دراسات مسرحية متخصصة

عرض دراسات متنوعة وموضوعات في الدراما والنقد المسرحي العالمي والمحلي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تاريخ الدراما في العصور الوسطي ( من مقرر تاريخ الدراما في العصور الوسطي وعصر النهضة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد صقر

avatar

المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 06/03/2011
العمر : 58
الموقع : الإسكندرية

مُساهمةموضوع: تاريخ الدراما في العصور الوسطي ( من مقرر تاريخ الدراما في العصور الوسطي وعصر النهضة)   الخميس أبريل 12, 2012 6:53 am

المسرح في العصور الوسطى

مدخل إلى الدراما في العصور الوسطى
يُعد "سينيكا" آخر كاتب مسرحي له أهمية في تاريخ المسرح الروماني، فقد مات عام 65 م وبعده استمرت العروض المسرحية إلى أن نصل إلى عام 476 م، وهو العام الذي شهد سقوط "روما" وإمبراطوريتها الغربية، على أن هذه العروض المسرحية أخذت في التدهور شيئًا فشيء حتى بلغت النهاية في الرخص والبذاءة، وهذا هو السبب الذي جعل الكنيسة، فيما بعد، بعد أن تتسلم مقاليد السلطلة، أو تستولي عليها بالمعنى الصحيح، تُحَرِّم المسرح تحريمًا قاطعًا في أي صورة من صوره المتعارف عليها، واعتبار الممثلين في فئة واحدة مع اللصوص والعاهرات وغيرهم ممن ينبذهم المجتمع.
وهكذا سيطرت الكنيسة على كافة جوانب الحياة في "أوروبا" في العصور الوسطى وأصبحت هي منبع الفن والجمال، وإن لم يحالفها التوفيق في كل خطاها، ولعل السبب يعود في ذلك إلى محاربة الكنيسة لكل ما هو إغريقي أو روماني، وعليه جاءت كثير من التعاليم بعيدة عن سنة المسيح وتعاليمه، وذلك أن الكنيسة في أيامها الأولى كان لابد لها أن تعلن أن هذه الحياة مؤقتة ونحن في طريقنا من خلود الوجود السابق إلى خلود الوجود اللاحق، وعليه تسعى الكنيسة لتغطية الجسد الإنساني الذي تباهت به الحضارة الإغريقية لتخفيه الكنيسة وكأنه شيء فاضح، كذلك حاربت الكنيسة مفهوم الإغريق للفن، فهم يرون الجمال في الفن من أسمى وظائف الإنسان، بينما تراه الكنيسة نشاطًا غير مستحب لأنه يتطلب اللذة والخيلاء، كما أن الكنيسة تدعوا مريديها إلى الغيمان واكتشاف عظمة هذا الدين وليس اكتشاف أسرار الحياة والموت كما كان يفعل الإغريق.
وقد ترتبت على هذه النظرة أن تجمدت الكتابة المسرحية منذ وفاة "سينيكا" إلى أن نصل لما يسمى بالعصور الوسطى (من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر الميلادي) وإن ظهرت بعض الأعمال الفنية التي قدمتها فرق الممثلين الجوالين التي لم تختف على الإطلاق بل ظلت مستمرة معظم الأوقات، كذلك ظهرت محاولة من قبل راهبة من "ساكسونيا" تدعى "روزفيتا" كتبت عدة كوميديات ورعة على نمط كوميديات "ترينيس" الروماني.

وعليه نستطيع القول أن العصور الوسطى لا يمكن أن تسمى بأنها عصور مظلمة على طول الخط، فقد كانت مظلمة حقًا فيما يتعلق بالنسبة لتاريخ الكتابة المسرحية، ومع ذلك فإن عودة ظهور المسرح خلال القرن العاشر لا تعود إلى فرق الجوالين ولا إلى كتابات "روزفيتا"، بل ترجع إلى الكنيسة، مما جعل بداية المسرح مرة أخرى بداية دينية، مما يؤكد أن المسرح في كل مرحلة من مراحل انطلاقه وبداياته تكون البداية دينية كما هو الحال مع المسرح الفرعوني والمسرح اليوناني ومسرح العصور الوسطى الديني.

وهكذا وجدنا دور الكنيسة يتبلور من خلال مسرحية صغيرة من أربعة سطور صغيرة تدخل على طقوس قداس الفصح الكنسية وترتب عليه أن ارتبط أداء الطقوس الدينية بشيء من التمثيل، وبعدها تطورت هذه المسرحيات الصغيرة وخرجت من الكنيسة ونظمت في مجموعات عرفت باسم "حلقات الأسرار"، وهي مسرحيات مستمدة من الكتاب المقدس، وظلت محتفظة بوظيفتها الدينية أساسًا.
وبرغم حرص الكنيسة على بقاء هذه المسرحيات دينية إلا أن يد المؤلف المسرحي امتد إليها من أجل إشراك بني البشر وقضاياهم الإنسانية على هذه الأعمال، فوجدنا بداية تصوير روح البشر كما في المسرحية الدينية التي تقدم قصة سيدنا "نوح" ما لبثت أن اكتسبت شيئًا من الفكاهة ومزيدًا من المتعة وهي تصور زوجة "نوح" المشاكسة وقد رفضت أن تركب السفينة حتى يسمح لها أن تصطحب معها كل المثرثرات من عجائز البلد.
ومما سبق نستطيع القول أن مرحلة العصور الوسطى هذه ستشهد المسرح المتجول الذي يعد من رواسب المسرحيات الكلاسيكية، وكذلك المسرح الكنسي للوعظ والإرشاد، وظهرت حلقات من مجموعات دينية وأخلاقية ذات قيمة تاريخية، أما من الناحية الفنية فقد مزجت الشعر الغنائي والشعر التمثيلي والقصصي، فمثلاً سمى "دانتي الليجري" (1318م) قصته بالكوميديا المقدسة رغم أنها قصة وليست مسرحية، معللاً ذلك بأن بدايتها محزنة وخاتمتها مفرحة.

أ. المسرح الديني

# المسرح داخل الكنيسـة:
إن أهم ما يتميز به الفن المسرحي في العصور الوسطى هو ظهور المسرحيات الدينية، فبعد أن كان رجال الدين يحرمون التمثيل ويطاردون الممثلين أصبحنا نرى فنًا جديدًا تحتضنه الكنيسة، ويقوم بالأدوار فيه رجال الكنيسة أنفسهم، ذلك أنهم رأوا في فن التمثيل لونًا من ألوان التبشير في عصر كثر فيه الجهل وانتشرت الشعوذة الدينية بجانب كثرة الحروب بين أمراء الإقطاعيات وما ينتج عنها من مجاعات وأمراض، وكان رجال الدين وقتئذٍ هم الفئة المثقفة في البلاد، وكان عليهم العبء الأكبر نحو المجتمع المليء بالشرور.
بدأت هذه المسرحيات الدينية بمناظر قصيرة، ثم تطورت إلى مسرحيات طويلة، لعب الحوار دورًا مهمًا في بنائها، وكان الجمهور يقابل كل لون من ألوان المسرح الديني بشعورٍ ملتهب من الحماس، ولاسيما في السنوات التي اشتدت فيها الحروب الصليبية. واستمر رجال الدين يؤلفون ويمثلون المسرحيات حتى جاء الوقت الذي اضطروا فيه إلى الاستعانة بغير رجال الدين من أعضاء النقابات المهنية الذين يجيدون تأليف المسرحيات أو أدائها، كما ساعدهم الإشراف بأموالهم ونفوذهم.


إن أقدم نص وصل إلينا من المسرحيات الدينية هو ما كتبه الراهب الإنجليزي "سانت ريتولد" (915- 975 م) عن عيد الفصح، وكذلك وصلتنا مسرحية "ميلاد المسيح" التي ترجع إلى القرن الحادي عشر الميلادي الذي شهد عددًا كبيرًا من هذه المسرحيات.
ويظهر أن القسيسين الذين كانوا يقومون بالأداء التمثيلي كانوا يجدون لذة في ذلك، فحاولوا تطوير المسرح بإدخال المناظر المثيرة، كما حاولوا أن يقربوا المسرحيات إلى واقع الحياة فأدخلوا فيها عناصر ومواضيع غير دينية، مما أدى إلى تطور الأدب المسرحي والفنون المسرحية بصفة عامة، وظهور ما أسماه المؤرخون "الأدب المسرحي النصف ديني"، وكذلك خافت الكنيسة على أن تكون دورًا للتمثيل وأن يكون المذبح هو المسرح، فاضطر القسيسون إلى استخدام ساحات الكنائس لهذا الغرض.

والمسرحيات النصف دينية بدأت في "إنجلترا" ثم انتقلت إلى "فرنسا"، ومنها إلى "إيطاليا". وهكذا انتقلت المسرحية من بلدٍ إلى آخر من البلاد التي اعتنقت المذهب الكاثوليكي، ثم تطورت وتنقلت بما عرف القسيسين من طلاقة في اللغة اللاتينية، وفي نهاية القرن الثالث عشر الميلادي نجد تطورًا آخر في هذه المسرحيات، فقد لوحظ أن التمثيليات التي أخذت من الدين على اختلافها كانت تكتب باللاتينية، ثم كتب نصفها باللاتينية ونصفها الآخر بلغة من اللغات القومية الأوروبية. ولم تختف اللغة اللاتينية إلا بعد انتقال الحفلات التمثيلية من الكنيسة إلى الأماكن العامة.

# المسرح خارج الكنيسة:
تمكن الفن التمثيلي من الانفصال عن المراسم الدينية، وذلك عندما سيطرت اللغات الوطنية على هذا الفن بدلاً من اللغة اللاتينية، ففي الأعمال التي قدمت في نهاية القرن الثاني عشر، وخاصةً "قطعة من القيامة" و"تمثيلية آدم"، نجد أن هذه الأعمال أصبحت أشد ارتباطًا بالطقوس الكنسية من حيث موضوعاتها ومن حيث إدخال بعض النصوص الطقوسية في الدراما، ولكنها تتميز عنها بميزتين جوهريتين وهما أن الحوار فيهما باللغة العامية والحدث لم يعد يجري في الكنيسة، بل في مسرح مقام في الساحة التي أمامها، أو ربما في الدير.
ولقد نشأ المسرح الفرنسي من هذه الأعمال التي أطلق عليها اسم "الدرامات شبه الطقوسية" والتي ستؤدي إلى ظهور الأسرار.
وقد احتفظت الدراما الدينية في العصور الوسطى من أصلها الطقوسي بطابع المسرح الكامل، حيث نرى المناظر والغناء والموسيقى والحوار بل والرقص يتوالى كل منها بدوره للمساهمة في إثارة المشاهد، أو إمتاعه أو تعليمه.

من الدراما الدينية إلى تمثيليات الأسرات (العائلة):
ظل الفن المسرحي وفيًّا للأصل الذي نبع منه برغم انفصاله عن الكنيسة والدين، كما ظل الضياء المنبعث من الكتاب المقدس متألقًا لم يسلك ما سلكته "تمثيلية آدم" التي ترى الإنسان في مركز الصورة تتنازعه القوى الطبيعية والرحمة الإلهية، فلم يلبث مسرح القرون الديني في القرون الوسطى أن فقد جوهر معناه.

لم يكن في الوجود ما يضاهي جمال الإشارة بذكر المسيح المنقذ، ولكن هذا التحمس لم يكفِ لظهور شاعر نابغ له من المشاعر الشخصية ما يساعد على التغني بالآلام، هذا القلب المعذب، ومع ذلك ظهرت هذه الروحانية في بعض تسابيح الميلاد لدى أهل إقليم "الفالون" وفي أسلوب تمثيلية "القديس نيقولا" الزاخرة بسحر الشرق الذي أثرت في عقول الصليبيين بعد عودتهم منه.
وقد توفي مؤلفها الشاعر "جان يوديل" -وهو من أهل بلدة "أمراس"- بالجزام في عام 1210م. كما برزت الروحانية في مقاطعة "أومبريا" و"توسكانيا" في مذابح الرهبان من الفرنسيسكان، فارتبط اسم "جاك دي تودي" (1230- 1306) بأجمل هذه المحاورات التي تنطق بالحب الإلهي والتي أذكى فيها إيمان الشعب لمدة طويلة من فوق المسارح المتنقلة في القرى.

وفي القرن الثالث عشر أوحى حب العذراء بمسرحيات "معجزات سيداتنا"، وهي عبارة عن تمثيليات صغيرة كلها تقوى وورع وخيال، ضعف فيها الجانب الواقعي متأثرًا باللياقة الراقية، وكانت مسرحية "تيوفل" لمؤلفها "واتبيف" أشبه بمقدمة لتراجيديا "الدكتور فاوست" (النصف الثاني من القرن الثالث عشر).
وفي عام 1264 افتتحت احتفالات "عيد الإله" للاحتفال بذكرى القربان المقدس، فجمعت بين المجموعتين الكبيرتين للتراجيديا الإلهية. وفي كل من "أسبانيا" و"إيطاليا" و"إنجلترا" كانت هذه الحفلات المقدسة تزين بالمواكب، فكانت العربات المزركشة تعرض لوحات حية، وهي مزيج من مشاهد الكتاب المقدس والأخبار المحلية والمناظر المألوفة في البلدة.

تمثيليات الأسرار:
في القرن الثالث عشر كان المنشدون ينشدون آلام السيد المسيح بالشعر في الأسواق، ويقرنوها بمواقف تمثيلية صامتة، ومن ثَمَّ كونت فرقة محلية، وأسس أول مسرح دائم في "باريس" يوم خطيت إحدى الفرق بامتياز التمثيل بترخيص خاص من الملك "شارل السادس" واستمرت إلى الوقت الذي بدأ فيه "كورني" نشاطه المسرحي.
ومن بين المؤلفات التي صورت آلام المسيح بالفرنسية، نذكر منها ثلاثة من أشهرها ألفت في مدينة "أراس"، الأولى عبارة عن أناشيد بدائية عليها توقيع "أوستاس مركاديه" سنة 1420، والثانية من تأليف مدير الموسيقى في الكنيسة "أرنوجريبان" سنة 1450، وفيها فن شعري راسخ، ثم ثالثة مقتبسة من السابقتين جمعها "جان ميشيل" سنة 1486، وبها بعض التغييرات جمعها في حوالي 45 ألف بيت من الشعر، وكان يستغرق عرضها وترتيلها حوالي عشرة أيام. هذا والمؤلف قيم من ناحية أسلوبه الملون، وأغلب المناظر عبارة عن مناظر للحياة العادية، مثل حياة "عازار" أو حياة "مادلين"، وهي تؤثر فينا بألوانها الفنية.

كان المسرح عبارة عن سقالة ضخمة من الخشب فوق مدرجاته، وكانت المدرجات ألواحًا مزينة من الأعلام، وتمتد أمام منصة العرض التي كان عرضها أكثر من طولها، وهي مقسمة إلى نحو عشرة أقسام، كل منها لمنظر خاص، ويمكن أن تسمى خانة لأن التمثيل كان يمثل في إحداها تلو الأخرى، لو كانت تعرض في الموكب.
وهكذا كان أكثر من سبعين مشهدًا تتعاقب وينفذها أكثر من مائة وخمسين ممثلاً، يقوم كل منهم بأكثر من دور، وذلك عدا الشخصيات التي لا تمثل دورًا بعينه، وكان على يمين المنصة فوهة الجحيم، وهي ضخمة تخرج لهبًا وتمس عجلة تحمل المعذبين، أما صغار الشياطين فتخرج تمرح حول أوانٍ كبيرة وبيدها شوكات، ومن الناحية الأخرى من المسرح تدور عجلة الجنة والملائكة عليها وكأنها تاج حول جبين الرب، وكان جبل "التابور" معدًا لعرض مشهد التجسد، وبجانبه بحر وعليه زورق وجدافيه، وهو يسيل، ورأس القديس "يوحنا المعمدان" وهو يطير بعيدًا عن جسمه.

وفي عام 1548 صدر قرار من برلمان "باريس" يمنع عرض مشاهد "آلام المسيح"، ولكنها استمرت في الأقاليم إلى نهاية العصر الكلاسيكي، وقد حاولوا إدخال تجديدات في هذه المشاهد وترك الجانب الوطني، ولكن هذا التجديد المفتعل والذي جاء متأخرًا لم يثمر سوى مؤلفات انتقالية. ونستطيع أن نختم القول بأن فن مسرحيات الأسرار انتهى بنا إلى "شكسبير".

قبل أن ننتقل إلى الحديث عن المسرح الهزلي، لابد وأن نوضح أن مسرحيات (تمثيليات) الأسرار قد أخذت عدة مراحل في ظهورها وتطورها، فالمرحلة الأولى وهي مسرحية تصور عذابات المسيح، والمرحلة الثانية تسمى بـ"مسرحيات الكرامات Miracle Plays"، والمرحلة الثالثة أو النوع الثالث يسمى بالمسرحيات الأخلاقية.
كذلك تتوافر لدينا عدد من المسرحيات الدينية المنتمية إلى هذه الفترة، وهما "تمثيلية آدم" و"معجزة المرأة التي نجتها السيدة العذراء من الحريق"، وهي نصوص كاملة سنعرض لها بالحليل.

ب. المسرح الهـزلي
عرف المسرح في العصور الوسطى نوعًا آخر من أنواع الدراما ظهر وتطور خلال العصور الوسطى، أو قد يكون قديمًا لم يختف، وهو ما عرف باسم "مسرحيات الفاصل الهزلي"، ومن المحتمل كذلك أن تكون نشأة هذه "الفواصل" راجعة إلى المسرحيات الأخلاقية أو العروض التي كان يقدمها الممثلون المتجولون.
وأيًّا كان الأمر، فإن هذه "الفواصل" تمثل خطوة مهمة في تاريخ الكتابة المسرحية، فقد أصبح المسرح من خلالها دنيويًّا من جديد، وعاد مرة أخرى إلى تأدية وظيفته الأولى، وهي التسلية والترفيه. وقد بقيت لنا عدة نماذج ممتازة من هذا النوع من المسرحيات.

# في فرنسـا:
أشهر هذه النماذج مسرحية من "فرنسا" اسمها "السيد بيير باثلاين" التي مازال الجمهور الحديث يجد متعة في تتبعها، وتحكي المسرحية مغامرة من مغامرات "بيير" المحامي المحتال الذكي، إذ جاءه في يوم من الأيام رجل متهم بسرقة الخراف ليوكله عنه، فنصحه المحامي بحيلة جريئة تضمن له البراءة، وذلك بأن يجيب بصوت الخروف، أي لا يرد إلا قائلاً "ماء" على كل سؤال يوجهه إليه القاضي أو المدعي في المحكمة، ولكن "بيير" يقع في شر أعماله ويتبين أن موكله لم يكن أبله على أي حال، فعندما يسأله أن يدفع له أتعابه لا يعطيه الرجل غير "ماء".

# في ألمانيـا:
قد تكون أفضل مهازل العصور الوسطى تلك التي جاءتنا عن "ألمانيا"، فهناك أخرج العشرات من هذا النوع من المسرحيات "هانز ساكس" (1494- 1576) الشاعر والإسكاف المحبوب الذي كان يقطن "نورمبرج القديمة" (موطن "بريخت" فيما بعد).
وبالرغم من بساطة هذه المسرحيات وسذاجتها فإنها تمتاز بالبهجة والمرح، ونضرب لها مثلاً بمسرحية "الرجل المتماوت" التي نرى فيها زوجًا ساذجًا يضيق بشكة في محبة زوجته له فيقرر أن يختبر حبها له بحيلة ساذجة، وهي أن يرقد متظاهرًا بالموت، ولا شك أنه لن يلجأ إلى هذه الحيلة مرة أخرى لأن زوجته المتنمرة تستشف تحايله مباشرة وتشرع في تعذيبه بالتعبير عن فرحها بما ستنعم به وقد صارت أرملة، فلا يسع الرجل إلا أن يقوم مذهولاً مكروبًا، ومع أن الزوجة تعترف له أخيرًا بأنها لم تكن تقصد إلا إغاظته ومداعبته، فإن الرجل المبلبل الفكر لم يعد قادرًا أن يتأكد من هذا أبدًا، وقد أدت حيلته إلى مزيد من الشك والعذاب. وهكذا يصح القول القائل: "خير للرجل ألا يحتال أبدًا على امرأته".

# في إنجلتـرا:
عرفت "إنجلترا" أيضًا هذا النوع من الفواصل، وكان من أشهرها ما كتبه "جون هيوود" (حوالي 1497- حوالي 1580) بل إنه ليس هناك فارق كبير في الواقع بين مسرحية كمسرحية "جوهان جوهان" التي كتبها "هيوود" ومسرحية كمسرحية "رالف رويستر دويستر" أو مسرحية "أبرة جامر جوتون" اللتين تعتبرا بداية الكتابة المسرحية في عصر النهضة بـ"إنجلترا"، وقد تطورت هناك تلك البداية حتى بلغت أوجها في عبقرية "شكسبير"

ملامح المسرح الهزلي (مسرحية الفواصل):
من المعروف أن الهزل نبت من الشعب وفي الشعب، فهو أمام أصاغر الناس وسيلة للانتقام يستعملها بحيطة وحذر، وفي الحقيقة كان هذا المسرح ذا صدى ضئيل. فهل تأثر هذا المسرح بأحزان الزمن وأحداثه؟
الحق يقال إنه ضيق الآفاق، والشعب يسعد إذا تمكن الماكر من أن يتغلب على القاسي الظالم، وتحت ستار هذا المسرح يمكن عدم الثقة بالطبيعة، وهي في ذلك متوارثة (كسوء معاملة المرأة) ولكن هذه السخرية لم تكن كريمة باعثة على المرح في النفوس.

استخدمت الهزليات المهرجة أيضًا الصور الرمزية كأسطورة وكأنها قناع ثانوي، فالمغفل على المسرح يرتدي زي مجنون القصر، ويتكلم بصراحة تامة عن الحالة السياسية وحتى إذا حاول مساندة صاحب السلطان أساء إليه دون قصد مثل تمثيلية "أمير المغفلين" التي تساند الملك "لويس الثاني عشر" ضد البابا "يوليوس الثاني" لدرجة أن الملك "فرانسو الأول" غير من هذا النقد الشعبي ومحاه.





الإخراج في مسرح العصور الوسطى:
لعل أصل ابتكارات العصور الوسطى في ميدان المسرح ينحصر في الإخراج المتصاحب الذي كان يستعمل في القرن الثاني عشر وامتد استعماله حتى عهد "كورني".
وينحصر هذا الإخراج في وضع جميع المناظر منذ البداية بعضها بجانب البعض الآخر، حيث ينتقل الأشخاص من أحدها إلى الآخر تبعًا لضرورات التمثيل، وفي وسعنا أن نتعرف على ملامح الإخراج فيما يتعلق بالمناظر المسرحية من مقدمة "البعث"، تلك القطعة التي ترجمها "سيبية" وذكر فيها أن الأماكن قد أعدت سواء مكان الصليب ثم القبر وغرفة السجن، ثم الجحيم والسماء، ... إلخ.
وفي "تمثيلية آدم" يوجد ثلاثة أماكن على الأقل: الفردوس الأرضي في مكان مرتفع، ومحاط بواجهات منتهية بغرف صغيرة، ومزخرف بأغصان الأزهار، ثم الأرض حيث يرى "آدم" و"حواء" يعملان بعد خطيئتهما، ثم الجحيم حيث تخرج الشياطين الذين ينتشرون بين المشاهدين؛ وذلك أن مسرح العصور الوسطى كان يستخدم هو الآخر طريقة إيصال القاعة بالمسرح.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تاريخ الدراما في العصور الوسطي ( من مقرر تاريخ الدراما في العصور الوسطي وعصر النهضة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دراسات مسرحية متخصصة :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: