دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 المسرح في سوريا (سلسلة دراسات مسرحية عربية) (3)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر



عدد المساهمات: 65
تاريخ التسجيل: 06/03/2011
العمر: 55
الموقع: الإسكندرية

مُساهمةموضوع: المسرح في سوريا (سلسلة دراسات مسرحية عربية) (3)   الأحد سبتمبر 11, 2011 10:29 am

المسرح في سورية(سلسلة دراسات مسرحيةعربية (3)
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب- جامعة الإسكندرية

إذا أردنا أن نتحدث عن المسرح في سورية فلابد وأن ندرك حقيقة مؤكدة فحواها أن سورية ولبنان هما دولتان من حيث التقسيم الجغرافي بالمعنى الحديث، ولكن عندما نشأ المسرح العربي الحديث في منتصف القرن التاسع عشر- على يد رواده الثلاثة- لم تكن هناك دولة اسمها سورية وأخرى اسمها لبنان، بل كان القطران يطلق عليهما معا اسم "بلاد الشام" داخل الإمبراطورية العثمانية، وما كان يعرف في لبنان سرعان ما يصل إلى سورية والعكس.

عندما نتحدث عن المسرح في سورية فلابد وأن نسرع ذاكرين "أحمد أبو خليل القباني" وفضله على المسرح العربي عامة، وقد قيل عنه أنه التقط أصول هذا الفن منذ مشاهدته لمسرحيات مثلتها فرقة فرنسية في دمشق، كما قيل أنه تعلم أصول المسرح من اللبنانيين الذين شاهدهم يمثلون في بيروت أو في دمشق... ونشاط "القباني" في دمشق يتعدى الثماني سنوات فقد بدأ نشاطه منذ عام 1878 يستمر إلى سنة 1884 وهي السنة التي رحل فيها إلى مصر ليواصل نشاطه المسرحي.

وإسهامات "القباني" في المسرح العربي عامة والمسرح المصري والسوري خاصة كبيرة، فهو يعد بمثابة العمود الفقري الذي يؤلف ويلحن ويخرج ويشترك في التمثيل والغناء.
ولا ننسى للقباني أنه ساهم إلى جانب ذلك بالمبنى المعماري في دمشق، حيث خصص مسرحا فسيحا استطاع أن يعرض من فوقه المشاهد الكبيرة وبنى صالة متدرجة، وهو إذا كان يسعى إلى إحداث التقارب بينه وبين أبناء الشعب نجده يقرب التأليف المسرحي من أدب اللغة الفصحى من جهة وأن يقربه من الشعب من جهة أخرى عن طريق موضوعات مستمدة من القصص الشعبية لتحضر كل الطبقات.

وإن كان "القباني" قد اضطر إلى استخدام الغلمان أثناء عمله في دمشق في أدوار النساء، فإنه لم يستخدم النساء والفتيات في مسرحه إلا بعد هجرته إلى مصر سنة 1884، ولا بد أن نذكر ولا ننسى ما عاناه "القباني" أيضا من المعارضين لفنه المسرحي إذ نجده يقابل بالرفض من قبل الطوائف المحافظة في سورية فأخذوا يهاجمون "القباني" وفنه هجوما عنيفا بل واستعدوا عليه السلطات، حتى قيل أن أحد المشايخ، واسمه "سعيد الغبراء" شد رحاله إلى الأستانة، حيث استطاع أن يصل بعد صلاة الجمعة إلى الخليفة "عبد الحميد الثاني" ويستجديه باسم الخليفة والدين والفضيلة على "القباني"، ونجح في سعيه، فأمر الخليفة واليه في الشام "حمدي باشا" بأن يمنع القباني من التمثيل وأن يغلق مسرحه.

على أننا لا نستطيع أن ننكر فضل السوريين على فن المسرح بشكل عام وعلى فن الأوبرا والأوبريت وازدهار المسرح الغنائي بشكل خاص. ولم تقتصر مساهمة السوريين من خلال "القباني" على هذا وحسب بل أنهم يعدوا روادا في إنشاء الفرق والمسارح، بل ساهمت في ترجمة وتعريب وتحضير الكثير من المسرحيات الغربية، قبل وأثناء وبعد مساهمة المصريين في تلك الحركة، كما ساهموا في تأليف العديد من المسرحيات. ومن هنا لا يمكننا أن ننكر على إخواننا في الشام (سورية ولبنان) فضل الريادة في هذا الفن الجديد الذي يتطلب من أصحابه شجاعة بالغة يواجهون بها تلك العقلية الرجعية المتخلفة التي كانت سائدة عندئذ.

وإذا قلنا أن هذه الريادة استمرت فإنه سرعان ما نجد أن سورية تتخلف عن ركب الريادة مع نهايات القرن التاسع عشر وصولا إلى القرن العشرين ولم تظهر فيهما الفرق المسرحية إلا في الثلاثينيات، فكانت هناك فرقة "حسن حمدان" وفرقة "محمد علي عبده"، وحتى هاتان الفرقتان كانتا تقلدان المسارح الموسقية المصرية لمسرح "نجيب الريحاني" و"علي الكسار" ولم يستطع المسرح في سورية أن يدخل نطاق الاحتراف لفترة طويلة امتدت حتى نيل الاستقلال. كما أن فرقة "عبد اللطيف فتحي" التي تأسست في "دمشق" عام 1945، والتي اشتهرت بعروضها باللغة العامية بدلا من الفصيحة، ولم تصل إلى نتائج فنية هامة.

وقبل أن أستمر متتبعا أحوال المسرح السوري المعاصر، أرى أنه من الواجب ألا ننسى الممثل والمخرج والكتاب المسرحي السوري "نجيب الريحاني" (1891- 1949) الذي جمع إمكانيات الفرجة الشعبية وأدخلها في إطار الفن المسرحي المحترف، ليشكل صيغة جيدة من الفن الشعبي والإنساني العام. والحديث عن "نجيب الريحاني" له جوانبه المتعددة، فقد مثل في فرقة حجازي عام 1914، وفرقة "عزيز عيد" عام 1915، وسافر إلى فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى ومثل في الكباريهات أدوارا ثانوية إلى جانب ممثلين عالميين أمثال "سارة برنارد كوكلين"، ثم شكل فرقته الخاصة في مصر عام 1919 وللحديث عن "نجيب الريحاني" أوجز المراحل التي مر بها:
1- في المراحل الأولى التزم بطريقة التمثيل الفرنسية بالربوتوار الفرنسي.
2- اتجه إلى كوميديا "كشكش بك" جمع بين أساليب المسرح الشعبي مع الهجائية اللاذعة للأخلاق في مصر الحديثة.
3- من أهم مسرحياته "آه من الستات" وتدور حول موضوع الزوجات الأجنبيات، ومسرحية "الليالي الرائعة" مأخوذة من "ألف ليلة وليلة" حول موضوع مغامرات شابين فقيرين يستعرضان ألعاب الخفة ليسرقان لب بنتي السلطان. ومسرحية "حلاق بغداد" ومسرحية "ياسمين" ومسرحية "حمار وحلاوة".
4- شارك في الاحتفال بحرب الأنصار التي جرت عام 1951- 1952 بين المصريين والإنجليز، وذلك من أجل رفع الروح المعنوية للمقاتلين.

كان هذا هو بداية مشوار المسرح في سورية محاولين أن نترسم أهم ملامح هذا الطريق بدءا بالأقدمين الذين ساهموا داخل سورية وخارجها إلى أن نصل إلى فترة قيام الثورة وتحرير سورية واستقلالها. هنا نبدأ مرحلة جديدة حيث تقرر الدولة 1959 أن تدخل ميدان المسرح، مدعمة وممولة ومساندة من كل سبيل.
على أننا لابد وأن نعي- كما سبق وذكرنا- أن جهود القائمين على الحركة المسرحية في سورية كانت أكثر من تسعين عاما إلى أن وصلنا إلى عام 1959 حيث جاءت لحظة استحضار الهمم وتجميع كل المهتمين بالمسرح وإنشاء الفرقة القومية "المسرح القومي" فترة عديمة الفائدة، وذلك أن قيام النهضة المسرحية التي أعقبت إنشاء المسرح القومي السوري ما كانت لتأتي لولا جهود الفنانين الجادين الذين كانوا يعلمون في إطار النوادي والمدارس، والذين ساهموا في أن يصبح المسرح السوري مسرح جاد، هذا إلى جانب العروض التجارية، والتي كانت دون شك سببا في تأخر المسرح هناك.
ولا شك أن المسرح التجاري حسبما ذكر من قبل على يد "عدنان بن ذريل" وغيره أنه تمثل في فن القراقوز في المقاهي ورقص السماح وهي فنون يرى فيها المهتمون أنها كانت سببا في توسيع الهوة بين ما يعرفه الشعب ويريده وبين ما كان الفنانون الجادون يودون تقديمه للشعب: فقد كان من الواجب أن لا يعمل الفنانون المخلصون العديدون بمعزل عن وجدان الشعوب وعن تقاليده وما ترسب في أرواح أفراده من صيغ مسرحية شعبية، كان لا ينبغي الإفادة منها، لا تنحيتها جانبا في احتقار. غير أن الالتحام بين فن الشعب (كخيال الظل/ القراقوز وغيرها) وفن مثقفيه لم يتم، وهذا هو السبب الأساسي في تعثر النشاط المسرحي السوري طوال السنوات التي سبقت تدخل الدولة عام 1959.

على أن الحركة المسرحية في سورية دائما وأبدا تذكر مسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" بأنها فاتحة وبداية عهد جديد للمسرح السوري، وترى أن فترة ما قبل الستينيات هي فترة كتابة النصوص الأدبية دون أن نضع في الاعتبار مشاهدتها على خشبة المسرح مجسدة، ولكن اعتبرت هذه الفترة هي فترة قراءة النصوص واعتبر المسرح مسرح للقراءة- وليس المسرح الممثل.

البدايات الأولى لنهضة المسرح السوري في الستينيات:
اتفقت الآراء على أن ستينيات هذا القرن كانت البدايات الأولى للنهضة المسرحية بالمعنى الصحيح للكلمة إذ أنها الفترة التي شهدت عودة كل من "رفيق الصبان" و"شريف خزندار" من فرنسا بعد أن تدربا على يدي الفنانين الكبيرين "جان لوي بارو" و"جان فيلار" وقد سعيا الاثنين من أجل تقديم نماذج من المسرح العالمي محاولين وضع أسس مسرحية تضمن إقبال الجماهير.
أعقب هذه البدايات تدخل الدولة لدعم اهتمامات "الصبان" الذي كون جماعة من المثقفين والمهتمين بالحركة المسرحية سميت باسم "ندوة الفكر والفن" وقد تقدمت الدولة لمساعدة هذا الفريق الفني الصغير، فأسست فرقة المسرح القومي عام 1959- كما سبق وذكرنا- مستعينة بطاقم "الصبان" وجهود مخرج شاب درس المسرح في أمريكا هو "هاني صنوبر". وسرعان ما انضم إلى الفرقة عدد من الشبان الذين درسوا المسرح في مصر في المعهد العالي للفنون المسرحية.

ومن الطبيعي أن نشير إلى الفرق المسرحية في سورية، ويرأس هذه الفرق ممثلين، وقد تميزت هذه الفرق قبل الستينيات بأنها من الهواة، مثل فرقة "عبداللطيف فتحي" وفرقة "سعد الدين بقدونس"، وساهم بعد ذلك عدد من المخرجين المسرحيين في تقديم العروض المسرحية من أمثال "علي عقلة عرسان" و"أسعد فضة" اللذان تلقيا تعليمهما في مصر و"دريد لحام". ومنذ بداية الستينيات 1960 وحتى عام 1973 قدم المسرح القومي السوري إحدى وستين مسرحية.
ومن الطبيعي أن نشير إلى الفرق المسرحية في سورية، ونرى أن التطور يغزو الحياة المسرحية في سورية حيث استخدمت صالة مسرح "القباني" فرعا للمسرح القومي ثم أصبحت الآن مكانا للمسرح التجريبي الذي يرأسه "سعد الله ونوس". وفي دمشق أيضا يوجد مسرح عسكري تابع لوزارة الدفاع تعرض له المسرحيات الكوميدية الاجتماعية.
تأسس في مدينة حلب مسرح الشعب عام 1967 مكان مديره الأول المخرج "حسين أدلبي" الذي تلقى تعليمه في النمسا، ثم خلفه "فواز الساجر" عام 1973.
أما فرقة المسرح الجوال التي تكونت عام 1972 فقد رأسها "إسكندر كيني" من خريجي معهد موسكو وطاف بعروضها كل القرى والأرياف والمناطق الصناعية.
سعى عدد من الممثلين إلى إنشاء مسرح في مدينة اللاذقية إلا أن محاولتهم باءت بالفشل إلى أن التقى عددا من هؤلاء الممثلين في أوقات فراغهم وقدموا عددا من المسرحيات في مجموعة تشبه الأستديو المسرحي. وقد ظهر في أعقاب هذه المحاولة تكوين فرقة مسرحية انتقادية أطلقت على نفسها اسم "مسرح الشوك"، وكان على رأسها "دريد لحام" و"عمر حجو" وقد قدمت مسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" التي صنفت على أساس أنها مسرحية تسجيلية تنتمي إلى المسرح السياسي.

عهد الازدهار للمسرح السوري المعاصر:
[أ] سعد الله ونوس:
إن العهد الجديد لازدهار المسرح السوري المعاصر تمثل في أعمال الفنان المسرحي "سعد الله ونوس" الذي تقدم في عام 1967 بمسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" فكانت عهد جديد للمسرح السوري.
وإن كان "ونوس" قد كتب من قبل عدة مسرحيات قصيرة مثل "لعبة الدبابيس" و"الجراد" و"المقهى الزجاجي" و"جثة على الرصيف" و"الفيل يا ملك الزمان" وكذا مسرحية من جزئين هما "حكاية جوقة التماثيل" و"الرسول المجهول في مأتم أنتيجونا" وهي أعمال تتسم بالتجريد والإغراق في استخدام الرموز، والاعتماد على الأشكال المسرحية الغربية التي تعرف عليها الكاتب أثناء متابعته وتعرفه على المسرح العربي.

اعتمد "ونوس" في مسرحياته كلها على أسلوب يكاد يكون مكرر في كل هذه الأعمال، إذ يعتمد على المونولوجات الطويلة التي تقرب العمل من شكل الرواية بما لحوارها من الطبيعة السردية وربما يرجع ذلك إلى تركيز المؤلف على شخصية الإنسان الفرد المحاصر في كل صراعاته ومعاناته ووحدته، فهو إنسان محكوم عليه، لذا وجدنا البطل دائما ما يلجأ إلى الداخل.
إلا أن أسلوب "ونوس" وإن كان قد سيطر على هذه الأعمال السابقة فإنه اختلف في مسرحياته "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" و"مغامرة رأس المملوك جابر" حيث سعى في هذه الأعمال إلى تقديم شكل جديد للمسرح العربي المعاصر، هو شكل المسرحية المرتجلة من خلال كسر الإيهام وإحداث التقارب والنقاش بين الممثلين والمتفرجين في حدث مسرحي واحد، وهو أسلوب متأثر كثيرا بأسلوب "بريخت" ومسرحه الملحمي.
أما عن تنظيراته لأحوال المسرح العربي المعاصر فقد جاءت من خلال تناول جديد تمثل في مسرحيته "سهرة مع أبي خليل القباني" التي سعى من خلالها إلى عرض الظروف السياسية والاجتماعية التي ولد فيها مسرح "القباني" معتمدا على الارتجال الظاهري أو ما يقال عنه شكل الإرتجال دون أن يكون مرتجلا بالفعل.

الملك هو الملك لـ"سعد الله ونوس":
"آه لو كنت ملكا... لأقمت العدل بين الناس وفعلت كذا وكذا"
هذه الجملة استمع إليها "هارون الرشيد" مع وزيره أثناء تفقده أحوال البلاد في إحدى الليالي. وهذه الحكاية وردت في قصص "ألف ليلة وليلة" ومن هذه الحكاية صاغ "سعد الله ونوس" مسرحيته "الملك هو الملك" مدعما أياها بقصة أخرى من "ألف ليلة وليلة" وهي حكاية "هارون الرشيد" الذي خرج ووزيره متخفيين طلبا لبعض الأُنْس، فوجدا رجلا يتزي بزي "هارون الرشيد" ويتخذ لنفسه وزيرا وسيافا، وأتقن هذا التمثيل كله حتى ليحار المشاهد ولا يدري أي الرجلين هو الخليفة الحقيقي.
والحكاية باختصار تتلخص في هذه الجملة: "أعطني تاجا وثيابا أعطك ملكا" وهذه المسرحية التي اعتمد مؤلفها على التراث تتميز بكثير من المزايا، فهي درس سياسي واضح، وهو أن تغير الأفراد لا يغير الأنظمة، وإنما على الأنظمة أن تتغير من قواعدها حتى تصح الأجسام وتلمع الوجوه بالبشر كما كان الناس في سابق الزمان.

أما عن الأسلوب الذي صاغ به المؤلف مسرحيته فهو نفس تكنيك المسرحية المرتجلة- مع استخدامه لتقنيات المسرحية الملحمية في بناء النص- الذي عشقه منذ بداية مشواره، فنجد أن المسرحية تبدأ وأحد أفراد الجوقة يؤكد للمتفرجين أن ما سوف يشاهدونه هو لعبة لا أكثر ولا أقل.
[ب] مصطفى الحلاج:
يأتي أسلوبه وكذا مضامين موضوعاته مختلفة عن "سعد الله ونوس" الذي ركز على التراث في بعض مضامين مسرحياته وعلى الارتجال أسلوبا للكثير من مسرحياته. ففي أعمال "مصطفى الحلاج" تأتي القضايا مختلفة، فهو يكتب عن نضال شعب الجزائر وفظائع التعذيب الذي كان يوقعه المستعمرون الفرنسيون بالمناضلين الجزائريين. وهو هنا يصف فظائع تعذيب النازي لضحاياهم، وصمود الكثير من هؤلاء الضحايا في وجه طغيان الفاشية- وهذا تحقق من خلال مسرحية "الغضب" 1959.
أما عن مسرحية "القتل والندم" فهي تتخطى حدود سورية وتصل ليس إلى الجزائر، بل إلى تونس حيث يتحدث عن نضال الشعب التونسي في سبيل الحرية وفيها يجعل المؤلف بطله واقعا في صراع بين واجبه الثوري وعاطفته الذاتية، ذلك أنه مضطر إلى قتل والد حبيبته الذي يتعاون مع الاستعمار.
كتب "مصطفى الحلاج" مسرحية "احتفال ليلي خاص في دريسدن" 1970، وهي تتحدث عن تدمير ملجأ في عام 1945 اجتمع فيه ممثلون من مختلف الطبقات الألمانية، الذين فهموا بشكل متأخر طبيعة الحرب العدوانية المجرمة التي شاركوا فيها. وفي هذه المسرحية تشابه بين العدوانية الألمانية والعدوانية الإسرائيلية.
أما مسرحيته الرائعة فهي "الدراويش يبحثون عن الحقيقة" 1970 ويضع المؤلف يده على موضوع بالغ الخطورة في دول العالم الثالث ألا وهو ظاهرة التعذيب، التي سبق أن لفتت أنظار الفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر" فأعد دراسة عن التعذيب في القرن العشرين.
إنها مسرحية ليس لها زمان أو مكان محددين، ذلك أن موضوعها عام هو موضوع: عجز الإنسان الحر أمام قوات الظلم والطغيان، هل يصمد أم ينهار؟
إذن فالمسرحية بها الحدث الخاص والعام في نفس الوقت، و"درويش" البطل هو الاسم العربي لشهداء الحرية والذي قبض عليه دون ذنب وسجن وحوكم دون أن يرتكب الجرم. إنها قضية التعذيب، وهل من الممكن أن يقع التعذيب على الإنسان ولا يقدر الدفاع حتى عن نفسه.
[ج] ممدوح عدوان:
برز اسم "ممدوح عدوان" بين الكتاب الشبان الذين كتبوا المسرحية الشعرية والنثرية مركزا على عجز الإنسان في صورا متعددة ومواقف مختلفة، فهو عاجز عن تغيير ما حوله. وقد تمثل هذا في مسرحياته "المخاض" "الشعرية" و"محاكمة الرجل الذي لم يحارب" و"كيف تركت السيف" و"سيل العبيد" ومسرحية "هاملت يستيقظ متأخرا".
وهذه المسرحية الأخيرة لا يعيب المؤلف على "هاملت" تردده وإنما انشغاله بقضية خاصة أعمته عن القضية العامة. فالثأر من قاتل أبيه لن يجدي، ولكن الصح أن يجتث النظام من جذوره، ذلك النظام الذي ينشر الشر ويفرز الجريمة والرشوة والفساد والبغاء.
يستخدم "ممدوح عدوان" مسرحية "شكسبير" استخداما ذكيا كي يسقط أشياء وأشياء على الوضع العربي المعاصر، فهذا هو "كلوديوس"، الملك الجديد، قد قتل أخاه وتزوج زوجته وتسلم عرشه وأخذ يتحدث عن أفكار الماضي المتحجرة، وضرورة الخروج من أسرها إلى عهد جديد تتم فيه المصالحة مع عدو المملكة التقليدي: "فورتينبراس".
ويدعى "فورتينبراس" لزيارة الدنمارك ويقرر أن "هاملت" هو مصدر الشغب في المملكة ولابد التخلص منه إذا ما أرادوا الرخاء ويتقرر محاكمة "هاملت" والتخلص منه في مبارزة صورية ويموت بالفعل ويستحق هذه المرتبة لأنه لم يتحرك ويكتفي بإهانة خصومه ويسهم ويسخر الممثل من هذا الأسلوب العقيم ويطلب إلى "هاملت" أن ينزل إلى الفقراء فهم سوف يتحمسون له إن وجدوا أنه متحمس لقضيتهم ولا يفعل "هاملت" هذا لأنه يتطلب منه قتل الملك، والقتل حرام، ولذا يموت "هاملت" لأنه لم يستيقظ مبكرا بل استيقظ متأخرا.

[د] علي عقلة عرسان:
له عدة مسرحيات وصفها بعض النقاد أنها لا ترقى إلى مستوى العمل المسرحي الناضج لأنها لا تعالج الواقع بصورة صادقة، بل تغير فيه مما يجعلها أعمال مسرحية مغايرة للواقع ولا تقدم الواقع الحقيقي.
كتب "علي عقلة عرسان" مسرحية "الشيخ" و"الطريق" و"الفلسطينيات" و"زوار الليل" و"الغرباء" و"السجين رقم 95" و"عراضة الخصوم".

إن مسرحية "الغرباء" التي تتحدث عن مأساة فلسطين تبسط من الحكاية لدرجة أنها تظهر اليهود بمظهر المسكنة والعرب ليس كلهم مسئول عن دخولهم الأرض المحتلة، فمنذ البداية ونحن نسأل عن سبب تأييد "مصطفى" للغرباء وتماديه في إقناع أهل القرية باستضافة الغرباء، كما أن "يوسف" الذي يعارض وجود الغرباء يردد كلام عام ولا نشعر أن المعارضة لأسباب وجيهة كما أن المؤلف يلجأ إلى التصوير المبسط للعدو الصهيوني، فهو يهودي تقليدي يتظاهر بالمسكنة ويتاجر بشرف نسائة كي يتمكن من الأرض، دون وصف العدو الصهيوني على حقيقته.
إن تصوير المؤلف هذا يعفي بعض العرب من المسئولية، مسئولية وقوع فلسطين في يدي الصهاينة، ذلك أنه يذهب إلى أن الذين أخطأوا إنما أخطأوا بحسن نية، والذين تنبهوا لم يفعلوا سوى الصياح.

[هـ] وليد إخلاصي:
يعد "وليد إخلاصي" من الكتاب السوريين البارزين في حقل المسرح المعاصر، وهو من الذين تأثروا بالمسرح الأوروبي عبر مراحله المختلفة سواء مسرح عصر النهضة أو المعاصر باتجاهاته الطليعية وكمسرح العبث والمسرح التجريدي أو الوجودي عند "سارتر" أو الكوميديا السوداء أو مسرح "تشيكوف" إذن فمسرحه يجمع الكثير من عناصر المسرح الأوروبي الوسيط والحديث والمعاصر. كتب "وليد إخلاصي" عدة مسرحيات هي "الأيام التي ننساها" "طبول الإعدام" و"المتعة 21" و"كيف تصعد دون أن تقع" و"هذا النهر المجنون" و"الصراط".
وتتميز مسرحياته بأنها تهدف إلى هدم الزائف والسعي نحو البناء في عالم أفضل. ويعتمد في ذلك على براعة الحوار وحيويته من خلال ما يسمى لغة الشعر الداخلي الذي يفجر ويطور الأحداث، إلا أننا نعيب عليه في بعض الأحيان لجوئه إلى الأحداث المفتعلة.
مسرحية "كيف تصعد دون أن تقع":
وهي كوميديا سوداء تقدم شخصية المتسلق المنافق "منتصر" وهو رجل في الأربعين من عمره، له مائة وجه، له قدرة رائعة على إقناع الغير، ومهارة فائقة في ركوب كل موجة جديدة وبراعة في الخروج من المأزق. ويساعده في ذلك ذراعه الأيمن ومساعده "مؤيد".
وينجح "منتصر" في الانتصار في كل المواقف التي مرت عليه وينتهي به نضاله إلى وصوله إلى كرسي الوزارة. والمؤلف لا يستسلم ويدعوهم دعوة صريحة في ختام المسرحية حين يتوجه بفنه للجمهور لشجب كل هذا وكذا عليهم الإفصاح العملي بالسلاح، بالعصى، بالأظافر، بالأسنان، المهم ألا يقف أحد موقف المتفرج من الشر المستطير الذي عرضته المسرحية بطريقة مقنعة جدا.

و"وليد إخلاصي" هنا متأثرا بفن الكاتب الإنجليزي "بن جونسون" الذي كان يعرض الشخصيات النمطية ذات البعدين ويعريها أمامنا ويهجوها هجاء شديد يستخرج منه الضحك المر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

المسرح في سوريا (سلسلة دراسات مسرحية عربية) (3)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة ::  :: -