دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 لبنيوية التوليدية .. قراءة في النقد المسرحي المعاصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: لبنيوية التوليدية .. قراءة في النقد المسرحي المعاصر   الخميس يونيو 09, 2011 1:48 pm

البنيوية التوليدية
Genetic Structuralism
قراءة في النقد المعاصر
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
============================
قضية المصطلح:
عند تعرضنا لهذا الاتجاه فإن أول ما يلفت الأنظار حيال المسمى هو حجم الخلاف الذى يثيره هذا الاتجاه فيما يتعلق بصحة المسمى بالمعنى المعاصر، مقابل المعانى الأخرى التى يرى بعض النقاد- وعلى رأسهم د/جابر عصفور- أنها لا تحقق المعنى الصحيح المقصود من وراء إخضاع الإبداع الأدبى عند التحليل البنيوى التوليدى، بغية التعرف على بنية العمل ودراسته "دراسة تكشف عن الدورة التى يجسد بها هذا العمل بنية الفكر عند طبقة، أو مجموعة اجتماعية، ينتمى إليها العمل. وتحاول دراساته- يقصد جولدمان صاحب هذا الاتجاه- من هذه الزاوية، أن تتجاوز الآلية التى وقع فيها التحليل الاجتماعى التقليدى للأدب، وذلك من خلال التركيز على بنية فكرية، تتمثل فى "رؤية للعالم" تتوسطها ما بين الأساس الاجتماعى الطبقى، الذى تصدر عنه، والأنساق الأدبية والفنية والفكرية التى تحكمها هذه الرؤية".
إن الأساس الذى ينطلق منه جولدمان يختلف عن الأسس النظرية الأخرى التى ينطلق منها رواد التحليل الاجتماعى للأدب "أو "علم اجتماع الأدب" أو "سوسيولوجيا الأدب والمسرح"، ذلك أن العديد من نقاد الأدب سبق لهم أن اهتموا بالمضامين الاجتماعية للروايات المختلفة، وركزوا اهتمامهم على صلة المضامين بالمجتمعات التى تعبر عنها، وبالمراحل التاريخية التى تجرى أحداثها فى ظلها" .
إن علم اجتماع الأدب يتميز بأنه يسعى من أجل إقامة علاقة بين الإبداع الأدبى والمسرحى وبين فترة من فترات هذا المجتمع أو ذاك، إذ يسعى المؤلف من أجل إظهار أبعاد الملامح الاجتماعية فى أعماله، بل أكثر من ذلك فإن المؤلف يحرص أيضاً على ضرورة إحداث التغيير فى هذا المجتمع غالباً ما يكون لصالح أبناء الطبقات المغلوبة وبطبيعة الحال فإن هذا المنهج لا يعد جديداً، ذلك أن نقاد القرن التاسع أمثال "مدام دوستال وهيبوليت تين" وغيرهما سعوا من أجل ضرورة إظهار جوانب التأثير والتأثر بين المجتمع وجوانب الإبداع.
انشغلت كل هذه الدراسات السابقة سواء عند أصحاب "الاتجاه المسمى" علم اجتماع الأدب" ويسمى أحيانا بـ "سوسيولوجيا الأدب" أو السابقين عليهم- فيكو- مدام دوستال- هيبوليت تين- بمضمون الأعمال الأدبية من ناحية، وبالعلاقة بين هذا المضمون والوعى الجماعى من ناحية أخرى. أى أنها شغلت بالطرق التى يفكر بها البشر ويسلكون تبعاً لها فى حياتهم اليومية".
إن العلاقة بين الأدب والمجتمع لا يمكن أن "تحكمها قوانين التشابه السطحى الساذجة، ولا حتى مفاهيم الانعكاس المختلفة وإنما تتشكل أواصرها على مستوى أعمق من هذا بكثير، هو مستوى هذه الأبنية العقلية أو المقولات التى يقول بها جولدمان".
إن الدكتور جابر عصفور يتفق كلية مع لوسيان جولدمان فى أن مصطلح "البنيوية التوليدية" هو أقرب المسميات اتساقاً مع منهج التحليل الاجتماعى للأدب، فهو لا يركز بشكل سطحى فى محاولة ربط نتاج هذا الأديب أو ذلك بفترة محددة فى المجتمع بشكل ضعيف دون أن تضع فى "اعتبارها" بنيوية المنهج، "بنية الظاهرة الأدبية التى يعالجها المنهج لابد أن يقود الحديث إلى أمر مهم يرتبط بإلحاح المنهج على التقاط "كليات" الظاهرة الأدبية" و "أقسامها" و "نظمها" وتحليلها تحليلاً يؤكد أن الظاهرة الأدبية تنطوى على خاصية لا يمكن اختزالها من الأجزاء المنعزلة.
ومن هنا يستبعد المنهج أى محاولة "ذرية" أو تجزئيية" للاقتراب من الظاهرة كما يستبعد أى محاولة سوسيولوجية تنحو منحاً أمبريقياً خشناً يتوقف عند مشابهات مضمونية أو شكلية منعزلة، بل يؤكد المنهج التعامل مع الظاهرة الأدبية باعتبارها بنية متلاحمة، لا يمكن أن يساوى معناها المجموع المتناثرة لأجزائها، بل يرتد معناها إلى العلاقات التى تصل ما بين هذه الأجزاء لتمنحها دوراً داخل البنية".
وعليه فإن ما استقر من قبل فى أذهان الكثيرين عن طبيعة العلاقة بين المسرح والمجتمع أمر بحاجة إلى توضيح، ذلك أن بنية العمل الداخلية هى التى تخضع للتحليل دون أن تعتمد على تجزئتها، أو نعتمد على بعض العناصر الشكلية أو الضمنية الواردة فى العمل لمحاولة ربطها ببعض الظواهر الاجتماعية بهدف إظهار نقاط التشابه أو الاختلاف بين النتاج موضوع التحليل وظروف المجتمع فى فترة محددة.
يتفق د.جمال شحيد مع الدكتور جابر عصفور فى استخدام مصطلح "البنيوية" غير أنه يقترح مسمى البنيوية التركيبية وهى تعادل "البنيوية التوليدية" وهو منهج يربط بين دراسة عمل مبدع ما وبين مجموع البنى الدلالية التى تتيح للمحلل أن يفهم أن الكاتب لا يعبر عن رؤيته الفردية للعالم، بل يعبر عن الرؤية الجماعية للعالم من قبل هذه المجموعة أو تلك، ذلك أن الوعى الفعلى هو الوعى الناجم عن الماضى ومختلف حيثياته وظروفه وأحداثه فكل مجموعة اجتماعية تسعى إلى فهم الواقع انطلاقا من ظروفها المعاشية والاقتصادية والفكرية والدينية والتربوية، فإذا درسنا وعى الفلاحين الروس مثلا سنة 1912 وجدنا أنه يختلف كثيراً عما قاموا به سنة 1917 وسنة 1921".
ثم يستمر د. جمال شحيد فى عرض آراء جولدمان فى الوعى الممكن بقوله أن الوعى الممكن "هو ما يمكن أن تفعله طبقة اجتماعية ما بعد أن تتعرض لمتغيرات مختلفة دون أن تفقد طابعها الطبقى. فالفلاحون الروس الذين تحولوا إلى عمال بعد 1912 هم الذين أنجحوا ثورة أكتوبر، ذلك أن تطلعاتهم قد تغيرت".
إن حدود الوعى الممكن والوعى الفعلى، باعتبارهما شكلين من أشكال الوعى الذى ركز عليهما جولدمان يؤكدان بشكل أو بآخر أن هذه الطبقة محل التحليل، إنما تعبر عن رؤيتها للعالم، وبالتالى فإن المسرحية التى نحن بصدد تحليلها تجسد وتوضح لنا رؤية العالم" لدى هذه الطبقة، وهو بذلك يمكنها من الانتقال من مرحلة الوعى الممكن إلى الوعى الفعلى، كمثال على ذلك عند أبناء الطبقة المتوسطة من أبناء الشعب المصرى الذى مروا بهاتين المرحلتين عندما أجتاح الانفتاح الاقتصادى مصر، مر أبناء هذه الطبقة بداية بمرحلة الوعى الفعلى وعجزهم الاقتصادى وتردى أحوالهم المعيشية، هذا إلى جانب تردى القيم الفكرية والتربوية لدى أبناء هذه الطبقة، كل هذه الحيثيات كانت عاملا مساعداً دفع هذه الطبقة إلى التحرك فكانوا هم نواة التحول بل، وأصبحوا ممثلى طبقة الانفتاح الاقتصادى فى مصر. وبذلك تحول الوعى الفعلى إلى وعى ممكن نظراً لما تعرضت له هذه الطبقة من متغيرات. ونستطيع أن نرصد ذلك فى أعمال كثير من كتاب مسرحنا العربى أمثال سعد الدين وهبه، نعمان عاشور، سعد الله ونوس (ملحمة السراب)... وغيرهم.
مما سبق نجد الخلاف بين المصطلحات المتعلقة بدراسة الأدب والمسرح السوسيولوجى يتمثل فى أن هذه المصطلحات تعد خطوات تمهيدية أوصلتنا إلى مصطلح البنيوية التوليدية (التركيبية)، ذلك أن جولدمان لا ينكر إطلاعه على أعمال لوكاتش ومفهوم الإنعكاس ومفهوم الوعى التاريخى المنبعث عن قراءة الأعمال الإبداعية، كل هذا يؤكد أن جولدمان طور آراء السابقين عليه- لوكاتش- مما أوصله إلى مفهوم البنيوية التوليدية (التكوينية) التى يسعى من خلالها جولدمان إلى إقامة "توازن بين العالم الخارجى (الذى يحيط بالإنسان ويرسل إليه الحروب والفتوحات والنزوحات والاحتلال مثلا) والعالم الخارجى (الذى ينبعث من الإنسان والمجموعة البشرية بغية التفاعل أو الرضوخ أو الرفض...)- ويرى جولدمان أن هذا التوازن يتبدل من مجتمع إلى آخر، ومن حقبة زمنية إلى أخرى".
إن جولدمان أكد الارتباط الحميم بين المبدع الفنان وبين ظروف مجتمعه ذلك أننا عندما ندرس مسرحية "برج المدابغ" لنعمان عاشور، لابد أن ندرك بداية أننا لا ننظر إليها من منطلق رؤى المؤلف الفردية تجاه المجتمع المصرى، وما حدث له من تحولات، بل لابد من دراسة البنى الذهنية لطبقة الانفتاحيين، لكى نفهم جيداً أنه توجد علاقة عضوية بين هذه المسرحية كإبداع فنى وبين المجتمع المصرى الذى نشأت فيه المسرحية.
إن جولدمان يصل بنا إلى تحديد الفروق الجوهرية بين ما يقصده بالبنيوية التكوينية وسوسيولوجية المضامين والأشكال، إذ يقول "إن البنيوية التوليدية مفهوم علمى وإيجابى عن الحياة الإنسانية، وهو مفهوم يتصل مفكروه الأساسيون بفرويد على أساس سيكولوجى، ويتصلون بهيجل وماركس وجرامشى ولوكاتش على أساس تاريخى اجتماعى ذلك أن البنيوية التكوينية لا تعتمد فقط على الرصد السطحى للعلاقة بين الإبداع والمجتمع بشكل ظاهر – كما سبق ذكرنا- ولكن تتضمن جوانب نفسية، معرفية، تاريخية، وهى تختلف بطبيعة الحال عن سوسيولوجية المضامين والأشكال، إذ "يظهر العمل الفنى باعتباره انعكاسا حتميا للمجتمع والوعى الجماعى، بينما يكون عاملا أساسيا من عوامل هذا الوعى الجماعى، فى البنيوية التكوينية".

أسباب رفض د. جابر عصفور للمناهج السوسيولوجية التقليدية:
تحدث د.جابر عصفور عن المناهج السوسيولوجية التقليدية فى التعامل مع الإبداع الأدبى عامة، والتى تعتمد بشكل ساذج على الربط بين هذا العمل الأدبى وبين المجتمع، محققين بذلك منهجا كان سائدا فيما مضى يسمى بنظرية الانعكاس عند "لوكاتش" دون أن يضعوا فى الاعتبار بنية هذا العمل التكوينية مهتمين فقط بمحاولة جعل هذه الأعمال مرآة عاكسة لأوضاع المجتمع، ترصد التحولات متجاهلة القيم الجمالية لهذا الإبداع، وقد أكد المنهج الذى قدمه لوسيان جولدمان فى مقابل المناهج السوسيولوجية التقليدية، الذى يركز على "البنية باعتبارها نقطة الانطلاق وألح على أن البنية الواحدة يمكن أن تتحول إلى محتويات بالغة التباين والتنوع، ومع ذلك لا تفارق بنيتها. وإذا كانت "رؤية العالم" نفسها تؤدى وظيفة فإنها تؤديها على أكثر من مستوى، مما يجعلها تتجلى على أكثر من محور. ومهمة المنهج- من هذه الزاوية- هى البحث عن البنية القارة وراء محتويات متباينة، وعبر مستويات متعددة، ومحاور متعددة" .
إن منهج البنيوية التوليدية يركز فى تحليل الإبداع على وحدته العضوية وهو يتخطى فى ذلك وجهات نظر المنهج السوسيولوجى التقليدية المعتمد على نظرية الانعكاس بحيث أصبحت النظرة كلية للإبداع تشتمل بطبيعة الحال نواحى الجمالية ويحددون لها مكاناً واضحاً فى دراساتهم، ذلك أن هذا المنهج لا يركز على عنصر دون الآخر بل على العناصر متصلة.
إن منهج البنيوية التوليدية بذلك يجمع بين المنهج السوسيولوجيى التقليدى وبين ما قدمته البنيوية بمعنى أن "بنيات الأثر الأدبى فى ظل المنهج الراهن لها مفهوم دينامى وليست مفهوماً جامداً، فهى تعد تعبيراً عن نظرة معينة للعالم، أى تعبر عن موقف جماعة بشرية معينة فى ظل لحظة تاريخية محددة" .
إن هذا المنهج يرفض بذلك النظرة الخاصة بالسيوسيولوجيا التقليدية التى تنظر إلى العمل باعتباره انعكاساً مباشرا للمجتمع- كما سبق القول- هذا من ناحية، ومن ناحية ثالثة فإن لوسيان جولدمان يؤكد فى تحديده طبيعة العمل الأدبى، وكيفية التعامل معه عند التحليل قوله "ليس هناك عناصر سوسيولوجية فى العمل الأدبى وإنما هناك شخصيات فردية ومواقف خيالية فحسب" ذلك أن الأعمال الأدبية أبعد من أن تكون انعكاساً بسيطاً لوعى جماعى. إنها تعبير موحد متلاحم عن إتجاهات ومطامح خاصة بمجموعة بعينها.
مما سبق نكون قد أوضحنا الفارق بين المنهج المعاصر فى تعامله مع الإبداع الأدبى بشكل عام- أقصد منهج البنيوية التوليدية/التركيبية- وبين المناهج السوسيولوجية التقليدية السابقة منذ مدام دوستال وهييلويت تين، وفيكو الذين دعوا إلى ضرورة دراسة العلاقات بين الأدب والمجتمع، إلا أننى أرى أن الاختلاف يأتى من التعامل مع النص دون إغفال أن هذه الاتجاهات جميعاً، تركز على النص الأدبى فى حال ربطه بالتاريخ الاجتماعى الذى ظهر فيه.
أعلام المنهج
إن منهج البنيوية التوليدية الذى يجمع جوانب سوسيولوجية، معرفية وتاريخية اجتماعية- كما سبق أن أشرنا- لم يكن قد استقر بهذه الكيفية عندما ظهر من قبل منذ القرن التاسع عشر عند "مدام دوستال" و "هيبوليت تين"، كما أنه ظهر منذ بدايات القرن العشرين على يد علم من أعلام هذا الاتجاه هو:
1- جورج لوكاتش (1885-1971):
الذى تحدث عن نظرية الانعكاس والذى يعد "خالق المنهج البنيوي التوليدى بلا نزاع".
تناول من خلال قراءاته لأعماله خاصة "الروح والأشكال" و "نظرية الرواية" العلاقة الحميمة بين المبدع والواقع المعاش، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية يركز على الوعى التاريخى المنبعث من قبل المؤلف وكيف استطاع أن يوضحه من خلال أعماله.
يرى لوكاتش "أن الأدب يعكس الواقع الاجتماعى- الاقتصادى، لكنه رفض فكرة وجود حتمية واضحة بين الاثنين. ويحاول أن يبرهن على أن أعظم الآثار الأدبية لا تعيد فحسب إنتاج الأيديولوجيات السائدة فى عصرها، بل تجسد فى شكلها نقداً لهذه الأيديولوجيات.
إن لوكاتش لم ينجح طوال رحلته فى الوصول إلى الاهتمام بتحليل البنى العميقة للأعمال الأدبية، وإنما وصف هو وبلزاك بأن "الأفكار السطحية- عندها- تحل محل وصف البنى العميقة.
2- لوسيان جولدمان:
اعتمد جولدمان على بعض مقولات أستاذه "جورج لوكاتش" مما جعله يصل إلى مكانة جعلته مؤسس المنهج البنيوى التكوينى، إذ نجح خلال دراسته "الإله الخفى" و "مسرح راسين" فى تناول "الرؤية المأساوية فى خواطر باسكال وراسين وسعى إلى الإحاطة (بالبنيات) التصورية للنصوص المدروسة، واستخلاص (الكليات) العقلية والاجتماعية، وتوصل إلى أن (خواطر) باسكال ومآسى راسين ليستا سوى تعبير عن الوضعية المأساوية التى عاشتها نبالة مثقفة موزعة بين أصولها وارتباطاتها البرجوازية، وهى تعبير يتجلى فى رفض العالم لدى الجانسينية".
وعليه نستطيع القول إن جولدمان عندما طبق هذا المنهج ركز على الإبداع الفردى للمؤلف الذى يعد بطبيعة الحال جزءاً من الإبداع الجماعى أى أنه يؤكد أن إبداع الفنان جزء من كل. وعلى هذا فإن دراسة جولدمان لبنية النص الأدبى من منطلق تكوينى (توليدي/تركيبى) يسهم بدوره فى الوصول إلى نتيجة مؤداها أن بنية النص تسهم بدورها فى تحديد بنية ورؤية هذه الطبقة أو الفئة للعالم المحيط، والذى ينتمى إليه المؤلف بطبيعة الحال. أى أن جولدمان عندما يحلل بنية أعمال راسين خلال مسرحياته يصل إلى وجهات نظر المؤلف خلال بنية النص، والتى تأتى معبرة عن العالم المحيط، وبذلك يمكننا القول بأن إبداع نعمان عاشور، وسعد الدين وهبة، وهنريك إبسن على سبيل المثال، إنما هى أعمال كتبها مؤلفاها فى ظل ظروف خاصة ترتب عليها إفراز هذه البنى التى تمثلها أعمالهم. فمن المسلم به أن "ثمة علاقة جدلية بين الفن والواقع، فمن جهة تؤثر التراكيب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على شكل العمل الفنى وتحكم آلياته وتسيطر على صراعاته ومكونات أبطاله، ومن جهة أخرى فإنه يمكن معرفة العالم الخارجى من خلال الإبداع الأدبى والفنى".
إن المفاهيم الأساسية التى يقيم عليها جولدمان ملامح منهجه تتمثل فى وعيه الدائم بضرورة النظر إلى الإبداع الأدبى (والمسرحى) بطبيعة الحال على أساس أنه مجموعة من الظواهر الاجتماعية وسياسى وتاريخى وثقافى، أى أن العمل الأدبى إنما هو نتاج اجتماعى والسياسية والتاريخية والثقافية، أى أن العمل الأدبى إنما هو نتاج اجتماعى بقدر ما هو إبداع فريد، وهو يختلف عن مفهوم السوسيولوجيا كما يراها روبير اسكاربت الذى يربط بين الإنتاج الأدبى وطرق وسبل نشره وتوزيعه وبطبيعة الحال يركز على طرق استقباله من قبل الجمهور. ويختلف عن الاتجاه السيوسيولوجى الآخر الذى يركز على دراسة الإنتاج الأدبى لمجموعات مهنية واجتماعية، ونقل الاهتمام من الفرد المدروس حسب مهنته، إلى السنوات الأولى من طفولته، كما يدرس مضمون الوعى الجماعى فى أعمال عدد من المؤلفين المختلفى الجنسيات".
وبعد فإن لوسيان جولدمان ينس ذكر أهمية دراسة البنى الذهنية الخاصة بمجتمع ما بفترة محددة بغية الوصول إلى أسباب انتشار وسيطرة اتجاه أدبى ما خلال فترة معينة كالواقعية فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر (ممثلة فى مسرحيات إبسن) وأسباب تبنى إبسن لهذا الاتجاه، كذلك لابد من دراسة الطبقة الاجتماعية التى تبنت هذا الاتجاه والطبقات الأخرى (مثل أبناء الطبقة الارستقراطية الذين مثلتهم الكلاسيكية من قبل) أو أسباب تحفظها عل سيطرة هذا الاتجاه، وقد حدد جولدمان مجموعة من الضوابط المنهجية لإدراك هذا المنهج، وقد ميز بين جانبين من عملية واحدة للدرس الأدبى هما "التفسير" أو الفهم "و "الشرح"، أما التفسير فهو الكيفية التى يفهم بها الدارس العناصر المكونة للعمل الأدبى، أى الكيفية التى نكتشف بها بنية هذا العمل. أما الشرح فهو يرمز إلى هذه البنية الأدبية نفسها باعتبارها وظيفة لبنية اجتماعية أوسع وإذا كان التفسير درساً على مستوى فهم البنية الداخلية للعمل، فإن الشرح أيضا درسا اجتماعيا على مستوى البنية الخارجية الأشمل أى أن الشرح يرتبط بما هو خارج حدود النص لينفتح على المجتمع، أما التفسير فيظل يدور فى داخل النص.
1- ميخائيل باختين (1895-1975)
يعد باختين من المنظرين الذين ناقشوا قضايا الفن خاصة فيما يتعلق بالرواية وفلسفة اللغة، وقد ضمن أفكاره وتصوراته خلال كتابه الذى نشره عام 1975 وأسماه "علم الجمال ونظرية الرواية" حيث ناقش عددا من القضايا الهامة المتعلقة بفصل الشكل عن المضمون المعرفى للعمل الفنى، وقد عدد نقاط ضعف الشكليين الذين ركزوا على الشكل على حساب المضمون.
يعد باختين "المؤسس الأول لعلم اجتماع النص الأدبى، أو حتى لعلم اجتماع الشكل الأدبى"، وقد تعرض باختين فى دراساته لنظرية الانعكاس المباشر التى كانت شائعة فى الاتحاد السوفيتى فى مرحلة الثلاثينيات، وأكد أن الأدب ليس انعكاساً آليا للمجتمع بقدر ما يكون الفن "تعبيراً اجتماعياً مرتبطاً بما هو خارج الوعى الفردى، وأن الوعى الذاتى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الوعى الجماعى".
وعليه نستطيع القول إن باختين أدرك أهمية الرواية باعتبارها عملا فنياً، نستطيع من خلاله أن ندرك جميع فئات المجتمع الدنيا، وهو ما جعله يرى أهمية الأشكال الشعبية والدونية كمادة توضح نظم الصراع الموجودة داخل المجتمع. هنا نجد أواصر الصلة بين لوسيان جولدمان وبين ميخائيل باختين وبين لوكاتش فيما يتعلق بالكلية الاجتماعية التى قال بها لوكاتش و "رؤية العالم" التى قال بها جولدمان، وهو بذلك مصطلح يعنى بتقديم مفهوم تاريخى، إذ يصف الطريقة أو المنهج الذى تفكر به طبقة معينة لفهم واقعها الاجتماعى ويستخدم جولدمان هذا المصطلح "باعتباره مصطلحاً له ارتباطاً بما قاله لوكاتش، غير أن جولدمان "يطور هذا المفهوم عندما يتعامل مع "الرؤية" باعتبارها "بنية" لا تفهم إلا فى تحقيقها لوظيفة، وعندما يفهم هذه البنية فى ضوء السيكولوجية المتطورة التى ثقفها عن أساذه جان بياجية فينظر إلى "رؤية العالم" باعتبارها متولدة عن مشكلات تتطلب حلاً وباعتبارها نسقاً متلاحماً يضع المشكلات فى مقابل حلولها، فتصبح "رؤية العالم"- بنية شاملة تهدف بنسقها المتلاحم إلى تطويع الموقف الذى تعانيه الطبقة أو المجموعة، تماماً، كما ينبع نسقها المتلاحم من الرغبة فى تطويع الموقف".
تحدث باختين عن الموضوع الجمالى- الذى تحدث عنه أيضاً جولدمان- كما يحدد ذلك د. محمد على الكردى حيث رأى أن الموضوع الجمالى "ليس مبدأ ميتافيزيقياً سابقاً على الخلق الفنى، إذ أنه الواقع الحى والملموس لحركة الوعى الخلاقة، وهى حركة تتشكل على الطريقة الظاهراتية، داخل مواقف معرفية وأخلاقية ماثلة دائماً من قبل. إن الوعى الخلاق يدمج، فى تكوينه للموضوع الجمالى بين اللحظة التقويمية أو المعيارية، ووضعية الحدث أو الظاهرة التى يتناولها بالمعالجة فى إطار لغة رمزية.
طبق باختين آراءه على أعمال رابليه فى رسالة دكتوراه التى قدمها عام 1965 وعلى دستوفسكى، واستخلص من خلال دراسته شكلين من أشكال الرواية هما:
1- الشكل الكرنفالى.
2- شكل الرواية المتعددة الأصوات (أى الحوار الذى على شكل ديالوج بين الكاتب وشخوصه الغائبة وشخوصه الحاضرة).
4- بيبر زيما (1946):
استطاع زيما أن يتخطى مرحلة التأثير بباختين إلى مرحلة الإضافة والابتكار والتفسير فلم يعد همه من دراسة النص فقط دراسة المتجمع وحسب، بل نجده يهتم بمسألة "معرفة كيف تتجسد القضايا الاجتماعية والمصالح الجماعية فى المستويات الدلالية والتركيبية والسردية للنص".
حرص "زيما على ضرورة تجسيد جوانب الصراعات الطبقية وتحديدها فى المجتمع الواحد، وهو يذكرنا بأعمال الكثير من كتاب مسرحنا المصرى إذ حرصوا أمثال سعد الدين وهبه، نعمان عاشور، نجيب سرور، لطفى الخولى، يوسف ادريس فى مجال المسرح- من خلال مسرحياتهم على ضرورة إيضاح أوضاع الطبقات الاجتماعية وصراعاتها، كما تمثل عندنا فى ظهور طبقات واختفاء طبقات أعقاب ثورة 1952 والانفتاح الاقتصادى 1978م.
إن دخول طبقات جديدة إلى أماكن لم يكن من حقهم من قبل دخولها أدى إلى إنقلاب معايير اللغة المتداولة فى هذه الأوساط الاجتماعية، وهو ما حدث فى مصر فى أعقاب الانفتاح الاقتصادى حيث وجدنا الازدواجية تظهر فى الشخصية وفى الحوار وفى السلوك.
إن زيما لم ينس أن النص الأدبى- ونحن نرى أن هذا ينسحب على النص المسرحى أيضاً- ليس كالوثيقة التاريخية التى يعتمد فيها المؤرخ على التأكيد على صحة هذا الأمر من عدمه، بل يظل الأدب قادراً على تجاوز هذه المرحلة، ونستطيع أن نتلمس ذلك فى مسرح الكثير من كتابنا المصريين أمثال الفريد فرج فى مسرحيته "سليمان الحلبى" وعبد الرحمن الشرقاوى فى مسرحيته "الحسين ثائراً" و "الحسين شهيداً" و سعد الله ونوس فى مسرحية "ملحمة السراب" على سبيل المثال.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
لبنيوية التوليدية .. قراءة في النقد المسرحي المعاصر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: