دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المسرح في العراق - البدايات الأولي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: المسرح في العراق - البدايات الأولي   الخميس نوفمبر 17, 2011 4:43 am

المسرح في العراق
أ.د أحمد صقر – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية
البدايات الأولي

عند الحديث عن المسرح في العراق لابد وأن نتعرف على طبيعة البداية المتمثلة في:
أ. بدايات محلية تمثلت في التمثيل الديني الشوارعي "التعازي".
ب. زيارة فرق مصرية للعراق.
ج. تحرك "حقي الشبلي" لدفع هذا الحماس قدما إلى الأمام.

أ‌. الـبـدايـــات الـمـحـليــــة
1- التمثيل الديني الشوارعي (التعازي):
إن المسرح في العراق لم يكن وليد الثلاثينيات من القرن العشرين، بل وجدنا أن تاريخه أبعد من هذا بكثير، فقد وجدنا التمثيل الديني- الشوارعي الذي كان يقام في بغداد لتمثيل مأساة الحسين، وهو بكل المقاييس المسرحية المعروفة اليوم يعتبر ضربا من ضروب التمثيل- الشوارعي الذي تشترك فيه الجماهير وتؤدي فيه قصة درامية واضحة تحمل معاني مختلفة لمن يشتركون فيها؛ وهي في حالة استشهاد الحسين مأساة كاملة قصة وحوارا وملابسا ووقائع.

وهذه "التعازي" كانت تمثل بصورة حية في الشوارع حيث تنصب الخيام في الساحات، وخاصة الساحات المحيطة بأضرحة الحسين والعباسي في كربلاء، أو في صحن الكاظمية وجامع الخلافي في بغداد، فيرتدي الأمويون الملابس الحمراء، بينما يرتدي الحسين وأصحابه الملابس الخضراء ويحمل الطرفان الرماح والسيوف والدروع والأقواس والسهام وتشخص المعارك والمبارزات وخاصة بين الشخصيات الرئيسية.

ولا يقتصر المشهد على الحركات التشخيصية الصامتة كالهجوم والدفاع وإظهار شجاعة وجلد الحسين ورجاله وآلام وفجيعة النساء والأطفال من جهة وقساوة الأمويين ورجالهم من جهة أخرى، بل كان يجري بالإضافة إلى ذلك حوار وكلام بين الشخصيات الرئيسية المذكورة، وكانت المواكب تسير وبضمنها جثث القتلى، وكانت تصنع من قماش يحشى بالتبن.

2- الإخـبــــاري:
وهي مشاهد تمثيلية تضم حوارا هزليا بين شخصيتين أو أكثر يتبادلون الأوصاف المضحكة والنكات ولا تتخذ موضوعا بعينه، بل تعتمد على التهكم والسخرية والوصف المضحك، وكان القائمون به يرتدون ملابس تثير الضحك تناسب المشهد، وقد اعتمد عليهم أصحاب الملاهي الليلية في تقديم المشاهد المضحكة في آخر السهرة.

وتذكر المصادر أن فرقا شعبية للتمثيل قد تكونت لعرض هذه المشاهد في ملاهي ومقاهي بغداد قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها وفي فترة ما بين الحربين استطاع أحد المضحكين البغداديين واسمه "جعفر لقلق زادة" بعد أن شاهد هزلية لم يخل بعضها من قصة مسرحية، وإن كانت ساذجة، تعتمد على التهريج والحركات الجسمية والألفاظ المثيرة للضحك.

3- خيـــال الظـــل والقـراقــــوز:
عرفت العراق، شأنها في ذلك شأن باقي البلاد العربية، خيال الظل والقراقوز، وقد ظل منتشرا في البلاد قبيل الحرب العالمية الأولى، كما عرفوا الآداء الدرامي الذي كان يقوم به رُواة السِيًر الشعبية في المقاهي، بما كان يصاحبه من عزف على الربابة وغناء بسيط.

كان هذا التراث التمثيلي الشعبي هو الذي انضم كله في تيار وجداني واحد حفر لنفسه مجرى واضحا في النفس العراقية وغرس فيها فكرة المسرح والعروض المسرحية، فلما جاء الوقت عرف العراق المسرح المكتوب على الطريقة الغربية كانت الأرض ممهدة لبذر البذور ورعايتها لتكتمل وتأتي بثمارها المتمثلة في حركة مسرحية كاملة المعنى والمعاني.

ب. زيارة فرق مصرية للعراق
إن ما سبق ذكره من تعرف البلاد على هذا الفن بأشكاله المبسطة كان سببا من أسباب استعداد هذا الشعب للتعرف على الفن وتقبله بسهولة عكس بعض البلدان التي لم تعرف أيا من هذه الأشكال الشعبية الفنية.

فقد زارت البلاد فرقة "جورج أبيض"- اللبناني المولد الدارس لفن المسرح في مصر وفرنسا- عام 1926 ليقدم حفلات تمثيلية في كل من بغداد والبصرة، فكانت هذه الزيارة بمثابة النواة التي تبلورت حولها حركة مسرحية نشطة كانت موجودة في العراق من قبل، وكانت تبحث عن محور تدور عليه ومحرك يدير هذا المحور.

وقد كانت لزيارة هذه الفرق الأثر الفعال في وضع الأسس الفنية الأولى للمسرح في العراق، وتغيير نظرة الناس إلى هذا الفن ورفع مستوى الهواة العراقيين الذين عملوا في هذا المجال.

إن زيارة فرقة "جورج أبيض" كان لها الفضل الكبير- كما سبق وذكرنا- على المسرح العراقي، حيث أنه قدم أفضل ما عنده للبلاد العربية حيث أبدع وجاء ابداعه ينم عن موهبة وتمثيل رائع مرهف الحس، حيث لعب أدوار "مكبث" و"كين" و"عطيل" و"أوديب" التي كانت من أفضل ما قدم. ومع ذلك فلم ينقطع الجدل حول اسمه، لقد حمل هذا الممثل التراجيدي الرومانتيكي إلى خشبة المسرح العربية فنا عالميا عظيما يتصف بالجدية، إلا أن الجمهور كان ولا يزال يفضل المبالغة والهجائية والفارس الشعبي.

ج. حقي الشبلي ودوره في المسرح العراقي
إزاء هذا الحماس الدافق من قبل الشعب العراقي لتقبل هذا الفن الجديد- وإن كان هناك اختلاف في طبيعة التقبل بين فئات الشعب العراقي ولم يكن للتقبل أسلوب واحد- تحرك الفنان الشاب "حقي الشبلي" بالشتراك مع فرقة جورج أبيض بتمثيل دور ابن أوديب في مسرحية "أوديب ملكا" التي قدمتها الفرقة في احدى حفلاتها ضمن الريبوتوار الذي تنهجه الفرقة، ثم اندفع "الشبلي" في طريقه المسرحي الطويل فألف أول فرقة مسرحية عراقية محترمة في مطلع 1927 اشترك فيها إلى جانب الفنانين العراقيين فنانيين من سوريا ومصر، وهم "بشارة واكيم" و"عبد اللطيف المصري" و"عبد النبي محمد" و"محمد المغربي" وغيرهم، وتحولت فرقته في العراق تدعو إلى التمثيل وتقدمه للجمهور، وكانت أول رحلاتها إلى جنوب البلاد عام 1928.

توالت زيارة الفرق المصرية إلى العراق فجاءت فرقة "فاطمة رشدي" سنة 1929 وقدمت عددا من المسرحيات، ومن ثم تم الاتفاق بين الفرقة وبين الأستاذ "الشبلي" على أن ينضم إليها، فسافر إلى مصر للعمل والتدريب تحت إشراف "عزيز عيد". وظل "الشبلي" بمصر في سفرته الفنية هذه ما يقرب من العام.
وعندما عاد إلى العراق 1930 مع رحلة أخرى لفرقة "فاطمة رشدي" قدمت الفرقة فيها حفلات في بغداد والبصرة والموصل.

مكث "الشبلي" بعد ذلك في العراق وكون فرقة "حقي الشبلي" التي ظلت تكافح خمس سنوات متواصلة في سبيل دعم الفن المسرحي في العراق عن طريق التمثيل في العاصمة والرحلات الفنية إلى أقاليم الشمال والجنوب.

سافر الشبلي في سنة 1935 إلى فرنسا للدراسة، فلما عاد عام 1939 أسس قسما للتمثيل في معهد الفنون الجميلة، أخذ على عاتقه إعداد الممثلين والمخرجين وتقديم المواسم المسرحية. وقد اعتبرت هذه الفترة في تاريخ المسرح العراقي فترة ذهبية ظهرت خلالها عدة فرق محترفة قدمت إنتاجا مسرحيا متعدد الجوانب، وتمكن بعضها من تأسيس مسارح أهلية.

وبهذا اكتملت للحركة المسرحية العراقية عناصر أساسية في كل حركة مسرحية، وهي: فنانون متحمسون يعملون بحماس الهواية على مستوى الاحتراف، وصلات عضوية بالفرق المسرحية خارج البلاد، ومادة مسرحية قابلة للتقديم كما هي أو بعد التشكيل، ومؤلفون مسرحيون من نوع أو آخر يقدمون أعمالا مسرحية متفاوتة الحظ من الجودة والإبداع ولكنها تكفي لكي يستمر النشاط من يوم إلى آخر.

الكاتب المسرحي المحلي العراقي:
كانت هذه هي أحوال المسرح العراقي وكل ما كان ينقص المسرح حينذاك أن يقوم فيه الكاتب المسرحي القومي الذي يكتب لبلاده بالنظر العميق والفن المسرحي المقنع، وهذا لم يأت للعراق إلا في أوائل الستينيات.

1- نعوم فتح الله السحار والمسرحية المعربة:
يرجح الباحثين في مجال المسرحية العراقية أن "نعوم فتح الله السحار" هو أول مؤلف عراقي محلي حينما كتب مسرحيته "لطيف وخوشابا" إلا أنها جاءت معربة عن الفرنسية وجعل هدفها حب الوالدين كي يحسنوا تربية أولادهم ولا يتركوهم يفعلون ما يشاءون، كما قصد بها تعليم مشاهديها الصفح عن الإساءة، وقد استخدم فيها حوارا مزدوجا قصيحا للسادة ودارجا للخدم.

إلا أنها على ذلك لم تكن مسرحية مؤلفة، بل مسرحية معربة، وقد توالت المسرحيات المترجمة عن الفرنسية، وترتب عليه ترجمة العديد من المسرحيات، هذا إلى جانب انتشار تمثيلها في البلاد. هذا إلى جانب تقديم ثلاثة وعشرين مسرحية باللغة الإنجليزية قدمتها فرقة الجيش البريطاني، وحظيت بالإقبال الكبير عند الأهالي.

من كل هذا نستطيع القول أن العراق عرف المسرحية التاريخية والقومية الاجتماعية المكتوبة باللغة الفصحى والدارجة أو كلاهما معا، كما عرف المسرحية الشعرية والميلودراما وقليلا من المسرحيات الهزلية.

2- يوســــــف العـــــــاني:
واجه المسرح العراقي الناشئ- كشأن غيره من المسارح العربية- صعبوة الحصول على النص المسرحي الجيد المحلي رغم عديد المحاولات التي بذلت لتوفير المادة المسرحية له.
ولم يتسن لهذا المسرح أن يطمئن إلى حد معقول إلى وجود زاد مسرحي له إلا حين قام من بين فنانيه كاتب مجيد على المستوى الفني والقومي معا، كاتب لم تتوفر له الموهبة وحسب بل توفر له أيضا شئ يليها في الأهمية وهو استمرار العطاء.

مثل هذا الكاتب يكون دائما البشير بقيام حركة مسرحية نابضة في بلاده. وقد كان هو "يوسف العاني" الذي ضمن لنفسه الموهبة والاستمرار، وزاد عليها شيئا آخر هاما وهو معاناة التجربة المسرحية من زوايا أخرى غير التأليف، وأهمها التمثيل، فهو أقرب من غيره إلى مفهوم رجل المسرح، إذ يجمع بين ركنين من أهم أركان العملية المسرحية: التأليف والتمثيل.

بدأ "يوسف العاني" بتحسس طريقه في أوائل الخمسينيات حين كتب مسرحيات مثل "رأس الشليلة" 1951 و"سنة دراهم" 1954 و"أنا أمك يا شاكر" 1955 و"المفتاح" 1967- 68 و"الخرابة" 1970 و"الخان وأحوال ذلك الزمان" 1976.
رأس الشـلــيـــلــة:
ومنها يستخدم أسلوب التمثيلية الإذاعية كي يفضح ما يقوم به في الدوائر الحكومية من فساد إداري يشمل الدائرة بأكملها من مديرها إلى موظفيها. ويجمع العاني هنا بين الواقعية في العرض والتصوير وبين شئ من الفكاهة يتمثل في المُراجع البدين الذي يطلب إليه الموظفون الصعود والهبوط بين الطوابق، وهو موجه نحو هدف يرمي إليه المؤلف، وهو: نصرة المظلوم الشعبي على خصومه من أعداء الشعب ومستغليه.

سـتــــة دراهــــــم:
وهي تقترب من فن المسرح وتبتعد عن الدراما الإذاعية وإن كان موضوعها يسعى أيضا لتأكيد أحقية الإنسان والانتصار له مقابل غطرسة الطبيب الذي يرفض أن يحصل على أجرة فتقصى منه ستة دراهم. وهنا نجد "العاني"ينجح في تأكيد قدرة بطله الشاطر الشعبي في الحواديت أن ينتقم من الطبيب وأن يمزق تذكرة الدعوة الهامة عنده بعد أن يعطيها الستة دراهم انتقاما من غطرسته.

أنـا أمـك يـا شـــاكـر:
ينجح المؤلف بهذا العمل في الدخول بجسارة وقوة في المعركة الوطنية التي كانت تدور في العراق إذ ذاك لتحقيق التحرر الوطني على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وتتميز هذه المسرحية بأنها كتبت بالفعل لمسرح فعلي، ولجمهور حقيقي، وليس لها صلة بتمثيليات الإذاعة، إلا أنه يعاب على هذا العمل أنه يقدم صورة مثالية في وضوحها وشفافيتها للحب والأسرة إلا أنها تقدم الأخيار أخيار تماما والأشرار أشرار حتى النهاية، وهو أسلوب ميلودرامي يصلح تماما لخدمة أغراض المسرحية ويعمل بمثابة الموصل الجيد لرسالتها غير أن المرء يشعر- بعد وقت قد يطول أو يقصر- أن شيئا من افلن أعمق وأشد خصوبة قد كان جديرا بأن يوضع في خدمة هذا الموضوع الهام.

المـفـتـــاح:
(للمزيد انظر مجلة السينما والمسرح العدد 5/ 56 سنة 1968)
في هذه المسرحية وفي أعماله القامة الخرابة/ الخان وأحوال ذلك الزمان، نجح المؤلف في ادراكه للأسلوب الفني الذي لابد وأن يتبعه في كتابة المسرحية. وبالفعل نجد مسرحيته "المفتاح" تقدم مرة أخرى قضية الإنسان وخاصة الإنسان التقدمي. ولكن المؤلف هذه المرة يدخل من باب الفن الشامل، الذي يصلح لكل بيئة ولكل زمان، لأنه يتحدث عن الإنسان من خلال الحديث عن الأفراد.
والموضوع باختصار هو: لأنك لا تستطيع أن تقيم حياتك على وهم. إذن فرحلة البحث عن الطفل الحيران حيرة تنتهي بأن يدرك الاثنان ومعهما نوار أنه: ليس بالتعب وحده يحصل الإنسان على هدفه، وإنما العبرة بالهدف الذي يحدده الإنسان لنفسه بالطريقالذي يسلكه لتحقيق هذا الهدف. لا حق لإنسان في شئ لم يتعب من أجله. ولا فائدة في الحصول على شئ لا يكمل حياتنا ويجعلها حلوة مستقرة.

3- نـور الديــــن فــارس:
يسير هذا الكاتب على نهج "يوسف العاني" في تتبع القضايا الاجتماعية ويتمثل هذا من خلال مسرحياته:

أ. البيــت الجـديــد 1968:
وهي تحكي قصة الصراع بين صنفين من الناس: أولئك الذين ينتمون إلى الماضي الموشك على الانتهاء، سواء كانوا ضحايا لهذا الماضي مثل العجوز "فخرية"، أو منتسبين إليه وممثلين له مثل نزلاء البيت جميعا، عدا واحدا، وأولئكالذين يسعون إلى هدم الماضي وإقامة صرح مستقل جديد فوق أنقاضه.
وهي مسرحية مكتوبة بجسارة وواقعية أخاذة، وهي تصور الواقع تصويرا يملك على المشاهد او القارئ نفسه، ولكنها لا تنسى المستقبل قط، إذ هي تصور فساد الحاضر هذا التصوير البديع، وهي لا تكتفي بالإيحاء بضرورة قيام مجتمع جديد بل تعلن هذا إعلانا في نهاية المسرحية.

أعقب المؤلف مسرحيته الأولى بمسرحيات الغريب والعطش 1972 ثم جدار الغضب 1974.
أما عن مسرحيته الأخيرة هذه فهي تتحدث عن ثورة الزنج ويعرضها عرضا دراميا بسيطا ولكنه مؤثر. إنه يتخيل قيام محكمة يتمثل فيها أطراف النزاع أبعادا ويستدعون واحدا واحدا، كل يدلي بوجهة نظرة في الثورة، والداعي إليها، ومن انضم إلى صنوفها من أنصار.
والمؤلف يعرض علينا في إطار درامي ثورة الزنج وموقفه المؤيد والناقد معا، وكيف تطورت هذه الثورة دون أن يفقد العمل الدرامي شيئا من قيمته الدرامية. ومن ناحية أخرى فإنه يشرح في هذه المسرحية موقفه من المسرحيات السابقة من الطبقات الشعبية في المدن وضعفها وتخاذلها.

4- عـــادل كـاظــــــم:
(الموث والقضية)
كتب هذا المؤلف مسرحيته الأولى "الموت والقضي" 68- 1969 وانتزعها من ألف ليلة وليلة ومد شخصياتها الدائمة، شهرزاد زشهريار، وجعل فيها رمزين: للحرية شهرزاد وللضياع شهريار، وأنشأ ما بين الاثنين علاقة جديدة هي علامة الحرية التي تحوم حول الضياع، واستخرج من شكسبير شخصيتي: "هاملت" و"عطيل"، وجعلهما يبحثان عبثا عن النقاء والصفاء.

وهذه المسرحية تعد مثل واضح للتطلع والطموح، فهي تتطلع إلى أكثر ممت تحقق، وعيبها الأساسي أن فكرتها بسيطة، يحاول المؤلف جاهدا أن يجعلها مركبة، ولكن امكاناته لا تسعفه، ولهذا تدور المسرحية حول نفسها أكثر من مرة، ولا نصل إلى النهاية إلا بظهور الثوري الذي يلخص فكرتها في كلمات قلائل: العمل، وليس الحلم، يخلق الثورة.

على أنها- مع هذا- مثال طيب لمسرحية الأفكار التي تحاول أن تربط الذهن بالواقع وتستخدم بعض الحيل المسرحية استخداما ذكيا. مثال ذلك: شهريار خيال المآتة الذي لا يلبث أن يضيع في خضم من شهريارات آخرين على شاكلته.

وقد يكون ثمة مبرر يجعل "هاملت" درويشا يبحث عبثا عن الحقيقة، فإنه بالفعل تأثر ذو قضية، ولكن اختيار "عطيل" رمزا لقضية تائهة ليس له مبرر قوي، فأية قضية قد كانت للمغربي؟ القضية الوحيدة في مسرحية "شكسبير" وهي التميز العنصري حسمتها "ديدمونة" بحبه وقبولها الزواج منه. إن قضية "عطيل" هي حمقه الشخصي، وحبه الأهوج وليس له بعد هذا قضية.

تقدم "عادل كاظم" في مهرجان بغداد لعام 1988 بمسرحية "الشاهد والقضية " التي أخرجها "محسن الغراوي" واعتبرت من الأعمال المسرحية المتميزة بين العروض الأخرى لمؤلفين عراقيين ومصريين أمثال "فلاح شاكر" "يوسف الصانع" "جليل القيسي" "محي الدين زنكتة".

5- عبد الملك نوري:
مسرحية "خشب ومخمل" 65- 1966
من الأعمال المسرحية الفكرية هذه المسرحية التي كتبها عبدالملك نوري، وهي تحاول في بساطة أن تعرض مأساة ملك يحاول في القرن العشرين أن يحتفظ بعرشه، ورغم كل أعمال القمع والقتل والتغريب والاستناد إلى قوى أجنبية، يهتز العرش من تحته، وتقوم الثورات والانتقاضات الشعبية ضده ويفقد ملكيته- زوجته يطلقها لأنها عقيم- ويتزوج من امرأة أخرى تلد له وليا للعرش من رجل آخر.
وفي النهاية تتضافر كل القوى ضد الملك فيقرر مواجهة شعبه الثائر بنفسه لأنه هو شعبه: هو من الشعب والشعب منه. ولكن الشعب لا يخدع بهذا الهراء فتصيب رصاصاته صدر الملك ويموت بين أحضان مليكته في ردهات قصر يحترق.
وقد كانت هذه المسرحية جديدة بأن تكون أفضل بكثير مما هي الآن، لو عرض المؤلف مأساة الملك من وجهة نظر الشعب بدلاً من أن يكون الشعب مؤامرات وانتفاضات نسمع بها ولا نراها، ذلك كان خليقا بأن يصحح ميزان الرؤية في المسرحية فيجعله متكافئاً- على الاقل- بدلا من أن تميل المسرحية إلى جعلنا نعطف على ملك طاغية يحكم بالنار والحديد ويزعم في نهاية الأمر أنه من الشعب وأن الشعب منه.
وعلى درب المسرحيات الفكرية كتب "محى الدين حميد" مسرحيته «السؤال» 1970 والتي تعرض مأساة طبيب ليبيرالي اسمه "صفوان" يؤمن بالحق ويبذل العون للناس، ولكنه يثق- في سذاجة- بأن القانون عادل وطيب وجدير بأن يدفع عن الأخيار شر ما يبتلون به من ظلم، وتكون النتيجة أن يقتل الطبيب، بأمر القانون، منهما بقتل رجل لم ير إلا جثته.
6 – قاسم محمود:
على درب استلهام التراث أعد "قاسم محمد" في عام 1973 مسرحيته الطريفة «بغداد الأزل بين الجد والهزل» وفيها يعرض "قاسم محمد" في بطون كتب التراث للجاحظ ومقامات الحريري وما رواه الرواة عن "أشعب الطفيلي"، وما سحبه الباحثون عن الشعراء الصعاليك- والظرفاء والشحاذين ليقدم لنا عرضا مسرحيا بطله السوق بكل ما يحوي من مفارقات وملاعب وألاعيب وتناقضات بين فقراء مسحوقين وأغنياء يكاد الترف أن ينفجر من وراء أجسامهم.
والعرض يعتمد على التراث كمادة درامية ويرى أن الأشكال المسرحية غير القصصية تصلح لأن تقدم عرضا مسرحيا ناجحا ومن ثم يتخذ من بين شخصيات السوق: القاض الذي كان يقدم مادته تقديماً تمثيليا، وبائع اليانصيب، وبائع الملابس المستعملة، والقراد، والمنادي، والبخيل الكندي، والحمال وطفيل بن زلال.
وهو يوائم في عرضه المسرحي هذا بين فن مخاطبة الجماهير والرواية لها وفن التمثيل كما نعرفه الآن، وينتهز فرصة العرض كي يذكر حقيقة أن العرب عرفوا أشكالا من الفن المسرحي لا بداية لها ولا نهاية وإنما هي عرض مستمر استمرار الحياة في الأسواق الشعبية.
ومن الأعمال الأخرى التي كتبها "قاسم محمد" مستمدة من التراث نجد مسرحية «شخوص وأحداث من مجال التراث» سنة 1974، ومسرحية «كان ياما كان» سنة 1975.
هذا إلى جانب اشتراك "قاسم محمد" في مهرجان بغداد المسرحي عام 1978 حيث أعد «رسالة الطير» عن "ابن سينا" و"الغزالي" وأخراجها في هذا المهرجان، كما أخرج مسرحية «العودة» لـ"يوسف الضائع" في هذا المهرجان نفسه.
الحركة المسرحية العراقية بين الداخل والخارج:
من السمات التي تميز الحركة المسرحية في العراق الاهتمام بالتعرف على التراث العالمي في المسرح إلى جوار الاهتمام بالمؤلف العراقي والفنان المسرحي العراقي.
ففي مجال الاهتمام بالأعمال المسرحية العالمية قدمت الفرقة القومية للتمثيل التي أنشأت عام 1968 حينما انتقلت السلطة إلى مجلس قيادة الثورة وأنشأ المسرح القومي وأشرف عليه مخرجان دائمان هما "يوسف العاني"- العراقي- و"سامى عبد الحميد"- المصري- مسرحيات لكتاب من آسيا وأمريكا اللاتينية «طائر الحب» للكاتب الياباني "كيفد ستياو" و«الإملاء» للكاتب الإيرانى "كوهر مراد" و«شرين وفزهاد» للكاتب التركي "ناظم حكمتي" و«الثعلب والعنب» للكاتب البرازيلي "جوليهم فيجويردور" و«الأشجار تموت واقفة» للكاتب الأسباني "أليخاندرو كاسونا".
إلى جوار هذا الامتداد للخارج، وجدنا الحركة المسرحة توسع رقعة انتشارها لتصل إلى كل بقعة على أرض العراق بين العاصمة والأقاليم المختلفة
أ – ففي عام 1973 إلتفت الفرق الفلاحية في أول مهرجان مسرح لها، وكان من ثمار هذا اللقاء تغلغل الفرق الفلاحية إلى أقاصي الريف. وفي عام 1976 أنشئت مؤسسة عامة للثقافة الفلاحية من واجباتها الرئيسية أيضا المسرح إلى أعماق الريف.
ب- اتجهت الحركة المسرحية في العراق إلى القطاع الثاني الكبير من قطاعات الجماهير وهو قطاع العمال، ويرجع الأمر إلى تجمع العمال في يوم 1 مايو سنة 1971 وهم من الهواة في مقر الإتحاد العام لنقابات العمال وقرروا تشكيل فرق عمالية سميت "بيت المسرح العمالي" وقد قدمت الفرقة إنتاجها أملاً من خلال التلفزيون، ثم اتجهت من بعد ذلك إلى المسرح فقدمت مسرحيتين هما «البوابة» و«المعادلة» من تأليف "غازي محمد"، وقدمت مسرحية ثالثة معدة لـ"مالك المطلبي" بعنوان «الرأس» وقد أخرج المسرحيات الثلاثة "محسن الفراوي" وأداها أعضاء بيت المسرح العالمي خلال صيفي 1974-1975 وحظيت جميعاً باهتمام وحماس كبيرين.
أما عن نشاط الطلاب والشباب فقد أقيم أول مهرجان طلابي للمسرح الطلابي للاحتفال بمناسبة يوم المسرح العالمي واستمر من 27-30 مارس وأثبتت العروض قيمتها الفنية، فأصبح المهرجان تقليداً يقام كل عام على مستوى القطر.
كما تكونت فرق ومجموعات مسرحية من الشباب المتحمس أشرف على تدريبهم الفنانين المسرحين خريجي معهد المسرح وأكاديمية الفنون، وتقدم عروض الغرفة بأبسط الوسائل الفنية ويشترك أعضاء الفريق كلهم في التأليف والإخراج، وتتناول المسرحيات الموضوعات السياسية المرتبطة بالأحداث الراهنة وقد عقد في سبتمبر سنة 1973 في بغداد أول مهرجان لفرق مراكز الشباب تحت شعار المسرح في خدمة الثورة والجماهير.
أما عن الأطفال فقد اهتمت الفرقة القومية للتمثيل اهتماماً خاصاً بهم، فهي تقدم لهم في كل موسم مسرحيات موجهة لهم خصيصا، وقد استطاعت الفرقة أن تنقل تجربة مسرح الطفل إلى الخارج بعيدا عن المدارس، وأن تعود الأطفال والشباب ارتياد المسرح.
وقد بدأت المحاولات الأولى لكتابة مسرحية الطفل، بتقرير أجواء ألف ليلة وليلة على مستوى الأطفال وذلك بإعادة كتابة مسرحية «على جناح التبريزي وتابعة قفة» لـ"ألفريد فرج" بحيث تلائم الأطفال، كما قدمت الفرقة «طير السق» عام 1970، «الظبي الخشبي» عام 1972، وكلاهما يعتمد على الأسطورة، وقد أعدهما "قاسم محمد"، و«زهرة الأقحوان» عام 1975 من تأليف "سعدون العبيدي"، وعرضت عام 1976 مسرحية «جيش الربيع» التي أعدها مخرجها "سليم الجزائري" عن مسرحية «عربة الصلصال الصغيرة» للكاتب "سودراكا"، أحد كتاب المسرح الهندي القديم، كما قدمت الفرقة مسرحية «علاء الدين والمصباح السحري» للكاتب الإنجليزي "جيمس نورين".
وقبل أن أختتم هذا الموضوع أود أن ألقي الضوء على مهرجان بغداد المسرحي الذي أقيم في عام 1988 وشاركت فيه العروض المسرحة العراقية والمصرية وغيرهم.
وفي هذا المهرجان ازدهرت أسماء كتاب مسرحيين عراقيين، هذا إلى جانب أسماء مخرجين عراقيين بارزين، ومن هذه الأسماء التي قدمت أعمالا مسرحية:
1- «الشاهد والقضية» لـ"عادل كاظم"، إخراج "محسن الفراوى".
2- «رسالة الطير» أعدها عن رسائل "ابن سيناء" و"الغزالي"، وأخراجها "قاسم محمد".
3- «ليلة من ألف ليلة وليلة»، تأليف "فلاح شاكر"، وإخراج "سامي عبد الحميد".
4- «تراتيل فوق المنبر» أعدها من قصائد لـ"نزار قباني" و"درويش" و"يوسف الصائغ" وغيرهم، وأخراجها "وجدى الفاني".
5- «العودة»، تأليف "يوسف الصائغ"، وأخراجها "قاسم محمد".
6- «مرحبا أيتها الطمأنينة» مونودراما، تأليف "جليل الديس"، إخراج "عزيز يون".
7- «العلبة الحجرية» مونودراما، تأليف "محي الدين زنكته"، وإخراج "فتحى زين العابدين".
8- «الناس والحجارة» مونودراما، تأليف عبد "الكريم برشيد"، وإخراج "هانى هانى".
9- «حكاية صديقين» "محي الدين زنكتة"، وإخراج "سامي عبد الحميد".
10- «ترنيمة الكرسي الهزاز»، تأليف "فاروق محمد"، وإخراج "عونى الرومي".
11- «بيتى وخمس بيبان»، تأليف "فاروق محمد"، وإخراج "محسن العلي".
12- «وداعاً أيها الفقراء» تأليف "جليل يسن"، وإخراج "عادل كوركسن".
13- «ألف حكاية وحكاية» تأليف "فلاح شاكر"، وإخراج "عزيز خيون".
14- «حلم ضوئي»، إعداد وإخراج د. "صلاح القصبي".
15- «فرجة مسرحية»، تأليف "كريم جمعة"، وإخراج "فاضل خليل".
16- «الصليب»، تأليف "محمد البعفيفي"، وإخراج "فصيح جرجس".
17- «محاولة القبض على الصدفة» إعداد وإخراج محسن الشيخ.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
المسرح في العراق - البدايات الأولي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: