البقاء بين الأنواع".
هـ- فيلمان (1790-1867)
Villemain
والنقد العلمى الموضوعى
تحدث سانت بيف من قبل عن النقائص الموجودة فى النقد المطلق الكلاسيكى، لكنه فتح الطريق بذلك أمام النقد الذاتى وهو ما يجعله لا يتوصل إلى المعرفة الموضوعية لشخصية الكاتب الحقيقية التى كان يبحث عنها. مما أفسح المجال فيما بعد أمام نقاد لاحقين أمثال مدام دى ستال وبرونتير وتين من أجل السعى للوصول إلى نقد علمى موضوعى الأمر الذى سوف يشغل الكتّاب الثلاثة على التوالى. فيلمان. وهانكان وأخيراً بورجيه الذين سعوا للوصول إلى منهج نقدى علمى موضوعى، لكننا سنعلم فى النهاية أنهم لم يحققوا النجاح لأنه لا يمكن الحصول على موضوعية فى النقد فقط بوساطة قراءة هذا النتاج الأدبى الذى يخص هذا المبدع أو ذاك، أو البحث فى سيرة حياته الذاتية، ولكن لابد من اتخاذ موقف على حيال هذا النتاج أو ذاك.
يعد فيلمان من تلاميذ مدام دى ستال الذين طرحوا بعض المفاهيم النقدية الجديدة التى جاءت فى مجال النقد الأدبى الحديث والساعية إلى تحقيق الموضوعية فى النقد. فهو يرى أن الناقد "يجب أن يحكم بالطبع ولكن" بعد تحيز" تام، "يجب أن يكون شأنه شأن التاريخ، بعيداً عن كل هوى ومصلحة وحزب، يجب أن يحكم على المواهب أكثر من حكمه على الآراء العامة" يجب أن يتقدم النقد غير المتحيز على الرأى العام".
إن فيلمان ينادى بضرورة أن يصبح الناقد محايداً بعيداً عن الهوى والتأثرية فى إصدار أحكامه، ويطالبه أن يكون مثل المؤرخ فى علاقته بالتاريخ وأن يقرأه باعتباره حقائق ويحللها ويفندها دون أن يعمل الهوى مكاناً فى نقده، وبذلك لا يتحزب لهذا الحزب أو ذاك، بل يظل محايداً فى إصدار أحكامه وآراءه، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يرى فيلمان أن أى إبداع لابد وأن نحلله ونحن واضعون فى اعتبارنا ضرورة "تحليل الأوساط والبلد والحضارة، كل هذه العوامل التى عاينت نشأتها. لتوضيح أثر (إبداع ما) يجب أن نتذكر أولاً أن مهمة الأدب لا تقتصر فقط على نقل تقاليد المجتمع، وإنما تتعلق أيضاً وفق فنونه، ببعض حوادث هذا المجتمع.
هكذا نجد أن فيلمان لا يبتعد كثيراً عما ذكره من قبل النقاد السابقين مدام دى ستال وتين وبرونتير فى ضرورة تحليل الوسط والأجواء والظروف التى ظهر فيها هذا الإبداع، ذلك أن المبدع لا ينقل إلينا كل أحداث هذا المجتمع أو ذاك، بل هو يكثف أحداث ابداعه ويركزها لتأتى معبرة عن بعض حوادث هذا المجتمع، وبرغم ما طرحه فيلمان من آراء فإنها كانت هى نفسها آراء جميع نقاد هذه المرحلة من القرن التاسع عشر الساعين إلى ضرورة الوصول إلى نقد علمى موضوعى بعيداً عن كل غرض وتحيز.
إن ما يحسب لآراء فيلمان النقدية أنها شملت أعمال كتّاب آخرين غير فرنسيين وهو ما يجعله بذلك يفسح مجالاً كثيراً فى نقده "للآداب الأجنبية" ويمكن أن نعتبره واحداً من رواد تاريخ الأدب والأدب المقارن".
سلبيات منهج فيلمان النقدى
إن المآخذ التى أخذت على نقاد سابقين أمثال تين وبروتير قد تمثلت فى أن مفاهيمهم وآراءهم النقدية لم تختبر وجاءت جميعها منطلقة من جعبة التنظير ولم تمحص، لذا فإنها عند التطبيق أخفقت، وهو ما حدث مع فيلمان الذى قدم مفاهيم جديرة بالاحترام، لكنها مخفقة عند التطبيق، ففيها إفراط فى البلاغة، واللمعان واللوحات القائمة على الافتراضات أضف إلى ذلك أن منهجه ليس بدقيق ولا ملحاً، فهو على خلاف سانت بيف، لا يلتزم بسيرة الكتاب، ولا بدراستهم النفسية ولا بتحليل البيئة الاجتماعية الحق، ومجمل القول: إن نقده يتصف بأيديولوجية نسبية، ولكن بدون ملاحظة دؤوبة ومجدية .
تمثلت سلبيات فيلمان فى استخدامه جمل وعبارات أخاذة وكلها تعتمد على فرضيات دون أن تختبرها، كما أن فيلمان أهمل جوانب هامة فى تحليل الأثر الأدبى خاصة ما يتعلق بسيرة حياة المبدع ودراسة جوانب هامة فى تحليل الأثر الأدبى خاصة ما يتعلق بسيرة حياة المبدع ودراسة جوانب حياته النفسية والاجتماعية، وهو ما جعل نقده يقترب من النقد الأيديولوجى الذى يوجه لأفكار محددة ويروج لها لا يحيد عنها المبدع والناقد.
و- هنكان (1858-1888)
Hennequi
والنقد العلمى
اتفق كثير من الدارسين على أهمية آراء هنكان النقدية التى ضمنها كتابه "النقد العلمى" 1888 والتى جعلته يستحق أن ينسب إليه بداية تبلور مصطلح النقد العلمى منذ ظهور هذا الكتاب، إذ يرى كارولونى وفيللو أن مفهوم النقد العلمى أخذ "مضمونه الجدى اعتباراً من هنكان، ومن هنا ظهرت مفضلاته الخاصة به، ومن المؤسف أن هنكان كان منظراً، لا ممارساً للنقد؛ لأنه قد غرق فى النهر وهو فى الثلاثين من عمره، فى السنة نفسها التى ظهر فيها كتابه "النقد العلمى".
وهكذا استكمل هنكنان المشوار الذى بدأه من قبل نقاد أمثال تين وبرونتير وفيلمان خاصة تين الذى طرح نظرية نقدية تعتمد على وسائط لتحليل الأثر الأدبى وقراءته تمثلت فى الجنس والوسط والزمن.
وقد فنّد هنكان نظرية تين "وعاب ضيق أفق نظريته المبنية على السببية التاريخية والاجتماعية". لكنه- أى هنكان- لم يشر إلى رأى تين فى أهمية النقد النفسى، حيث أكد تين أنه الوظيفة الرئيسية للناقد". ورأى أن أهمية المجتمع تأتى متفقة مع آراء سانت بيف، لكن هنكان الذى أعاد طرح أهمية التحليل السيكولوجى للأثر والقارئ لم يشر إلى أهمية النقد النفسى السيكولوجى للأثر والقارئ عند تين فى معرض حديثه وتفنيده لنظرية تين النقدية.
حاول هنكان من خلال أسئلته التى طرحها فى كتابه "النقد العلمى" أن يجيب عليها- وإن كان كتابه قد اقتصر على التنظير – منطلقاً من علاقة النقد العلمى بالإبداع" "فيتسائل: هل ينظر النقد العلمى إلى العمل الأدبى على أنه وسيلة للوصول إلى معلومات تاريخية ونفسية؟ أم ينظر إليه على أنه غاية ويستعمل معلومات غير أدبية لتفسيره؟ ويطرح مثل هذا السؤال قضية المنهج: هل تبدأ من العمل الفنى وتنتهى إلى الفنان أم نبدأ من الفنان وتنتهى إلى العمل الفنى ؟.
إن نظرية هنكان فى النقد العلمى انطلقت من فرضية للوصول إلى رأى محدد فى دور وأهمية الابداع وأهميته حين نخضعه للنقد. هل نسعى للوصول إلى معارف ومعلومات تاريخية ونفسيه عنه أم العكس هو الصحيح، وقد حاول هنكان أن يجيب على علاقة الأثر بالقارئ أو الناقد والمحلل منطلقاً من ثلاث نقاط أساسية جعل الأولى تركز على الجوانب الاجتماعية والتاريخية والثانية ترتكز على الجوانب السيكولوجية، أما الثالثة والأخيرة فقد عرض لموضوع النقد ووظيفته.
الجانب الأول: الأثر والقارئ والتحليل الاجتماعى:
تحدث هنكان عن نظرية تين الضيقة- كما سبق القول- ورأى أن اعتماده على عنصرى الزمن والوسط (البيئة) أمر غير دقيق ذلك أننا لا يمكننا "تحديدهما ببساطة دون الوقوع فى التناقض اللهم إلا إذا كان ثمة تشابه كامل فى الإنتاج الأدبى .وهنا يرى هنكان التأثير الاجتماعى لهذا الأثر أو ذاك ولكن يجب أن نضع فى الاعتبار أن هذا الإبداع يعرض على شريحة كبيرة من المجتمع، ومن الممكن أن يلقى هذا الإبداع قبولاً عند مجموعة من الناس ولا يجد القبول نفسه عند مجموعة أخرى. إن ما سبق يلخص آراء هنكان فيما يتعلق بالتحليل الاجتماعى، "فكل أثر فنى إن مس من ناحية الإنسان الذى أبدعه، فإنه يمس من ناحية أخرى مجموعة من الناس الذى يؤثر فيهم".
ومما سبق نستطيع القول: إن التقاء عدد من الناس واتفاقهم مع هذا العمل أو ذاك لا يعود إلى الحقيقة الموضوعية التى تعبر عنها هذه المسرحية أو تلك وحسب، ولكن يعود الأمر إلى أن هذه المسرحية توضح حقيقة هؤلاء الناس الاجتماعية وتعبر فى شق كبير منها عن أفكارهم، ولكننا فى الوقت نفسه لا ننسى القول بأن مسرحية "بيت دمية" لإبسن – مثلا- التى هزت أركان المجتمع الأوروبى ولاقت نجاحاً كبيراً من قبل بعض المشاهدين والقراء والنقاد، لكنها على الجانب الآخر قوبلت بالرفض من البعض الآخر، والأمر يعود فى كل الأحوال إلى تنوع الطبقات الاجتماعية واختلاف توجهاتها.
إن ما سبق وأكده هنكان يعد أمراً طبيعياً إذا وضعنا فى الإعتبار أن هدف المؤلف ليس الاتفاق على طول الخط مع الوسط الذى يعيش فيه، فقد يخرج عن المألوف على مستوى معطيات هذا المجتمع الثقافية أو السياسية أو الفكرية بشكل عام فيخالف زمانه ووسطه الاجتماعى الذى نشأ فيه وهو- أى هنكان- فى ذلك محق حين يقول: إن "الفنان لا يكون فعلاً حقاً إلا إذا تميز عن المعتاد وخرج عن مألوفه.
ويرى هنكان، وهو فى ذلك على جانب كبير من الحق، أن العمل الأدبى يدل على كاتبه". وهكذا يؤكد هنكان على أهمية التحليل الاجتماعى للتأكيد على مدى قدرة هذا الإبداع للتدليل على مبدعه.
الجانب الثانى: الأثر والإنسان والتحليل السيكولوجى:
إن ما سبق ذكره عند تين من أن النقد النفسى هو الوظيفة الرئيسة للناقد تمثل فى تقديم معنى مباشر للعلاقة بين الإبداع ومبدعه فى محاولة لقراءة أحاسيس المؤلف ومشاعره وانفعالاته حيال شخصياته المسرحية وكيف تتصرف وتنفعل وتحسن وهى فى كل هذا تفعل مثلما تراءى له حين أبدع هذا العمل. إن ما قدمه تين ومن بعده هنكان فيما يتعلق بالعلاقة بين الأثر (الإبداع) والإنسان (القارئ- المشاهد) والتحليل السيكولوجى "يبدو لنا المفهوم الذى يتخذه هنكان عن النقد السيكولوجى أقل ابتكاراً".
وهكذا اعتمد هنكان على النظرية النفسية التى ورثها عن تين ولم يسع إلى تطويرها وكل ما فعله هو طرح المعنى السائد الذى يتمثل فى عدم الحاجة إلى ترجمة سيرة حياة المؤلف؛ لأنها لن تمكننا من تكوين فكرة عن تكوينه الفكرى.
وبرغم عدم إضافة هنكان جديداً إلى مجال التحليل السيكولوجى للإبداع، فإن فضله كبير على الناقد الفرنسى شارل بودوان Charle Baudion الذى يعد رائد النقد التحليلى النفسى للفن "والذى قدم عدداً من الدراسات أهمها "دراسة فى التحليل النفسى للفن 1924، والتحليل النفسى لفيكتور هوجو "1934، و "انتصار البطل" 1952، والتحليل النفسى للفن" الذى أهداه إلى العالم فرويد مؤسس التحليل النفسى.
إن التحليل النفسى الذى ستكتمل ملامحه ويصبح منهجاً فى التحليل مع بدايات القرن العشرين قد وضعت بذوره الأولى منذ القرن التاسع عشر وهكذا أصبح التحليل النفسى للفن "قادراً على إعادة تكوين أصل العمل" ليس بالرجوع إلى المخطوطات، وإنما عن طريق السيرة الذاتية Biographie؛ لأن الانطباع (الحالى) يحرك عدة عناصر تعود إلى الماضى حتى وإن كان بعيداً وإلى اللاوعى مهما كان عميقاً، وحول هذا الحافزStimulus المرتبط بالعقد تتكون عضوية العمل وعلى التفسير التحليلى النفسى للأدب أن يتكون حول هذا التحريضStimulation ".
وهكذا يظهر أثر هنكان على بودوان وعلى بول بورجيه أيضاً الذى اقترب فى آرائه النقدية من هنكان أكثر من اقترابه من تين، حيث سيهمل سيرة حياة المؤلف كما فعل هنكان ويعتمد فقط على الأثر.
الجانب الثالث: موضوع النقد ووظيفته:
أثار هنكان قضية هامة طالما طرحت مراراً بين النقاد والدارسين خاصة فى القرن التاسع عشر حيث انشغل كل ناقد بمحاولة تقديم نظرية نقدية جديدة حاول من خلالها أن يثبت وجوده، وقد اختلفت آراء نقاد هذه المرحلة فى تحديد ملامح النقد ووظيفته وسماته، إذ حاول البعض أن يقصر الوظيفة على الناحية الجمالية، والبعض الآخر على الناحية الاجتماعية، وفريق ثالث يركز على الناحية السيكولوجية، وهكذا تباينت الآراء بين النقاد، فقد أعلن هنكان أنه ليس هناك ضرورة من ترجمة سيرة حياة المؤلف لمحاولة تكوين فكرة مسبقة عن اتجاهه النقدى وتكوينه الفكرى ورأى أن وظيفة النقد "تقتصر على التحليل النفسى لحالات خاصة لفرد من الأفراد أو بيئة من البيئات إن التحليل النفسى قد بيّن أن العمل الأدبى لا يمكن أن يدلنا على نفسية كاتبه، كما يدعى النقد عادة، وذلك لما يلجأ إليه الكتّاب من وسائل التعمية والإخفاء حتى لا تتسرب عين غريبة إلى أعماق نفوسهم".
إن هنكان يؤكد على عدم أهمية سيرة حياة المؤلف باعتبارها وسيلة نحدد من خلالها وظيفة النقد إن أردنا أن نعتمد على التحليل النفسى كوسيلة ووظيفة أساسية للنقد، ويرى أن الكاتب لا يعلن صراحة عن نفسه وشخصيته بين شخصيات المسرحية، وهكذا فإن هنكان يحذرنا من اتباع هذا المنهج الذى أسماه تين بالاتجاه النفسى الاجتماعى تلك التسمية التى أطلقها تين وتأثر هو نفسه- نقصد هنكان- بها. ونظراً لأن الكاتب لا يعرض صراحة وبشكل مباشر عن آراء من يعبر عنهم فى مسرحيتهم، ولكنه يعتمد على التمويه، وهو ما يجعل استخدام هذا الاتجاه بحاجة إلى حرص وحيطة، إذ لا يمكن أن ندعى صراحة بتماثل ما يعبر عنه المؤلف وبين ما هو موجود فعلاً فى هذا المجتمع.
مما سبق نستطيع القول: إن هناك "كثير من التحفظات حول علم النفس الاجتماعى الذى ورثه هنكان عن تين، والذى منعه أن يرى تنوع الطرائق التى يعبر بها الكاتب عن رؤية العالم الخاص لمجموعة من الناس هو رسولها الحى والشاهد عليها".
و- بول بورجيه (1852-1935)
Paul Bourget
والنقد العلمى الاجتماعى
ثبتت فاعلية الاتجاهات الوضعيةPositives طوال القرن التاسع عشر بين الكتّاب والنقاد والمفكرين، لكننا نستطيع أن نؤكد أن تعامل بعض النقاد والمبدعين معها تم بشكل كامل. وأقصد بذلك أن فرديناند برونتير الذى يعد رائدها دون منافس، واللاحقين له أمثال فيلمان وهنكان والسابقين عليه أمثال تين قد تأثروا بالوضعية التجريبية التى سادت القرن التاسع عشر، لكن تعامل برونتير معها اختلف عن غيره من النقاد.
كان ثمرة سيادة منهج الوضعية الناقد بورجيه الذى أراد أن "يوجد نقداً تحليلياً اجتماعياً مشابها لذلك الذى أشار إليه هنكان. لكن آراءه المسبقة حالت دون اتخاذه موقفاً وضعياً دقيقا ,فقد قدم العديد من الدراسات والمقالات من أهمها بطبيعة الحال- مقالات نقدية عن "علم النفس المعاصرة "1883" و "علم اجتماع الأدب"، 1906، وصفحات فى النقد والمذهب" 1912، و"دراسات وصور صفحات جديدة فى النقد والمذهب" 1922- تحدث من خلالها عن أهم آرائه النقدية التى وصفها النقاد بأنها اعتمدت فى كثير من جوانبها على الأحكام المذهبية المسبقة التى أبعدته كثيراً عن اتخاذ موقف موضوعى.
لكن أحكامه مع ذلك أدخلت نقده فى نطاق النقد العلمى الذى يقترب كثيراً من هنكان أكثر من تين. فهو "يبدأ من العمل الفنى وينتهى إلى المعطيات النفسية والاجتماعية. لذا نراه لا يهتم إلا قليلاً بشخصية المؤلف، ويولى كل اهتمامه للقيمة الاجتماعية للعمل الأدبى". أى مثلما فعل هنكان فى إهماله لسيرة حياة المؤلف الذاتية فى قراءة الأثر وتحليله يركز بورجيه على الأثر فى محاولة لتحليله منتهياً إلى تحديد المعطيات النفسية والاجتماعية التى تشكل بنية هذا العمل.
إن مذهب بوجيه فى النقد تمثل- كما سبق القول فى استخدام منهج النقد العلمى القائم على التحليل النفسى الاجتماعى؛ ليكشف "تأثيراً واحداً متشائماً وعميقاً ومستمراً لدى معاصريه، وتعود أسباب هذا التأثير إما إلى الإنفعالية أو إلى الحياة الكونية، أو إلى فساد الحب المعاصر وعجزه تحت ضغط الفكر التحليلى أو إلى التأثير الذى أحدثه العلم وربما إلى الصراع بين الديمقراطية والثقافة الرقيقة أخيراً" .
أى أن بورجيه عندما يقرأ الأثر من منطلق منهج التحليل النفسى الاجتماعى فإنه يرد كل ما به سواءً قصة، أو رواية أو مسرحية إلى مجموعة الظروف التى تشكل هذا العالم المعاصر من صدامات وصراعات وتردى كثير من القيم الأخلاقية وتراجع عاطفة الحب أمام تقدم العلوم، مما ترتب عليه أيضاً حالة من حالات التضارب بين القيم الدينية والأخلاقية وبين قدرتها على الثبات أمام تقدم العلوم.
علّق بعض النقاد والدارسين- منهم كارولونى وفيللو- على منهج بورجيه النقدى وأكد أن به كثيراً من نقاط الضعف، وأن أسباب هذا الضعف فى منهجه يعود إلى ابتعاده كثيراً عن محاولة تحليل الأسباب الاجتماعية الحقيقية الكامنة فى عدم التوافق بين الإنسان فى هذا الوقت وبين بيئته، وأكد أيضاً أن بورجيه ابتعد كثيراً عن استخدام الوضعية النقدية فى تحليله للظاهرة، واعتمد على مجموعة من الأحكام المسبقة الجاهزة التى أراد أن يطبقها.
إن أهم الأحكام المسبقة التى أراد بورجيه أن يطبقها وروج لها كثيراً واعتبر عدم وجودها أمراً ترتب عليه هذا الانهيار فى المجتمع هو تراجع القيم الدينية والأخلاقية إذ يعلن أن "الديانة المسيحية هى فى الوقت الحاضر الشرط الوحيد والضرورة للصحة والشفاء". واشترط لخلاص هذا المجتمع ضرورة سيادة الديانة المسيحية لإصلاح أحوال هذا المجتمع، ورأى أن على الكتاب أن يثبتوا من خلال أعمالهم الأفكار الصحيحة والقويمة، وأن على النقاد أن يقيموا بعدها نوعاً من النقد، رأى بعض الدارسين أنه نوع من النقد الملتزم" الذى سيمثل أيديولوجية معينة ينادى بها الكاتب ويؤكدها الناقد وهو ما سوف يحدث فى بدايات القرن العشرين، حيث تسود الماركسية بكتابها ونقادها فتقدم نوعاً من الأدب والنقد الملتزمين بأفكارها ومبادئها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قراءة في تاريخ الحركة النقدية في القرن التاسع عشر2/3
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: