دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مسرح الميلودراما في مصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: مسرح الميلودراما في مصر   الجمعة مارس 11, 2011 5:27 am

مسرح الميلودراما فى مصر
دراسة في نظرية الدراما
الأستاذ الدكتور / أحمد صقر
---------------------------------------------

إذا أردنا أن نتعرف على المسرح المصرى الحديث فإن أول ما يستلفت الأنظار أن الميلودراما تعد هى البداية الطبيعية للمسرح المصرى، وهذا راجع إلى أن هذه البداية كانت معاصرة لظهور الحركة الرومانسية الحديثة فى الأدب المصرى الحديث.
والميلودراما كما نعرف هى مسرحية ذات سمات رومانسية خالصة شهدتها مصر منذ المراحل الأولى، عندما كان الاقتباس والتمصير والإعداد مراحل سبقت المسرح الفنى المصرى.
وقد اعتمدت الميلودراما الشعبية التى شاهدناها فى أعمال "يوسف وهبى" و"إبراهيم رمزى" و"لطفى جمعة" و"نجيب الريحانى" على تركيبات مفتعلة للمواقف المسرحية، تحرص على أن تنتهى فى كل موقف عند شئ يثير الضحك.

وكما نعرف فإن الميلودراما تصور عالم تنفصل فيه الأفعال عن الشخصيات بفواصل أخلاقية واضحة مع مراعاة العدالة الأخلاقية التى تنتصر للفضيلة وتعاقب الرذيلة رغم كثرة المآسى التى يعانى منها الفضلاء على يد الخبثاء والأشرار الأقوياء. والميلودراما دائما تفرط فى تصوير الشخصية المسرحية فتظهرها فى صورة أشد عنفا، فى صورة لا يمكن أن نجد لها مثيل فى الحياة الواقعية.
وقد اعتمد مؤلفوا الميلودراما على نماذج مكرره من الشخصيات مثل...
البطل/ البطلة/ الشرير/ الشخصية المضحكة.
كما ارتبطت الموسيقى بالميلودراما ارتباطا وثيقا، ومن ناحية أخرى فقد اتسمت الميلودراما بسمة هامة وهى أنها تنظر إلى الحياة نظرة تلقائية بسيطة.

وعن الميلودراما فى المسرح المصرى فقد مرت بثلاث مراحل انتهت بنا إلى الميلودراما الإجتماعية، وهذه المراحل هى:-

1- الميلودراما الشعبية.
2- الميلودراما الإجتماعية.
3- بين الميلودراما والدراما الإجتماعية.

1ـ الميلودراما الشعبية:-

لاشك أن الفترة التى شهدت البدايات الأولى للمسرح العربى فى مصر قد اعتمدت على النقل من خلال الترجمة والتمصير والإقتباس، وهى فترة ساهمت بدورها فى أن عرفت البلاد فن المسرح، وقد مهد هذا السبيل إلى إزدهار هذا الفن المعروف بفن الميلودراما والذى وُجد مرتبطا، من حيث موضوعاته، ببعض القصص المحليًة المُستمدة من حكايات ألف ليلة وليلة والمَقـَامَات وفنون خيال الظٍل والقِصص الشعبية والقـَصص الدينى. وقد كانت الريادة فى هذه الفترة منعقدة لكل من "إسماعيل عاصم"، "عباس علام"، "فرح أنطون"، "محمد تيمور"، "أنطون يزبك"، "إبراهيم رمزى".

ولدت الميلودراما الشعبية إذن ولادة متواضعة على يد محام كان مشهورا فى زمانه، وهو "إسماعيل عاصم"، وقد كان ذلك فى منتصف التسعينات من القرن الماضى (1894- 1897)، حين كتب مسرحياته الثلاثة وهى "صدق الإيخاء" 1894، ثم "حُسن العواقب" 1895، وأخيرا "هناء المُحبين" 1897. وفى هذه الأعمال الثلاثة يُقَدِم المؤلف مُشكلات إجتماعية معاصرة تهدف إلى إصلاح حال المجتمع بتنوير العقول بالعلوم النافعة، هذا إلى جانب رصده لبعض المتغيرات التى شَهِدَهَا عصره ومدى ما فيها من تأثير على المجتمع وأبناءه.

وإذا ما أردنا التعرف على موقع هذه المسرحيات من الميلودراما العالمية، بكل المقاييس الفنية المتعارف عليها، نجد أن مسرحية "صدق الإيخاء" تحقق بعض ما عرفناه فى الميلودراما العالمية، من حيث طبيعة الأحداث والشخصيات والإكتشافات، فيستخدم المؤلف فى هذه المسرحية عددا من الإكتشافات المطصنعة المثيرة ذات الطابع الميلودرامى، وتلعب هذه الإكتشافات دورا هاما فى تطوير الأحداث وتصاعدها على نحو ما نرى فى الفصل الثانى.
والمسرحية تقدم لنا شاب إسمه "عزيز"، لا ندرى هويته تماما، إنما هو من بيت عز ربما كان ابن أمير كما يقول النص، وإن كنا لا نعرف فهو أمير.
يدخل "عزيز" هذا ويناجى حبيبته الجميلة "عزيزة"، وهى من بيت إمارة بدورها، ويستعجلها القران به كما كان المرحوم والدها قد اتفق مع والده قبل موته. وتبكى "عزيزه" وهى تقول لحبيبها أن الأمر ليس بيدها الآن فقد تولى أخوها أمرها بعد وفاة أبيها؛ وهو شاب سكير يبدد سريعا الثروة التى خلفها لهم والدهم ويضيعها بين الحانات وتساعده فى هذا أم معجبة بولدها تدلـله وتحقق رغباته. وتقدم الحبيب "عزيز" لطلب عزيزه من أخوها "نديم" إلا أنه يخبره أنً غيره تقدم لخطبتها وأنها قبلت هذا الخطيب. لكن "عزيزه" تبلغه بكذب هذا وأن عليه أن يظل إلى جوارها ليظل الود بينهما.
وفى الفصل الثانى يذهب "نديم" بعد أن أفلس يطلب العَوْن من صديق والده "صِدٍيق" وهو لا يعرف أنه والد "عزيز" الذى حال بينه وبين زواجه من أخته. وتتأزم المشكلة، فقد أنفق "نديم" كل ما وَرِثَهُ وأصبح معدما، وهنا تدخل عليه عجوز تقول أنها كانت صديقة لوالده وإعتادت أن تعطيه من مالها ما يتاجر لها به، وتُودِعْ لدى "نديم" خمسة آلاف دينار وقرطا ثمينا، ثم تصبح هذه العجوز بعد ذلك أم "صديق"، أرسلها متخفية لنجدة "نديم". ثم يقابل "نديم" شخص آخر يتعاون معه ويُعَلِمَهُ التجارة ويعطيه من المال والجواهر، ونعرف بعد ذلك أنه "صديق" والد "عزيز".
وفى الفصل الثالث نتعرف على عدد من الإكتشافات المثيرة، مثل عصابة قُطًاع الطريق التى تُهاجِم الملكة وإبنتها ثم نجاتها على يد "نديم" الذى أصبح فارسا فى رفقة من أصحابه. ويقع "نديم" فى غرام إبنة الملكة التى يتزوجها فى الفصل الأخير مع نهاية المسرحية.

ويتضح لنا من خلال هذه المسرحية أن الحدث الميلودرامى يتطور من خلال فعل الشخصية الشريرة "نديم" أكثر من فعل الشخصية الخيٍرة "عزيز".
وهى أحداث فى جُمْلَتِهَا يقع تأثيرها الأكبر على الشخصية الخيٍرة "عزيز" الذى أحب أخت "نديم" وأراد أن يتزوجها ولكن "نديم"، الوارث الذى دللته أمه، كان مُنْصَرِفَا إلى الْلَهْو، فيعرف صديقه بحيلة إخترعها بعد أن أخبره أن أخته قد خُطِبَتْ وهى توافق على هذه الخطبة.
وشخصية "صديق" هنا شخصية أخلاقية، تتمتع بعدد من الفضائل الأخلاقية والإجتماعية، وتقابل هذه الشخصية شخصية "نديم" وهى شخصية بلا مبادئ وليس لها خُلُق.
وتسير الأحداث وتظل شخصية "صديق" على حالها لم تتغير ولم يتغير منطقها الأخلاقى والنفسى. أما شخصية "نديم" فبعد أن نال عِقَابِهِ يأتى التحول والإنقلاب فى نهاية المسرحية وقد تحول "نديم" إلى النقيض، فيبارك زواج أخته من حبيبها ويتزوج ممن أحبها.

تلك كانت هى ملامح سمات ميلاد المسرحية المصرية الميلودرامية الفنية التى لم تعد قاصرة على الفنون القولية بل تخطت هذا إلى ملامح المسرحية الفنية بمفهوما الحديث.

من الأسماء الأخرى التى برزت فى مجال الميلودراما الشعبية "جورج أبيض" وفرقته، حيث مثلت على مسرح الأوبرا مسرحية "مصر الجديدة ومصر القديمة" لفرح أنطون، كما قدمت نفس الفرقة فى نفس العام -1913- مسرحية "بنات الشوارع" و"بنات الخدور" ويغلب عليها الطابع الإستعراضى.

ومسرحية "مصر الجديدة ومصر القديمة" هى أقرب إلى ميلودراما المواقف، حيث يغلب عليها الموقف الذى يقدم المؤلف من خلاله صورة اجتماعية عريضة تتحرك فيها شخصيات يميل بعضها إلى المزاج الرومانسى، مثل "ألمظ"، والبعض الآخر إلى المزاج الواقعى، مثل "مهفهف"، بينما يتردد البعض بين الرومانسية والواقعية على نحو ما نرى فى شخصية "فؤاد".
أما الشخصية الميلودرامية فى العمل فلا نكاد نجدها فى الشخصية الآتية، هى "خرستو" صاحب الحان، فهو مثال نمطى للشخصية الشريرة بكل ما فيها من سواد متمثل فى الشر والإستغلال.

وباختصار، أراد المؤلف أن يُظْهِر مصر فى فترتين، فترة ما قبل عام 1913 والفترة التى تليها، وتشهد الحرب العالمية الأولى، وما سوف يحدث من ثورة 1919 والخوف من الحاكم الغاصب الدخيل الذى أصبح أقل حدة مما كان عليه بعد أن إستيقظ الشعب من نومه.

والمسرحية ليست عملا فنيا محكم الصنعة كما فى الميلودرامات عامة، إذ أن المسرحية ذات قالب فضفاض، مبنية على الحوادث المتلاحقة وليس على الحدث الواحد، والهادفة إلى التغير الإجتماعى من خلال مزيج من الريبورتاج وتصوير الشخصيات ووصف البيئة وصفا دقيقا، ثم دفع هذا كله إلى التصارع والتفاعل لينبع منه شكل فنى فضفاض، يحوى أشخاصا عديدين وحكايات كثيرة.

من أبرز الأسماء التى برزت إلى جانب "إسماعيل عاصم" و"فرح أنطون" نجد "عباس علام" الذى قدم مسرحية تحمل إسم "أسرار القصور" والتى مثلت عام 1915 ثم قدمت مرة أخرى على يد "فرقة عكاشة" 1922 بإسم "ملاك وشيطان".
وتعد هذه المسرحية من أقرب الأعمال المسرحية التى ينطبق عليها مفهوم "الميلودراما الإجتماعية"، فهى مسرحية عصرية من حيث موضوعها، من ناحية أخرى فهى أكثر إلتزاما بحرفية "المسرحية المحكمة الصنعة" Well- Madplay التى تستخدم الإثارة إستخداما واضحا وبلا تردد وتبنى الشخصيات والمشاهد وتقيم الفصول وتخلق المواجهات بين الأبطال ساعية إلى تقديم مشكلة إجتماعية تقديما زاعقا تنطلق فيه الألفاظ الرنانة وتعربد الشخصيات وتدوى طلقات المسدسات، ويتحول الشخص من شرير إلى بطل وبالعكس فى ثوان، بينما يظل شخص آخر أسود طول الوقت من فرط الشر، ويبقى آخر ناصعا كالنور من شدة ما هو فيه من خير.

فالمسرحية تقدم قصة "سامية"، مثال الزوجة الشريرة، وزوجها الخير، وعشيقها، وتسعى هذه الزوجة إلى دفع زوجها إلى الإفلاس والإستدانة، ونجد الزوج حليم يقف متردد بين إرضاء حبه لـ"زينب"، الأمل الذى سعى لتحقيقه، وبين رغبة والده فى أن يتزوج "سامية". وبعد سلسلة من الأحداث المثيرة يُطلق "سامية" ويتزوج من "زينب"، وهكذا يكون مصير الشر.
وإلى جانب هذا فإن المؤلف حرص على أن يضمن لمسرحيته عددا من المشاكل الإجتماعية، مثل الزواج غير المتكافئ والمفارقات التى تحدث نتيجة تخطى الفرد حدود طبقته الثقافية والفكرية. من ناحية أخرى فقد نجح المؤلف فى تسجيل تحرك الطبقة المتوسطة فى مصر قبل ثورة 1919 ومحاولاتها للتحرر من سيطرة الإقطاع.

2- الميلودراما الإجتماعية:-

إذا كنا قد تحدثنا فى الموضوع السابق على الميلودراما الشعبية التى تجلت وتبلورت فى أعمال "إسماعيل عاصم" و"فرح أنطون" وإكتملت ونضجت فى أعمال "عباس علام"، وهى مسرحيات ميلودرامية مستمدة من الأنماط المصرية المعاصرة العادية، وقد صنفت، من حيث مبدأها الفنى، على أساس أنها ميلودرامات شعبية، ومن حيث مبدأ التصنيف الأخلاقى، إلى أنها شريرة أو خيٍرة.

ومن النقاط التى تحسب لهذه الميلودرامات أنها تميزت بإن مؤلفيها أدخلوا عليها أفكارهم ومفاهيمهم الأخلاقية والإجتماعية مما جعل بعض الشخصيات تتحدث بلسان المؤلف مما متع الشخصيات بصفات المثقف العارف. وإذا ما إستمرت متابعتنا للميلودراما المصرية لوصلنا إلى "محمد تيمور" و"توفيق الحكيم" ومسرحه الإجتماعى، ثم "أنطون يزبك"، وهم كتاب ساروا على نَهْج من سبقهم وطوروا وأفادوا وإستفادوا، مما جعل الميلودراما على يدهم تتقدم أكثر تطورا.
فعندما نحاول مناقشة هذه الأعمال والتعرف على خِصَالِها نجد أننا أمام مسرح ميلودرامى متكامل لا يكتفى المؤلف فيه باستخدام عناصر ميلودرامية، كما سبق وحدث، بل أنه يستخدم الميلودراما روحا ومنهج بناء. فالمسرحية قضية أو عدة قضايا إجتماعية وسياسية متناثرة بين لحظات من الفرح وأخرى من الأسى مع شئ من الفكاهة والكثير من الإثارة.
ومحاور المسرحية البطل والبطلة والشرير والمهرج، كما تحتفظ أغلب هذه المسرحيات بسر يُفْشَى فجأة عند لحظة التحول.

وإذا ما تعرفنا على هذه الأعمال نجدها "العصفور فى القفص"1918، "عبد الستار أفندى" 1918، و"الهاوية" لمحمد تيمور، و" المرأة الجديدة"1923 لـ"توفيق الحكيم"، هذا إلى جانب مجموعة من المسرحيات أخذت إسم مسرح المجتمع من (1944 : 1950)، وهذه المسرحيات تعالج مشاكل إجتماعية وأخلاقية وسياسية، أما مسرحية "اللذبائح" 1925 فقد كتبها "أنطون يزبك" و"صرخة طفل" لـ"إبراهيم رمزى". وفى هذه المسرحيات نرى الحب وقدرته على دفع الناس إلى الأعمال النبيلة، كما نرى المجرم الذى يهدد بسر يفجره فى الوقت المناسب، وفى هذه المسرحيات أيضا يظهر المُحِب الذى يُضَحِى بنفسه بطريقة مثيرة للعواطف، والأنانى المفرط فى أنانيته فيجرى وراء رغباته محطما كل شئ.

( أ ) إن مسرحية "الهاوية" لـ"محمد تيمور" تقدم لنا قصة شاب ثرى هو "أمين" الذى يرث المال؛ إلا أنه يأتى مختلفا عن المسرحيات السابقة التى قدمت مثل هذه الشخصية، إذ أنه متحرر ينشر الحرية، حقيقى أنه يسهر ويسكر ويشم الكوكايين ويرافق النساء، إلا أنه كذلك ثائر على طبقته الثرية يَوًد أن يعيش بطريقة إفرنجية، وهذا ما حدث، إذ أنه إختار زوجته وأدخلها الحياة العصرية وقدمها إلى أصحابه وكادت تقع فى الخطيئة على يد أحد أصدقاءه وقبل أن تحدث الخطيئة وتنقذ الزوجة نجده يبكى.
وهنا ندرك أننا أمام ميلودراما إجتماعية مُوَقَقَة حافلة بالتفاؤل والعظات الأخلاقية، كما أنها من الناحية الفنية تتميز بأنها مسرحية إجتماعية جادة مكتوبة بحرارة واقعية، وإن إستعانت بالميلودراما لغرض الدرس الإجتماعى الذى يسعى المؤلف إلى توضيحه، وهو ضرورة أن ينتبه أصحاب الأملاك إلى أملاكهم.
وأود كذلك أن أُشِير إلى الحوار فى هذه المسرحية، إذ هو حوار بارع نشيط قوى، يستخدم الكلمة المطلوبة دون تردد، وهذه ضرورة وميزة ما أَقْدَم عليه "محمد تيمور" من فن الحوار المزدوج الذى جرى عليه من سبقوه.. اللغة الدارجة للشعب والفصحى للمثقفين، مما كان يضر ضررا بالغا بحيوية العمل الفنى.
كذلك تخلصت المسرحية نهائيا من الشوائب الأدبية التى ظلت تَعْلـَق بالمسرحية المصرية من مقالات ومناظرات ومقامات، إلا أن هذا لا ينفى عن المسرحية المصرية أنها أخذت عن المسرحية الفرنسية مشهد العشيقة المحبوسة فى غرفة نوم صديقه وهى ترتجف من إنكشاف أمرها.

( ب) يَلِى "محمد تيمور" فى هذا السبيل "توفيق الحكيم" الذى إحتل مكانة بارزة وهامة فى تاريخ المسرح المصرى الحديث والمعاصر حتى أنه يُعَد رائد من رواد المسرح المصرى العظام.
و"توفيق الحكيم" كتب وشارك فى العملية المسرحية المصرية مسايرا ما كان عليه حال المسرح المصرى حين ذاك، ثم جاءته الفرصة ليسافر إلى أوروبا، وإلى فرنسا بالتحديد، ليعود بعدها وقد غيًر كثيرا من أفكاره ومعتقداته وقناعته الفنية والمسرحية.

كتب "توفيق الحكيم" مسرحيته "المرأة الحديدية" والتى قدمتها "فرقة عكاشة" 1923، وهى مسرحية أخذ فكرتها من مشهد العشيقة المحبوسة، وهى محبوسة فى غرفة نوم عشيقها بينما هو فى الخارج يسعى إلى معرفة السر، وهذا المشهد من المشاهد التقليدية فى الميلودراما الفرنسية. وقد تناول "الحكيم" فى هذه المسرحية مشكلة إجتماعية كانت مُلِحًة فى زمن كتابة المسرحية، وهى قضية السفور والحجاب، وكان هذف الحكيم من وراء عرضه لهذه القضية أن يُظْهِر قلقه من أثر السفور فى فكرة الزواج عند الشباب من الجنسين من ناحية، ثم أثر الإختلاط على الحياة الزوجية وبناء الأسرة من ناحية أخرى.

أقام "الحكيم" مسرحيته على مبدأ المغالطه، فقد عرًفـَت "نعمة" صديقتها "ليلى" بزوجها "سامى"، وتركتها تخالطه، فإختطفته "ليلى" منها. أما "نعمة" فهى الأخرى عشيقة لـ"نجيب بك حلمى" الذى يسكن إحدى شقق عمارة والد "ليلى" -"محمود بك"- وهو رجل عربيد، يفكر فى التخلص من ابنته "ليلى" ليخلو إلى عربدته، فيحاول أن يزوجها من "نجيب".
لكن المشكلة فى هذه المسرحية أن "ليلى" لا تريد أن تتزوج إلا بعد صداقة تقوم بينها وبين من ستتزوجه، كما أن "نجيب" يرفض الزواج مكتفيا بمن يصاحبه من أمثال "نعمه".
وإلى جانب هذه الشخصيات توجد بالمسرحية شخصيات أخرى، مثل "محمود" و"شاهين" و"على" أصدقاء "محمود" بك و"فاطمة" هانم زوجة "على"، مما أضعف بناء المسرحية وسَطًح شخصياتها فأصبحت شخصيات غير محددة الأبعاد والأدوار.

جانب آخر أود أن أضيفه إلى طبيعة هذه المسرحية، وهو وجود المواقف المسرحية المصطنعة المليئة بالمفاجآت، كما يتضح هذا فى الفصل الأول والثانى والثالث؛ فمثلا فى الفصل الثانى تأتى "نعمة" بزيارة عشيقها "نجيب"، وتفاجأ بـ"ليلى" هناك، وكان "هاشم" قد دعاها إلى الدخول عند "نجيب" لتتفاوض معه فهو لا يدفع الإيجار.

ومما سبق نستطيع القول أيضا أن الشخصيات الرئيسية فى هذه المسرحية شخصيات نمطية، على الرغم من أن المسرحية ليست مسرحية شخصيات، بقدر ما هى مسرحية مشكلة.
فـ"نعمة" نموذج للمرأه المتحررة المتزوجة، و"ليلى" نموذج للمرأة المتحررة التى لم تتزوج بعد، و"سامى" و"محمود" بك و"نجيب" نماذج للرجل المصرى فى عشرينات هذا القرن، وكلها شخصيات واضحة المعالم، بسيطة فى تناولها الفنى، بل ربما كانت شخصيات "محمود تيمور"، خاصة فى "الهاوية"، أكثر منها تحديدا وعمقا.

إن مشكلة المرأة، والمتمثلة فى بحثها عن الحرية، كقضية جديدة، عالجها "توفيق الحكيم" نجدها تتجسد مرة أخرى فى مسرح "إبراهيم رمزى" (1884- 1949) من خلال مسرحيته "صرخة طفل"، وهذه المسرحية وغيرها يمكن أن نسميها بأنها ميلودرامات عائلية، حيث تتوفر لكل شخصية عائلتها، ولكل غرفة ريشها الثمين ونوع من الجو الخانق، ثم أن هناك سرا دفينا كامنا فى صوان منزو تحاول الأحداث كشفه.

فى هذه المسرحية يتناول المؤلف - كما سبق وقلت- مشكلة الحرية، حرية المرأة الحديثة، من خلال ثلاث أسر هى:-
أسرة "على بك" المحامى وزوجته "زهيرة"؛ ثم أسرة "خليل بك الطيب" إبن عم "على بك" وأخته التى لا تظهر على المسرح؛ والأسرة الثالثة تضم "عطية" أخت "زهيرة" و"بشير أغا" الذى ربًاها وعلًمَها فى سَرَاى "قسطلى باشا" فأصبح الأب للفتاتين "عطية" و"زهيرة"، وهما إبنتان بالتبنى للست الكبيرة إمرأة "قسطلى باشا".

إن مسرح الأحداث هو فيلا "على بك" فى "مصر الجديدة"، يحرص المؤلف على أن يسجل كل جزيئاته فى بداية المسرحية. والزوجة "زهيرة" فيها الكثير من بصمات المرأة فى مسرح "إبسن"، فهى تواقه للحرية، متمردة على ما هى فيه، فلا يروق لها إنشغال زوجها عنها بأعماله فتنصرف إلى عشق "خليل". و"خليل هذا متردد بين عشقه لـ"زهيرة" وحبه لـ"عطية" التى يرغب فى الزواج منها ولكنه يتردد هنا أيضا بسبب ما يراه من أحوال المرأة العصرية مما يجعله متخوفا من أمر الزواج، وبسبب عدم توافر المال اللازم للزواج أيضا.

وسر العشق يعرفه "بشير أغا"، وعلى الرغم من أنه يهدد بإستعمال سلاحه إلا أن الزوجه "زهيرة" تبدو فى الغالب وكأنها غير مكترثة لإفشاء السر وكشفه، ولكن لأن حامل السر هنا شخصية فاضلة نجدها تحتفظ بالسر حتى النهاية وتستغله فقط فى الخير، فيتزوج "خليل بك" من "عطية" رغم وقوف "زهيرة" فى وجه هذا الزواج وتصبح أمام "زهيرة" فرصة للتغير.

وتتميز هذه المسرحية بأن الحبكة تتحرك بسرعة لولا رتابة الحوار التعليمى، كالحوار الذى دار- مثلا بين "على" و"خليل" فى الفصل الثانى عند الزواج والمرأة العصرية ومفهوم الحرية؛ ويحرك هذه الحبكة السر الكبير الذى يعلم به الجميع ماعدا الزوج، أما المفاجأة فهى مفاجأة غير متوقعة، إذ تنتهى أحداث المسرحية، فيظل السر معلقا بالنسبة للزوج.
وقد نجح المؤلف فى أن يوفر لمسرحيته الإثارة والدهشة عندما علق السر على هذا النحو. أما الشخصيات فهى صورة صادقة للشخصية الميلودرامية البسيطة الواضحة التى تصور واقع الحياة الإجتماعية العائلية التى تكشف فى تحركها باستمرار عن أحداث وشيكة الوقوع.

( جـ ) "أنطون يزبك" ومسرحيته "الذبائح" - ميلودراما ناضجة.

كتب الأستاذ "أنطون يزبك" مسرحية "الذبائح" 1925، وقدمتها "فرقة رمسيس" فى أكتوبر عام 1925 على يد الأستاذ "يوسف وهبى" الذى جعل النقاد يحكمون عليها بأنها من أعظم الأعمال الناجحة فى هذه الفترة.
والمسرحية تعد نموذج للفن الميلودرامى العنيف، حيث تعالج المشاكل الإجتماعية المثيرة التى تنجم عن الزواج بالأجنبيات، فاللواء "همام باشا" يتزوج بفتاه مصرية كريمة من إحدى الأسر الطيبة بالمنصورة وهى "أمنية" بنت التاجر "مصطفى الصياد"، ولكنه لا يكاد يمضى على زواجه بها عاما حتى يتعرف على فتاه أجنبية إسمها "نورسكا" فيتزوجها ويطلق "أمنية" التى تعود حزينة مكسورة النفس إلى بيت أهلها بالمنصورة، ويخسر أبوها تجارة القطن، على نحو ما حدث لكثيرا من التجار عندئذ، وتتدهور حالة الأسرة تدهورا شديدا، مما يضطر "أمنية" إلى أن تعمل ممرضة لكى تكسب قوتها.
ويتزوج الباشا من "نورسكا"، إلا أن السعادة التى كان ينتظرها سرعان ما تفلت من يديه بعد سنة من الزواج، وتعود "نورسكا" إلى طبيعتها وتطالب بحريتها وتثور على هذه الزيجة رغم أنها أنجبت غلاما أصبح شابا فى الثامنة عشر من عمره. ويمرض الباشا ويرقد فى سريره وتقوم على تمريضه فتاة إسمها "حفيظة" يعرف الباشا بعد حديث معها أنها زوجته "أمنية"، وبعد ذلك يعود الباشا إليها ويؤسس لها سكنا جديدا ويأخذ معه إبنه "عثمان" وإبنة أخته اليتيمة "ليلى" وتكتشف "نورسكا" ما حدث وتطلب الطلاق، ومن هنا تبدأ الفواجع، فالإبن "عثمان" يحب "ليلى" إلا أن الباشا وأخوه رأيا أن وجود "ليلى" معه أمر لا يصح، لذا قررا رحيلها إلى خالتها فى طنطا.
إن قرار رحيل "ليلى" أتى بكارسة على "عثمان"، إذ لم يطيق الحياة وقرر الإنتحار مما سبب الحزن، وكان موته فاجعة لنا ولكل من قرأ أو شاهد هذا العمل، ثم يلى ذلك سرقة "نورسكا" لوثائق هامة من مكتب "همام" باشا وتنشرها فى الإسكندرية فى صحيفة باللغة الإنجليزية مما يسبب الإحراج والضرر لـ"همام" باشا مما يجعله يصر على الإنتحار، إلا أن "نورسكا" تسبقه وتطلق عليه الرصاص.

هذه هى فاجعة "الذبائح" التى تنتقد عيبا إجتماعيا فى صورة درامية عنيفة قوية البناء محكمة التأليف بدلا من كوميديا العرض المهملة التى عرفناها فى مسرحية "مصر الجديدة ومصر القديمة" لـ"فرح أنطون".

إستغنى المؤلف فى هذا العمل عن العيوب الخارجية فى البطل الميلودرامى، إدمان الكوكايين أو الجرى وراء النساء أو إتلاف الميراث، ويروح يفتش عن سبب آخر أقوى وأعمق ويلتمس فيه سقوط البطل، فالحمق مرض خلقى مصاب به اللواء "همام" باشا، يدفعه إلى أن يلقى حتفه كما عرفنا من قبل، من ناحية أخرى فإن لهذه المسرحية الميلودرامية عدة مزايا هى:-
أنها تقتفى أثر "إبسن" فى بنائها وبناء بعض شخصياتها وأفكارها وخاصة فى مسرحية "الأشباح"، فإن "نورسكا" تشبه "ميس ألفنج" فى خلقها النارى ومثاليتها التى لاتلين، و"عثمان" يقرب من "اوسوالر" إبن "ميس ألفنج"، فى عزوبته ورقته واستسلامه للمصير. هناك كذلك الإستعانة بسمات فوق الواقعية، يضعها المؤلف على بعض شخصياته، لتعميق معناها وأثرها.
من ناحية أخرى يستخدم المؤلف الرمز فى الحوار ليؤكد معنى من المعانى التى يحرص عليها المؤلف، كما نرى فى الحوار الذى يتم بين "ليلى" و"عثمان" فى أوائل الفصل الثالث قبل الإنتحار وهو حديث ينم عن الضيق وسيطرة الهم والكرب على أهل البيت كما كان يحدث فى مسرحية "آل روزمر" لـ"إبسن" عندما يبكى الأطفال ولا يضحكون.

من كل هذا نقول أن هذا العمل يبتعد عن الميلودراما الفرنسية بسماتها المعروفة ليجعله عملا يخفف فيه المؤلف من بعض العناصر الميلودرامية؛ ويدفع كل هذا النقاد إلى وصفها بأنها ميلودراما مصرية قوية ناضجة، بها حوار نابض متعدد الطبقات، حوار درامى يحمل المعنى والحركة معا، ويرقى باللغة المسرحية إلى مستوى اللغة الفنية القادرة، بها فكر واضح، وموقف إجتماعى محدد تعبر عنه شخصيات مرسومة بعناية تعبيرا يلتقط جوهر الدراما من أخذ وعطاء.

وقبل أن أختم الحديث عن الميلودراما الإجتماعية أود أن أشير إلى أحد كتاب هذه الفترة- إبراهيم رمزى- الذى كتب عدد من المسرحيات، أهمها: "صلاح الدين ومملكة أورشاليم"، "المعتمد بن عياد" و"ضرخة طفل" وهى المسرحية التى تعتبر من الميلودرامات الإجتماعية المتأثرة هى الأخرى بـ"إبسن"، حيث نجد شخصية "زهيرة" شخصية توافرت فيها كمية لا بأس بها من الحيرة والقلق وعدم الإستقرار كما أنها طوال العمل تكافح فى سبيل التحرر من قيم إجتماعية تراها زائفة، وهى سمات نراها بوضوح أكثر فى شخصية المرأة عند "إبسن".

ومما سبق نستطيع القول أن البناء الميلودرامى قد أثر بصورة كبيرة على الحياة المسرحية فى مصر حتى قرب نهاية النصف الأول من القرن العشرين، فوجدنا تأثير الميلودراما يتجاوز المسرحية الإجتماعية، وهى المسرحية الأكثر إلتصاقا بالبناء الميلودرامى، وإمتدت لتبسط نفوذها على المسرحيات التاريخية والسياسية كما نرى فى مسرح "على أحمد باكثير" و"محمود تيمور".
بل أن تأثير الميلودراما إستمر بعد ذلك مع نضوج الدراما الإجتماعية فى مسرح الستينات كما فى مسرح "فتحى رضوان" "شقة للإيجار"، "ميخائيل رومان" من خلال أعماله الأولى "الدخان".


( 3) بين الميلودراما والدراما الإجتماعيـــــة
والوصول إلى الدراما الواقعية

أود فى البداية أن أوضح أن الميلودراما أخذت تتحرك نحو الدراما الواقعية قليلا عند عدد من كتابها وخاصة "توفيق الحكيم" فى مسرحه الإجتماعى، و"إبراهيم رمزى" و"على أحمد باكثير"، وإن لم تظهر ملامح من الدراما الواقعية لغلبت عناصر الميلودراما على مسرح هؤلاء الكتاب، غير أننا سنلاحظ فى مسرح "محمود تيمور" و"فتحى رضوان" و"ميخائيل رومان" تقدما واضحا حيث جاءت أعمالهم المسرحية خليطا من الميلودراما والدراما الواقعية فى مسرح إهتم بالقضايا الإجتماعية والسياسية.

(ا ) كتب "باكثير" عددا من المسرحيات التاريخية والسياسية والإجتماعية وتنتمى فى بنائها الفنى إلى البناء الميلودرامى، وأهم هذه المسرحيات مسرحية "شيلوك الجديد- مسمار جحا" 1951 – الدكتور حازم- إمبراطورية فى المزاد 1957- الدنيا فوضى- قطط وفيران 1962جلفدان هانم 1963- حبل الفيل 1965.

وفى مسرحية "مسمار حجا" يستخدم المؤلف عددا من الأسماء التاريخية المستعارة ويصبها فى مضمون ورؤية عصرية. وهذه المسرحية ذات معبر سياسى تتناول قصة الإستعمار البريطانى لمصر وفساد الحكم داخل البلاد، وإن كان المؤلف يحاول الهروب من بطش السلطة فيدعى أنها مجرد أحداث تاريخية أبطالها من التاريخ هم "حجا" الإمام والواعظ و"أبو صفوان" الفقيه والوالى وعدد آخر من الشخصيات الثانوية.
تناول المؤلف من خلال هذا العمل قضيته الأولى: حرية الرأى وموقف الرجل من الكلمة، وهى قضية فكرية، والثانية فى منزل "حجا" حيث تشكو زوجته "أم الغصن" من سوء حالهم وإنعكاسه بالتالى على فشلها فى تزويج إبنتهما "ميمونة" زيجة مشرفة، وهى قضية إجتماعية.

وقد نجح "باكثير" فى الوصل بين هذه القضايا عن طريق القضية الشعبية المعروفة، وكان بطلها "حماد" إبن أخيه الفلاح الذى يود أن يزوجه من إبنته والأم ترفض لأنها لا تحبه، وينجح "حماد" فى بيع دار "الغانم" وترك فيها مسمارا له مكانَة خاصة عنده وطلب من "غانم" عندما باعه الدار أن يتركه يتردد عليها لزيارة المسمار.
جمع "باكثير" فى مسرحيته بين البناء الفنى لمسرحية المواقف وبين مسرحية الدور الجماعى، ومع هذا فقد خرجت شخصياته شخصيات ميلودرامية نمطية، فالأسود أسود فقط والأبيض أبيض. باستثناء شخصيات "حجا" و"أم الغصن" و"حماد"، نرى سائر الشخصيات سطحية عابرة كما هو الحال فى المسرحية الميلودرامية. هذا إلى جانب خصائص الميلودراما الأخرى مثل مواقف الإثارة والمفاجآت، كشخصية المهرج والمناقشات والمجادلات الخطابية.

ويسيطر على أعماله المسرحية سمة هامة، تتمثل فى التناقض الواضح الصريح الذى يقوم بين أفراد وشخصيات مسرحياته وبين البيئة التى يعيشون فيها، فكلهم يسعون ويكافحون فى سبيل التحرر من القيم الإجتماعية والنظم السياسية الزائفة، وهى سمات كثيرا ما نجدها فى مسرح الميلودراما الذى يتبنى القضايا السياسية، بما فى المسرحية من دعايا ترتبط بالعظات والمناقشات.

(ب ) أما عن مسرح "محمود تيمور" فقد زخر مسرحه بالعديد من الأعمال المسرحية وهى : "الخطيئة"/ "اليقظة"/ "حواء الخالدة"/ "الموكب"/ "المزيفون"/ "المخبأ رقم 13"/ " كذب فى كذب"/ "اليوم خمر".

تعد مسرحية "المزيفون" 1951 من أنضج أعماله المسرحية وهى تقع بين الميلودراما والدراما الواقعية. تعتبر هذه المسرحية من نوع مسرحية القضايا، حيث يناقش المؤلف من خلالها فساد الحياة السياسية فى مصر قبل الثورة، وإنعكاس هذا الفساد على الحياة الإجتماعية.
وهذه المسرحية كما قلت تتضمن موضوعا وقضية جادة للمناقشة، حاول المؤلف أن يوفر لها جوا من المؤثرات الميلودرامية لإحداث مزيدا من التأثير.
أما عن شخصيات هذه المسرحية فهى شخصيات قد يبدو على بعضها صفات الجديًة، مثل شخصية "كامل باشا" رئيس الحزب، و"عفيقى بك" سكرتير الحزب، إلا أنها فى النهاية شخصيات مجردة من الإحترام، تتشابه إلى حد كبير مع شخصيات "تشيكوف"، وكثيرا ما تشعر الشخصية بهذا، كما ورد هذا فى أجزاء مختلفة من المسرحية صفحات 137، 157 وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أنها شخصيات تدرك وتعى حقيقتها إلا أنها أحيانا تنسى وتوجه النصح إلى غيرها.

والمسرحية بإختصار تدور حول حزب سياسى أعطاه الشعب كل ثقته لما إتصف به زعيمه وسكرتير حزبه وأعضاءه من نزاهة وإستقامة، وعندما يحصل على أغلبية الأصوات فى البرلمان ويشكل الوزارة الجديدة تكشف الحياة السياسية من خلاله عن العفن المتمثل فى الفساد والرشوة وإنعدام المبادئ، وإن أكد هذا شئ إنما يؤكد هذا إنهم هم المزيفون وهذا هو عالمهم الذى كان عليه أن يقود سياسة مجتمع وأن ينظم علاقاته.

ورغم أن موضوع المسرحية يدخل ضمن إهتمامات الدراما الواقعية، إلا أن المؤلف أحاط مسرحيته بجو من الميلودراما من خلال طبيعة الشخصيات والمواقف الميلودرامية المثيرة والمفتعلة، مما يجعل المسرحية تنتهى نهاية ميلودرامية مثيرة، بعد أن يعترف "عفيفى بك" بخطأه وخاصة تجاه زوجته، ويقدم "كامل باشا" إستقالة وزارته، وتعود الحياة الأسرية بينه وبين زوجته هو الآخر.

( ج ) أما عن مسرح "فتحى رضوان" فهو يقع فى مرحلة يمكن أن نسميها بمرحلة ما بين الميلودراما الإجتماعية وبين الدراما الواقعية، أما عن أعماله المسرحية فقد كتب عددا كبيرا من المسرحيات منها "مومس تؤلف كتابا"، "موعظة آخر الليل"، "شقة للإيجار"، "المحلل"، "إله رغم أنفه".

تميز مسرحه بأنه مسرح قضية، حيث تقدم مسرحياته موضوعا للمناقشة من خلال شخصيات عشقت تعذيب نفسها فى جو حافل بالمفاجآت والأسرار وشخصيات درامية لم تستطع التخلص من طبيعة التكوين الميلودرامى للشخصية التى تقدم جاهزة منذ البداية بطبيعتها الخيرة أو الشريرة والتى قد تتحول أمام مواقف مصطنعة إلى النقيض. ولذا يستعين المؤلف بالمؤثرات الميلودرامية لإحداث مزيد من التأثير لموضوعه الذى يطرحه للمناقشة.

ومن خلال مسرحيته "شقة للإيجار" 1959 يتحرك موضوع المناقشة من خلال شخصيتين هما: "عزت" و"إعتدال". "عزت" الذى حولته الصدفة إلى بطل رغم أنفه، فتحول عن حياة اللهو والعبث والفراغ إلى بطل شجاع لديه شجاعة هائلة، تسخر من المخاطر ولا تعترف بالعقبات. وكذلك "إعتدال" التى تحولت فى المقابل بالصدفة من حياة أخلاقية سافلة إلى حياة شريفة.

تتناول شقة للإيجار موضوعين محورهما "عزت":-
( ا) الموضوع الأول:-
إنسانى له ظلاله الإجتماعية، ويتناول موقف الرجل فى الطبقة المتوسطة من المر أة المنحرفة. وهو موضوع ميلودرامى من الدرجة الأولى.
( ب) الموضوع الثانى:-
فهو علاقة الطبقة المتوسطة، كما يمثلها "عزت" بالسياسة وبالتالى بالنظام الإجتماعى القائم. وهو موضوع أقرب إلى إهتمامات الدراما الواقعية.

وتتناول المسرحية موضوع البطولة والقدرة على إكتشاف الذات، فقد أفاق "عزت" على حقيقة ما هو فيه بعد أن هاجم البوليس شقته التى إستأجرها للهو والعبث بين الخمر والنساء، وقبض البوليس عليه بعد أن عثر فى الشقة على منشورات معادية للنظام وماكينة تطبع المنشورات.
وتحدث الصدفة بعد أن يستمع إلى المنشور الذى يقرأه الضابط فيجد فيه "عزت" كلاما جديدا عن أنصاف الحلول التى لا تنفع والبناء المتداعى والعمل الأصيل والثورة والعلاج والأمل. حينذاك يستيقظ الوعى السياسى فى داخله وقد كان الوعى الإجتماعى قد إستيقظ من قبل حين حكت له "إعتدال" عن ظروفها الإجتماعية والظروف الأسرية لتربية إخوتها التى دفعتها إلى أن تسلك هذا المسلك.
يحاول "عزت" بعد خروجه من السجن أن يمارس حياته بطريقة إيجابية، إلا أنه يفشل ويتمنى أن يعود إلى أيام طفولته حيث لا توجد مسؤلية. وهذه هى نهايته المتفقة مع تركيبته الرومانسية، ومن شخصيته الشديدة الحساسية.

وعلى هذا نستطيع القول أن المؤلف حاول أن يقدم الدراما الواقعية من خلال عناصر وتقاليد ميلودرامية، فكانت النتيجة مأساة رومانسية فى ثورة لم يحقق فيها أحد من أبطالها شيئا، فقد فشل الجميع فى تحقيق النجاح، فـ"عزت" يندمج فى العمل هاربا من واقعه، و"إعتدال" تعمل بالتمريض، إلا أنها لا تنسى أنها كانت مومس وتظل تعاقب نفسها بهذه الذكرى، و"ممدوح" الثائر يفشل فى تحقيق رغبته بالزواج من "إعتدال"، وهكذا باقى الشخصيات.

وعلى ذلك نستطيع القول:-
1ـ إن "عزت" الذى يشعر بأنه لا يصدق لدور البطولة الذى إختارته له الأحداث.. يحس بالثورة، ولكنه يحس كذلك بأنه عاجز عن أن يكون قائدا لهذه الثورة.
2- إن مسرحية "شقة للإيجار" ليست ميلودراما خالصة، وإنما هى من النوع الذى نسميه "دراما" أو "دراما برجوازية"، وهو لون من التأليف المسرحى يعالج المشاكل الإجتماعية علاجا زاعقا رنانا، ويستعين بالميلودراما والكوميديا معا على نحو ما نجد بالفعل فى مسرحية "شقة للإيجار".
3- إن إستخدام المؤلف للكوميديا يثير بعض المشاكل الفنية من ناحيتى البناء والمضمون معا:-
أ. ذلك أن الفصل الأول بأكمله مكتوب فى لون الكوميديا الإنتقادية، مكتوب ببراعة كبيرة وخفة ظل ودراية بأحوال الناس تجعل قراءته أو مشاهدته متعة واضحة.
إن هذا الأمر يكاد يجعل هذا الفصل مسرحية واحدة فى فصل واحد مستقلة تماما تقريبا عن جسم المسرحية، بحيث يسهل حذفه وتمثيله بمفرده على أنه وحدة فنية قائمة بذاتها.
ب. وفى الفصل الرابع يخصص الكاتب مساحة مفرطة الطول لكشف أحوال الجمعية الخيرية التى رأسها "عزت"، والإفصاح وفضح إنتهازية أعضائها جميعا.
وقد كان فى الإمكان أن يعبر الكاتب عن هذا كله فى مشهد قصير أو مشهدين ثم يدع تيار الأحداث الأصلية فى المسرحية يمضى خاليا من الغم والحزن والكدر. كان فى إمكانه أن يفعل هذا بسهولة لولا أن موهبته للنقد الإجتماعى الكوميدى تلح عليه دائما وتغلبه على أمره فى أحيان غير قليلة.
ج. ومن ناحية المضمون يَحُول هذا الكم الكبير من الإنتقاد الكوميدى بين الكاتب وبين التركيز على موضوعه الرئيسى والنظر العميق فى داخل البطلين: "عزت" و"إعتدال". ومن ثم يعوض الكاتب نفسه عن هذا النظر العميق بإستخدام أساليب التصوير من الخارج، مثل الميلودراما والخطابة والكاريكاتير.
على أن هذا كله لا يحول دون إعتبار هذه المسرحية واحدة من أكثر مسرحياتنا إحساسا بمشكلة هذا الوطن الكبرى: حاجته إلى تطور جذرى شامل، يقتلع الفساد من أساسه ويضنع مكانه أساسا لبناء جديد.

(د) أما عن مسرح "ميخائل رومان":-
يعد مسرح "ميخائيل رومان" النموذج الرابع للمسرح المصرى الذى يمثل مرحلة التلاقى والإلتقاء للمسرحية المصرية الحديثة فيما بين مرحلتى الميلودراما والدراما الواقعية، فقد إستخدم "ميخائيل رومان" روح الميلودراما وبعض أساليبها حتى يتمكن من سد الثغرات فى بناء مسرحه الذى لم يستطع أن يحكم بناءه بعد.

كتب "ميخائيل رومان" عددا من المسرحيات فى بداية حياته الفنية، منها "الدخان" 1962، "الحصار" 1963، "عزيزى رجب" 1965، "الليلة نضحك" 1966.

إذا ما تعرضنا لمسرحية "الدخان" نجد أنها تشتمل على كثير من التقاليد الميلودرامية، فنرى الإثارة، والشخصيات النمطية ذات اللون الواحد، والتحول الفجائى فى الشخصية، والعالم الذى لا يخلو من المفاجآت والأسرار.

وعن "حمدى" بطل هذه المسرحية فهو نموذج للثائر الرومانسى مثلما هو الحال مع "عزت" بطل مسرحية "شقة للإيجار" لـ"فتحى رضوان" فى حيرته وتردده وعجزه، وكلاهما يطارده الماضى الذى يمثل عبئا ثقيلا على اللحظة الحاضرة وبالتالى على المستقبل، وإن كان المؤلف حاول أن يضفى مسحة تعبيرية على شخصيته فأطل على مكونات الشخصية فى الماضى من خلال علاقته بأمه وعلاقته بأبيه وعلاقته بأخته، ومن خلال علاقته بواقعه الإجتماعى الفقير فى طفولته وفى صباه.

والمسرحية تقدم ببساطة قصة الشاب "حمدى" الذى حصل على دبلوم التجارة المتوسطة، ولم يكتفى بذلك بل واصل حتى حصل على ليسانس الآداب من قسم الفلسفة، إلا أن هذا التطور فى شخصيته وفى وضعه الأدبى لم يجعله يغير مكان عمله، إذ يستمر يعمل على الآلة الكاتبة. وعن حياته الأسرية، فهو شاب يعيش مع أمه وشقيقتيه وشقيق أصغر، وخطب لنفسه فتاة تعمل بالتدريس، كما أن إحدى شقيقاته مخطوبة لزميل له فى الشركة.
ويحدث التحول المفاجئ فى شخصيته إذ يدمن شرب المخدرات ويتحول إلى شخصية شريرة ويختلس ويزور توقيع أخته ليستولى على مائة جنيه.
على أننا نتعرف على موقف آخر يحدث فيه التحول لـ"حمدى" مرة أخرى، حيث يحتك بتاجر المخدرات "رمضان" ويود أن يزوجه من تاجرة مخدرات، إلا أنه يرفض ويلعب "رمضان" هنا دور الشرير فى المسرحية، بما لشخصيته من ملامح القسوة، وممارسته الرذيلة فى صور متعددة، ويحاول إغواء "حمدى" بسرقة أمه، ويحاول أن يقنعه بزواج شكلى من تاجرة مخدرات ليعمل معهم مرة أخرى.

وختاما لهذا الفصل الذى يتحدث عن الميلودراما فى المسرح المصرى أود أن أقول أن هذه هى البدايات الأولى للمسرحية الفنية فى الأدب المصرى الحديث، حيث بدأت الميلودراما شعبية إجتماعية كما فى مسرح "إسماعيل عاصم" و"فرح أنطون"، ثم خلصت إلى الميلودراما الإجتماعية عند "عباس علام" و"يوسف وهبى". وقد تطورت الميلودراما فى الأدب المسرحى المصرى فى أعمال طمحمد تيمور" وفى المسرح الإجتماعى عند "توفيق الحكيم" وفى أعمال "إبراهيم رمزى" و"على أحمد باكثير" فى "المسرحية المحكمة الصنع"، حيث توافرت لها خصائصها المميزة والتى تمثلت فى لون مسرحى حافل بالتفاؤل والعظات والأخلاقيات، قام على تبنى القضايا الإجتماعية والسياسية من خلال عرض موضوع للمناقشة فى مزيج من الأسى والفكاهة وفى جو وفر له الكاتب عددا من عناصر الفزع الميلودرامى الذى يجمع بين الأسى والضحك والإثارة، فرأينا البطل الشجاع الذى لا يعترف بالعقبات ورأينا الحب وقدرته على دفع الناس إلى الأعمال النبيلة، والشرير الذى يملك سرا يفشيه فى موقف مفاجئ مثير، كما رأينا عددا لا بأس به من الخدع الميلودرامية المثيرة للدهشة مثل الإختفاء الغامض والوصية والأسرار وإختباء الزوجة فى غرفة نوم العشيق ونسيانها شيئا معه، والمواقف القائمة على سوء الفهم.
وقد رأينا كيف أن هذه المسرحيات الميلودرامية قد أقامت عالما من الشخصيات النمطية، وهى شخصيات محدودة المعالم لا تتطلب عمقا كبيرا وتتوزع بين الشخصيات الميلودرامية الأساسية وهى شخصيات البطل والبطلة والشرير والمهرج.
كما استخدمت هذه المسرحيات الميلودرامية لغة ذات نزعة تمثيلية واضحة، تسيطر من خلالها الخطابية المثيرة والتى لا تخلو أحيانا من شاعرية مباشرة.

على أن ما حدث بالمجتمع من تغير وتطور دفع بالميلودراما إلى أن تطور نفسها فكان من الطبيعى أن تتحقق الدراما الواقعية الأقرب إلى الميلودراما، ومن الطبيعى أيضا أن تكون البدايات الأولى مزيجا من الميلودراما والدراما الوقعية، وهذا ما يتحقق فى مسرح "محمود تيمور" و"فتحى رضوان" و"ميخائيل رومان". وهو مسرح حاول أن يقدم رؤية الدراما الواقعية من خلال تناوله للمشاكل السياسية وإنعكاسها على الواقع الإجتماعى ولكنه لم يستطع التخلص كليا من تقاليد الميلودراما التى تقدمت لتضفى مزيدا من التأثير على الموضوع الجاد أحيانا أو تسد الضعف فى البناء الفنى أحيانا أخرى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مسرح الميلودراما في مصر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: